حين يتحول الغش إلى استحقاق مجتمع

حين يتحول الغش إلى استحقاق مجتمع

حين يتحول الغش إلى استحقاق مجتمع


16/06/2026

انتشر مقطع فيديو لعشرات من أولياء الأمور يقفون خلف أسوار مدرسة وتحت نوافذ لجان اختبارات إتمام مرحلة التعليم الأساسي (الإعدادية)، وهم يلقنون بناتهم الإجابات. برز من وسطهم صوت سيدة ريفية وهي تنادي على ابنتها قائلة: "ركزي يا بت.. ركزي!" قبل أن تغششها إجابات الاختبار.

هذا المشهد يتكرر في العديد من مدارس مصر، ويعلمه يقينًا العاملون بحقل التربية والتعليم، وللأسف تعايشوا معه كأنّه واقع لا يمكن تغييره، لكنّ المشهد الأكثر خطورة من الغش نفسه، ما حدث في مدرسة بإدارة تعليمية أخرى، حيث اقتحم أولياء أمور بوابة المدرسة وقاموا بالاعتداء على أم طالبة، كل جريمتها أنّ ابنتها رفضت أن تمنح إجاباتها لزميلاتها في اللجنة. فما كان من الأمهات وأقاربهن إلا أن لقنوا الفتاة وأمها درسًا عنيفًا عقابًا لهما على منع زميلات الطالبة من سرقة مجهودها الذي بذلته طوال العام، كأنّ الغش صار استحقاقًا يُعاقَب من يمنعه.

الاعتداء على الأم وابنتها لا يُفهم ولا يُفسَّر إلا إذا وضعناه إلى جوار مشهد العام الماضي، عندما خرجت إحدى الطالبات تشتكي أمام الكاميرات ليس من الأسئلة وصعوبتها، بل من صرامة المراقبين ومنعهم الغش، حتى إنّها وصفتهم بعدم الرحمة لأنّهم منعوا الطالبات من الغش، كأنّ الرحمة أصبحت مرادفًا للتساهل مع الغش، وكأنّ تطبيق القانون صار قسوة تستحق الشكوى، ثم تطور ليصبح سببًا لمعاقبة من يمنع الغش.

هذه المشاهد في حقيقتها تكشف التحول الخطير في نظرة المجتمع إلى الغش، فالغش سلوك معيب، قد يرتكبه البعض تحت ضغوط ما، لكنّه يظل في يقين فاعله وقرارة نفسه خطأ، ويحرص على التخفي أثناء ارتكابه، وإذا ضُبط بكى وأبدى ندمه على اقترافه، ثم بالتدريج ومع التعايش مع فعل الغش وعدم اتخاذ موقف مجتمعي يصحح المسار، صار الغش فعلًا عاديًا لا يشعر مرتكبه بالنقص أو العار.

ومع تكراره وشيوعه، حتى إن صفحات على مواقع التواصل كانت تتعمد تسريب الاختبارات، تحول فعل الغش المشين إلى عمل بطولي، بل صار مصدر فخر لفاعله. فأصبح بعض الطلاب أو أولياء أمورهم يفتخرون بالغش في ليالي السمر، ويحكون لمستمعيهم كيف ارتكبوا جريمة الغش، كأنّهم أبطال معركة حربية، فهذا يفتخر بأنّه غافل المراقب وأدخل الإجابات لابنه، وآخر يعترف بأنّه قدّم رشوة لهذا أو ذاك من ضعاف النفوس، أمّا المتعلم المتنور، فيحكي كيف وظف التكنولوجيا في الغش، وكلّ هذا يتم، للأسف، بينما تبدو المراكز القومية المعنية بالبحوث الاجتماعية في وادٍ آخر، كأنّها لم تنتبه لهذه الظاهرة المعلنة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي يعاني منها المجتمع.

نحن لا نتحدث عن طالب استخدم ما يُعرف بـ "البرشامة" أو نظر إلى ورقة زميله؛ فهذه التصرفات، رغم خطئها، تظلّ أفعالًا فردية، إنّما نحن هنا نرصد ظاهرة مجتمعية متكررة تنمو وتتمدد وتتشكل حتى تكاد تصبح راسخة، نحن أمام ظاهرة تستحق الدراسة، فالسؤال ليس لماذا يغش الطلاب؟ أو حتى لماذا يغشش الآباء أبناءهم؟ بل السؤال الأهم كيف تحولت جريمة الغش إلى حق مكتسب واستحقاق مجتمعي؟ وكيف أصبح الغشاش يعاقب من يحرمه من الغش؟

الأزمة أعمق من مجرد غش في امتحان، فالطالب الذي يرى والده أو والدته يساعدانه على الغش يتلقى رسالة تربوية بالغة الخطورة؛ إذ تصبح النتيجة أهم من الوسيلة، والنجاح أهم من الأمانة، والتحايل مقبولًا إذا كان يحقق مصلحة شخصية. إنّ استمراء تقديم المبررات للغش يؤدي إلى تراجع منظومة القيم، فالغش ليس مجرد تجاوز للوائح أو مخالفة تعليمية عابرة، بل هو اعتداء على مبادئ العدل وتكافؤ الفرص، وإهدار لحقوق المجتهدين، وتربية عملية على التحايل والكذب وتجاوز الأنظمة، وعندما يرى الناس أنّ النجاح في مجالات عديدة لا يعتمد دائمًا على الكفاءة وحدها، بل قد يتأثر بالوساطة أو النفوذ أو التحايل، يصبح من السهل تبرير الغش الدراسي باعتباره مجرد وسيلة مباحة ومعترف بها.

فالكثير من الأسر لم تعد تنظر إلى التعليم باعتباره طريقًا للمعرفة، أو الطريق إلى الترقي الاجتماعي، بل أصبح سباقًا للحصول على الشهادات، وأمام ضغط المجموع والخوف من الفشل، والمكانة الاجتماعية التي يمنحها التفوق الدراسي، يصبح الغش في نظر البعض وسيلة لتحقيق الهدف، ولو كان ذلك على حساب القيم التي يقوم عليها المجتمع.

ومن هنا يبدأ التآكل البطيء لمنظومة القيم، فالذي يتعلم أنّ الغش مقبول قد يتعلم لاحقًا أنّ الرشوة مقبولة، وأنّ التزوير مقبول، وأنّ تجاوز القانون مقبول ما دام يحقق منفعة، فالقيم لا تتجزأ، والأمانة ليست مادة دراسية يمكن النجاح فيها أو الرسوب، بل هي أسلوب حياة.

إنّ الغش الدراسي قد يمنح الطالب درجة أعلى أو يجنبه الرسوب في لحظة معينة، لكنّه يسلبه الثقة في قدراته الحقيقية، ويحوله إلى شخص يعتمد على الحيلة بدلًا من الاجتهاد.

ولذلك فإنّ مشهد "ركزي يا بت"، أو "الاعتداء على الأم وابنتها الطالبة"، ليس مجرد فيديو عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل هو ناقوس خطر يقرع بقوة، ويعلن عن خلل في المجتمع، فالمجتمعات لا تنهار عندما يفشل بعض أبنائها في الاختبار، لكنّها قد تدفع ثمنًا باهظًا عندما ينجح أبناؤها بالغش، ويقتنع المجتمع كله أنّ ذلك أمر طبيعي، عندها نخسر معنى الجدارة، وقيمة العمل، وأساس الثقة الذي تقوم عليه المجتمعات القوية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية