دروع بشرية وجرائم حرب وتضليل إعلامي... "حفريات" تفكك استراتيجية الإخوان بمدينة الأبيض

دروع بشرية وجرائم حرب وتضليل إعلامي... "حفريات" تفكك استراتيجية الإخوان بمدينة الأبيض

دروع بشرية وجرائم حرب وتضليل إعلامي... "حفريات" تفكك استراتيجية الإخوان بمدينة الأبيض


07/07/2026

 

شهدت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تحولاً مأساوياً خطيراً في مسار النزاع السوداني، حيث لم تعد المدينة مجرد ساحة مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى نموذج صارخ لتوظيف الملف الإنساني كأداة لإدارة المعركة من قِبل ميليشيات الحركة الإسلامية ولواء "المستنفرين" التابع لها والمتحالف مع الجيش السوداني.

 وتكشف المعطيات الميدانية التي توصلت إليها "حفريات" عن استراتيجية ممنهجة تنتهجها هذه المجموعات لتفخيخ الواقع الإنساني وتوظيف معاناة مئات الآلاف من السكان الأبرياء والنازحين كغطاء سياسي وعسكري لتمرير أجنداتها، وسط تصاعد مخيف في الانتهاكات والجرائم المرتكبة خلف الأبواب المغلقة.

حصار الداخل وتكتيك الدروع البشرية

أفادت مصادر ميدانية خاصة لـ "حفريات" بأنّ عناصر من ميليشيات الحركة الإسلامية والعصابات المسلحة المتحالفة معها أحكمت طوقاً خانقاً على منافذ مدينة الأبيض، وقامت بإغلاق جميع الطرق والمسارات المؤدية إلى الخارج. 

وبحسب المعلومات، فإنّ هذا الإجراء لم يكن موجهاً لصد خطر خارجي، بل استهدف بالدرجة الأولى منع المدنيين والنازحين من مغادرة المدينة، عقب ورود تقارير عن حشد قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها تعزيزات عسكرية كبيرة حول المنطقة.

ولم تتوقف جرائم الإخوان عند منع المدنيين من مغارة المدينة، بل وجهوا تحذيرات صارمة للمواطنين، مهددين كل من يحاول الفرار بالاعتقال الفوري بتهمة العمالة، أو الإعدام الميداني دون محاكمة.

 ويأتي هذا السلوك ليتحدى بشكل سافر التحذيرات الدولية الصارمة، ولا سيّما التحذير الصادر عن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الذي شدد على ضرورة تجنيب المدنيين في الأبيض أيّ مواجهات وشيكة، والالتزام بفتح ممرات آمنة تضمن حريتهم الكاملة في التنقل والمغادرة. غير أنّ الآلة العسكرية الإخوانية ضربت بتلك التحذيرات عرض الحائط، متبعة تكتيك "الدروع البشرية" لاستغلال الكثافة السكانية العالية كورقة ضغط أخلاقية وعسكرية، وتحويل المدنيين إلى وقود للحرب وضمان مادة بشرية للاستثمار الإعلامي لاحقاً.

انتهاكات ميدانية وتضليل إعلامي

في سياق متصل، كشفت مصادر استقصائية خاصة بـ "حفريات" من داخل المدينة عن وقوع انتهاكات واسعة النطاق ترتكبها ميليشيا المستنفرين الإسلامية منذ إحكام سيطرتها على الأبيض أواخر أيار (مايو) الماضي. وتلقت "حفريات" الكثير من الشكاوى والشهادات من مواطنين ومدنيين يدفعون يومياً ثمن إرهاب الميليشيات الإخوانية، حيث شملت الانتهاكات أعمال سلب ونهب وقتل واسعة، إلى جانب تصاعد مخيف في عمليات الاختطاف، والاحتجاز التعسفي في معتقلات سرية، فضلاً عن تسجيل حالات اغتصاب وعنف جنسي ضد النساء كوسيلة لكسر إرادة المجتمع المحلي وإجباره على البقاء تحت سطوتهم.

ولم تقتصر الجرائم على الترويع الجسدي، بل امتدت لتشمل فرض سياسة التجويع والإنهاك الاقتصادي عبر التحكم في انسياب السلع والخدمات الأساسية، ممّا أدى إلى قفزات جنونية في أسعار المواد الغذائية وانعدام المستلزمات الطبية، بهدف خلق حالة من الذعر والهلع الدائم بين السكان وجعلهم رهائن بالكامل للميليشيا المسيطرة.

وفي محاولة للتغطية على هذه الفظائع، تفكك "حفريات" خطة الدعاية الإخوانية التي تشن حملة تضليل إعلامي واسعة النطاق وعابرة للمنصات عبر ضخ كميات هائلة من الصور ومقاطع الفيديو المفبركة والمعدلة. 

وتعتمد هذه البروباغندا على صناعة "روايات استباقية" تزعم وجود انتهاكات وشيكة سترتكبها القوات المهاجمة فور دخولها، بهدف شحن الرأي العام واستدرار إدانات دولية مسبقة لشرعنة العنف المفرط للجيش، وفي الوقت نفسه ترويع وإسكات الأصوات المستقلة والناشطين والصحفيين داخل الأبيض الذين يطالبون بنقل الحقائق أو إجراء تحقيقات مستقلة، حيث يتم تصنيف أيّ رأي مغاير كـ "طابور خامس".

الستار الدخاني وتمدد الجرائم في شمال كردفان

الضجيج الإعلامي والتركيز المكثف على مدينة الأبيض ليس إلا "ستاراً دخانياً" (Smokescreen)  مصمماً بدقة لتعمية عيون المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية عن تحضيرات عسكرية ضخمة وانتهاكات جسيمة ترتكبها الميليشيات الإسلامية في جبهات ومحليات أخرى داخل ولاية شمال كردفان، وتحديداً في مناطق جبرة الشيخ، ورهيد النوبة، وبارا، والمزروب.

وكشفت المعلومات الميدانية أنّ لواء المستنفرين الإسلامي تحرك من الأبيض مستهدفاً منطقتي أم سعدون والمُرّة (على بعد نحو 70 كيلومتراً) لإخضاع مناطق بارا والمزروب، معتمداً على العنف المفرط والقصف العشوائي، ممّا أسفر عن مقتل وإصابة عشرات المدنيين العزّل وتدمير أحياء سكنية كاملة. وتعرضت منطقة "المُرّة" لعمليات نهب وسلب منظم طالت كافة ممتلكات المواطنين عقب دخول الميليشيا إليها، قبل أن تضطر للتراجع تحت وطأة التصدي الميداني صوب الأبيض. وبعد تعثر تقدم هذه المجموعات وانحسار نطاق حركتها في محيط منطقة "أم روابة"، صبت جام غضبها على القرى المحيطة مرتكبة انتهاكات واسعة بحق السكان للتغطية على إخفاقها العسكري، مستظلة بالصراخ الإعلامي الإخواني الموجه نحو الأبيض لشرعنة تحركاتها الدموية.

تحرك دولي عاجل وتحفظات سودانية

أمام هذا التدهور الخطير، أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراراً بالإجماع يعرب فيه عن قلقه البالغ إزاء الخطر الوشيك لوقوع فظائع واسعة النطاق في الأبيّض، وأمر بإجراء "تحقيق عاجل" في الانتهاكات والتجاوزات، داعياً بعثة تقصي حقائق مستقلة للتحقيق في أيّ انتهاكات للقانون الدولي والجرائم الدولية المشتبه في ارتكابها في المدينة.

وفي النهاية يظلّ المدنيون في الأبيض محاصرين بين شقي رحى: حصار مادي تفرضه ميليشيات الحركة الإسلامية والمتحالفون معها يستغل دماءهم كدروع بشرية، وتزييف إعلامي يسعى لطمس الحقائق وتبرير جرائم الحرب في كردفان.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية