زوجات المفقودين في غزة: حياة مُعلقة على قيد الأمل

زوجات المفقودين في غزة: حياة مُعلقة على قيد الأمل

زوجات المفقودين في غزة: حياة مُعلقة على قيد الأمل


23/06/2026

لم تعد غدير عيسى تعدّ الأيام منذ اختفاء زوجها، فقد تجاوزت المرحلة التي كانت تضع فيها علامات على التقويم بانتظار خبر يبدد الغموض، واليوم تقول إنّها تعيش مع سؤال أكبر من الزمن نفسه، وهو كيف يمكن لامرأة أن تدير حياة كاملة، بينما يقف مصير زوجها في منطقة لا يصلها اليقين؟

في خيمة مهترئة نصبت فوق أرض رملية في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، جلست غدير، البالغة (41 عاماً)، تستعيد تفاصيل الشهور الطويلة التي أعقبت فقدان زوجها، لا بوصفها قصة انتظار فحسب، بل باعتبارها معركة يومية مع واقع قانوني واجتماعي واقتصادي شديد التعقيد.

زوج غدير عيسى فُقد خلال رحلة النزوح القسرية من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، في خضم ظروف إنسانية بالغة القسوة، ومنذ ذلك اليوم انقطعت أخباره تماماً، ولم يعد إلى أسرته، تاركاً وراءه مصيراً مجهولاً وقلوباً مثقلة بالقلق والانتظار.

وتشير تقارير بينها ما وثقته "هيئة حقوق الإنسان" إلى أنّ عدد المفقودين والمخفين قسراً في غزة قد يتجاوز 11 ألفاً و200 شخص، بينهم أكثر من 4 آلاف و700 من النساء والأطفال، مع تسجيل مئات البلاغات الرسمية عن حالات فقدان.

ووفق المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً، يعيش بعض النساء حالة قانونية معلقة، إذ لا يعرفن إن أصبحن أرامل أم ما زلن مرتبطات بزيجات قائمة، ممّا ينعكس على قضايا الإرث والزواج والهوية القانونية للأسرة.

وفي السياق ذاته، لفتت تقارير حقوقية إلى تدمير واسع طال المقابر وعمليات نبش القبور، الأمر الذي أدى إلى فقدان علامات الدفن وصعوبة التعرف لاحقاً على الرفات أو مطابقتها مع ذويها.

وأشارت إلى تسليم جثث مجهولة الهوية في حالات متعددة، بعضها وصل في ظروف تحلل متقدمة أو دون بيانات تعريفية، وهو ما دفع إلى دفن عدد منها في مقابر جماعية، وأفادت وزارة الصحة بأنّ 377 جثة من أصل 480 دُفنت دون تحديد هويتها.

حياة مُعلقة

تقول غدير: "في البداية كنت أظن أنّ المشكلة نفسية فقط، وأنّ أصعب ما أواجهه هو الخوف عليه، لكنني اكتشفت مع مرور الوقت أنّ الفقدان يغير كل شيء في الحياة، فأصبحت مسؤولة عن اتخاذ القرارات وحدي، وعن إدارة جميع شؤون الأسرة، وفي الوقت نفسه لا أملك إجابة عن أبسط سؤال يطرحه الناس، أين زوجك؟".

وتضيف: "عندما تتأكد وفاة شخص يكون هناك واقع مؤلم لكنّه واضح، أمّا عندما يكون مفقوداً فيبقى عالقاً بين احتمالات لا تنتهي، فلا أستطيع الحديث عنه باعتباره غائباً للأبد، ولا أستطيع التعامل معه كحاضر".

وخلال الحديث تتوقف أكثر من مرة عند نوعية الأسئلة التي تتلقاها من المحيطين بها، وتواصل: "الناس لا يقصدون الأذى غالباً، لكنّ الأسئلة تلاحقنا باستمرار، هل سمعتم عنه شيئاً؟ هل تعتقدين أنّه ما زال حياً؟ هل ورد اسمه في أيّ قائمة؟ هل بحثتم في المكان الفلاني؟ هذه الأسئلة تعيدنا إلى نقطة الصفر كل يوم".

وتتابع: "أشعر بأنني مطالبة بتقديم تفسير دائم لغيابه، كأنني المسؤولة عن إيجاد إجابة لا يملكها أحد، فهناك من يطلب منّي التمسك بالأمل، وهناك من يلمح إلى ضرورة تقبل الأسوأ، بينما أنا لا أستطيع أن أفعل هذا أو ذاك".

معاناة تتجاوز الغياب

وعن الجانب الأقلّ حديثاً في قصص المفقودين، تشير إلى المشكلات الإدارية والقانونية التي تواجه الأسر، وأنّ هناك معاملات كثيرة تحتاج إلى حضور الزوج أو إلى إثبات وضعه القانوني، لكن ماذا نفعل عندما لا يكون لدينا شيء يثبت حياته أو وفاته؟".

وتوضح: "المفقود يصبح حالة مُعلقة حتى في الأوراق، فلا يوجد توصيف بسيط يختصر وضعه، وهذا ينعكس مباشرة على الأسرة، فالمؤسسات والأوراق الرسمية تبحث دائماً عن إجابات واضحة، بينما أنا لا أملك أيّ إجابة، وأعيش داخل فراغ كامل".

وداخل حقيبة صغيرة تحتفظ غدير عيسى بعدد من المتعلقات الشخصية الخاصة بزوجها، وتخرج صورة قديمة وتقول: "في البداية كنت أفتح الحقيبة كل يوم تقريباً، والآن أصبحت أفعل ذلك على فترات متباعدة، ليس لأنني نسيته، بل لأنّ الذكريات نفسها أصبحت تحتاج إلى قوة لتحمّلها. أخشى أن تتلاشى تفاصيله من ذاكرة أطفالي، لذلك أتحدث عنه باستمرار، أحكي لهم كيف كان والدهم يتصرف، وما الذي كان يحبه، وما هي أحلامه لهم".

وتؤكد أنّ "الإنسان يستطيع التعامل مع الحقائق مهما كانت مؤلمة، لكنّه ينهار عندما يبقى أسير المجهول، لأنّ الغياب لا يأخذ الشخص وحده، بل يأخذ معه استقرار عائلة كاملة".

انتظار لا ينتهي

وفي مركز النور للنازحين وسط القطاع، تجلس شروق عطوة (38 عاماً) محاطة بأطفالها الأربعة، تنظر إلى باب الخيمة كلما سمعت حركة في الخارج، كأنّها ما زالت تنتظر أن يدخل زوجها فجأة وينهي شهوراً من القلق.

وتقول عطوة بصوت متعب: "خرج زوجي مع عدد من الجيران بعد قصف المنطقة، ثم انقطعت أخباره تماماً، بحثنا في المستشفيات، وسألنا الناجين، وراجعنا كل القوائم التي صدرت لاحقاً، لكنّ اسمه لم يظهر في أيّ مكان".

وتتوقف قليلاً قبل أن تتابع: "الموت، رغم قسوته، يمنح الإنسان يقيناً ما، أمّا الفقدان فيتركك معلقة في منتصف الطريق، لا تستطيعين البكاء الكامل لأنّ هناك أملاً، ولا تستطيعين الفرح لأنّ الخوف لا يغادر قلبك".

وتصف عطوة تفاصيل الانتظار اليومي قائلة: "أستيقظ كل صباح وأتخيل أنّه ربما سيصل خبر اليوم، وأحياناً أسمع عن شخص عاد بعد أسابيع أو أشهر، فأتمسك بالأمل من جديد، ثم تمر الأيام دون شيء، وهذا التأرجح بين الرجاء واليأس يستنزف الإنسان أكثر ممّا يتخيل الآخرون".

وتوضح: "أصعب اللحظات عندما يسألني ابني الصغير عن والده، يريد جواباً واضحاً، وأنا لا أملكه، فأقول له إننا ما زلنا نبحث عنه، فيردّ، ولماذا لا يعود إذن؟ عندها أشعر بعجز لا أستطيع وصفه".

الأمل وسيلة للبقاء

ولا تقتصر معاناة زوجات المفقودين على الجانب النفسي فقط، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتتابع عطوة: "كان زوجي مسؤولاً عن كل شيء تقريباً، ولم أفكر يوماً في كيفية إدارة أمور الأسرة وحدي، وفجأة وجدت نفسي أمام مسؤولية أربعة أبناء، وتأمين الطعام والماء والاحتياجات الأساسية، بينما لا أعرف أصلاً إن كان زوجي حياً أم ميتاً".

وتواصل: "المشكلة ليست فقط في الغياب، بل في غموض هذا الغياب، ولو وصلنا خبر مؤكد لاستطعنا ترتيب حياتنا بطريقة أو بأخرى، لكننا عالقون في منطقة رمادية لا تسمح لنا بالتقدم أو التراجع".

وتكمل عطوة حديثها: "أشعر بالذنب إذا فكرت في المستقبل، كأنّ مجرد التفكير في كيفية مواصلة الحياة يعني التخلي عنه، ثم أعود وأقول لنفسي إنّ الأطفال يحتاجون إلى من يرعاهم، وهذا الصراع الداخلي لا ينتهي".

وعن مشاعرها المتناقضة، تقول: "هناك أيام أكون مقتنعة بأنّه سيعود، وأيام أخرى أشعر أنني أخدع نفسي، لكنّ الإنسان يحتاج إلى شيء يتمسك به حتى يستمر".

وتضيف "الناس يسألونني دائماً، هل لديكم أمل؟ الحقيقة أنّ الأمل ليس خياراً بالنسبة إلينا، هو الشيء الوحيد الذي يمنع الانهيار الكامل".

بين الأمل والقيود القانونية

بدوره، يقول أستاذ القانون الجنائي في جامعة القدس أسعد خاطر: إنّ "زوجة المفقود تعيش في منطقة قانونية رمادية، فهي ليست أرملة فتتمكن من ترتيب أوضاعها القانونية كاملة، وليست زوجة مستقرة بوجود زوجها، وهذا الوضع يتركها معلقة بين الأمل بعودته والقيود القانونية التي تحد من قدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية تخص حياتها وأسرتها".

ويضيف خاطر: "أبرز التحديات القانونية التي تواجه هؤلاء النسوة تتمثل في غياب اليقين القانوني بشأن مصير الزوج، وما يترتب على ذلك من تعقيدات في النفقة، وإدارة الممتلكات، واستخراج الوثائق الرسمية، والحصول على الحقوق المالية والمساعدات المخصصة للأسر المتضررة".

ويوضح: "لا يقتصر أثر الفقدان على الزوجة فقط، بل يمتد إلى الأبناء الذين قد يواجهون صعوبات تتعلق بالولاية القانونية والمعاملات الرسمية والحقوق المالية، ممّا يضاعف الأعباء المعيشية والنفسية على الأسرة بأكملها".

ويشير إلى أنّ "القوانين التقليدية وضعت لظروف اعتيادية، بينما حالات الفقدان الجماعية في الحروب تفرض واقعاً استثنائياً يحتاج إلى إجراءات أسرع وأكثر مرونة توازن بين حماية الحقوق وعدم التسرع في إصدار الأحكام المتعلقة بمصير المفقودين".

ويرى خاطر أنّه "لا يجوز أن تتحول حالة الفقدان إلى عقوبة مفتوحة للزوجة والأبناء، والمطلوب هو توفير حماية قانونية عاجلة تضمن لهم الحياة الكريمة وإدارة شؤونهم وحقوقهم الأساسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الضمانات القانونية المرتبطة بمصير المفقود".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية