تداعيات عودة أردوغان إلى الناتو على علاقات انقرة وموسكو

تداعيات عودة أردوغان إلى الناتو على علاقات انقرة وموسكو

تداعيات عودة أردوغان إلى الناتو على علاقات انقرة وموسكو


12/07/2026

كشفت قمة الناتو التي عقدت في انقرة  الاسبوع الماضي عن اعادة تموضع تركي تدريجي داخل المنظومة الأطلسية، مستفيدة من التحولات التي فرضتها الحرب الروسيةالأوكرانية، ومن إدراكها أن الأمن الأوروبي دخل مرحلة جديدة تتصدر فيها اعتبارات الردع العسكري والتحالفات التقليدية، ودون ان يعني هذا التحول أن تركيا بصدد التخلي عن علاقاتها مع روسيا أو الانتقال إلى سياسة المواجهة معها،لكنه يعكس التفافات انقرة بإعادة ترتيب أولويات الأمن القومي التركي ضمن فضاءات المظلة الأمنية للناتو، وهو ما يعني نشوء تداعيات محتملة لهذا التحول على مستقبل العلاقات بين أنقرة وموسكو، خاصة أن البلدين نجحا خلال العقد الماضي في بناء شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية رغم اختلاف مواقفهما في العديد من الملفات الإقليمية.

ولا شك ان هذا التموضع  سيسهم في تراجع مستوى الثقة الاستراتيجية بين تركيا وروسيا،فموسكو كانت تنظر إلى أنقرة بوصفها الدولة الوحيدة داخل حلف الناتو القادرة على تبني سياسات مستقلة نسبياً عن واشنطن وبروكسل، وهو ما منحها هامشاً واسعاً للتعاون مع الكرملين في مجالات الطاقة والتجارة وإدارة الأزمات الإقليمية،إلا أن العودة التركية الواضحة إلى الحلف تعني، من وجهة النظر الروسية،أن أنقرة باتت أقرب إلى أولويات الأمن الغربي منها إلى سياسة التوازن السابقة، وهو ما سيجعل روسيا أكثر حذراً في التعامل مع تركيا باعتبارها عضواً فاعلاً في المنظومة التي تعتبرها موسكو التهديد الأكبر لأمنها القومي.

ولا يستبعد ان يسهم تراجع الثقة في خلخلة التوازن الذي أقامه أردوغان بالحفاظ على علاقاته المتشعبة مع موسكو في ملفات عديدة، بما فيها الملفات الامنية العسكرية والاقتصادية، فعلى الصعيد الأمني والعسكري، لا يستبعد ان تتأثر التوافقات الخاصة بالبحر الأسود بين أنقرة وموسكو،فبالنسبة لتركيا فإن أي هيمنة روسية كاملة عليه ستؤثر على أمنها القومي وعلى حرية الملاحة عبر المضائق التركية، فيما ترى موسكو أن تعزيز الدور التركي بالترتيبات الدفاعية للناتو يحد من قدرتها على ترسيخ تفوقها العسكري في المنطقة، ويحول البحر الاسود من قضية ثنائية مع تركيا الى قضية صراع مع الناتو، وفي الوقت الذي تحولت فيه تركيا إلى بوابة  لروسيا للنفاذ من العقوبات الغربية،إلا أن تعميق العلاقة التركية مع الغرب قد يفرض قيوداً إضافية على بعض أشكال التعاون الاقتصادي، خصوصاً إذا اتجهت واشنطن والدول الأوروبية إلى تشديد الرقابة على حركة الأموال والتكنولوجيا والتجارة المرتبطة بروسيا، ورغم ذلك، فإن المصالح الاقتصادية المتبادلة تجعل من غير المرجح أن تقدم موسكو أو أنقرة على خطوات تؤدي إلى انهيار هذه الشراكة، نظراً لما تمثله من أهمية للطرفين في ظل البيئة الاقتصادية الدولية المعقدة.

وفي هذا السياق، فان العلاقات العسكرية بين موسكو وانقرة، ستخضع لشكوك وهواجس روسية، في ظل مساعي تركيا لإعادة بناء شراكاتها الدفاعية مع أمريكا والدول الأوروبية،خاصة الحصول على أنظمة تسليح وتكنولوجيا متقدمة تعزز قدراتها العسكرية، بما فيها طائرات اف 35 الامريكية، وهو ما يقلل تدريجياً من أهمية التعاون الدفاعي مع روسيا مقارنة بما كان عليه الحال خلال السنوات الماضية، لا سيما منظومة صواريخ اس 400 التي حصلت عليها انقرة من روسيا، والتي يرجح ان تتخلص منها انقرة قريبا، وفي المقابل، ستنظر موسكو إلى هذا التحول باعتباره مؤشراً إضافياً على تراجع فرص بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع أنقرة، الأمر الذي سيدفعها إلى التركيز على أدوات النفوذ الاقتصادية والإقليمية بدلاً من توسيع التعاون العسكري.

ورغم كل ما يمكن تعداده من تداعيات بهذا الخصوص، فإن المرجح ان لا تتجه العلاقات التركية–الروسية لقطيعة أو صدام المباشر، لأن شبكة المصالح المتبادلة التي تشكلت خلال العقد الأخير أصبحت أكبر من أن يتم تفكيكها بسهولة، فروسيا تحتاج إلى تركيا بوصفها ممراً اقتصادياً مهماً وشريكاً في مشاريع الطاقة، كما تحتاج إلى استمرار التنسيق معها في سوريا والبحر الأسود وجنوب القوقاز، وبالمقابل، تدرك أنقرة أن الحفاظ على قنوات الاتصال مع موسكو يحد من احتمالات التصعيد في هذه الملفات، ويحمي جزءاً مهماً من مصالحها الاقتصادية والأمنية، وهو ما يرجح معه أن يواصل الطرفان اعتماد سياسة إدارة الخلافات بدلاً من تصعيدها، مع الفصل بين مجالات التعاون ومجالات التنافس.

وفي الخلاصة، فإن عودة أردوغان بقوة إلى الناتو لا شك تمثل نقطة تحول في طبيعة العلاقات التركية–الروسية، لكنها لا تؤسس لمرحلة من القطيعة بقدر ما تفتح الباب أمام صيغ جديدة للعلاقات تقوم على التنافس المنضبط والتعاون الانتقائي، وستبقى قدرة الطرفين على الحفاظ على هذا التوازن مرتبطة بمسار الحرب في أوكرانيا، ومستقبل العلاقة بين روسيا والغرب، ومدى نجاح أنقرة في الجمع بين التزاماتها الأطلسية ومصالحها الحيوية مع موسكو، وهو ما يعني ان التحدي الذي ستواجهه السياسة التركية لن يكون في اختيار أحد المحورين، بل في إدارة علاقة معقدة مع روسيا دون التفريط بالمكاسب التي تحققها من عودتها المتزايدة إلى المنظومة الأطلسية، وهو ما يعتقد ان الرئيس أردوغان لديه القدرة على تحقيقه، رغم ضيق مساحات وهوامش المناورة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية