لماذا تتعثر مواجهة أفكار الجماعات الإسلاموية؟

لماذا تتعثر مواجهة أفكار الجماعات الإسلاموية؟

مشاهدة

28/01/2019

يخبرنا التاريخ أنّ الأنظمة السياسية المصرية المختلفة، دخلت في مواجهات مع الإخوان المسلمين، ثلاث مرات على الأقل، الأولى كانت العام 1948 في عهد الملك فاروق، والثانية العام 1954، والثالثة العام 1965 في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ثلاث مرات كان من الممكن أن تنهي وجودهم في المجتمع لكنهم أفلتوا المرة تلو الأخرى.

المراقب لدورة حياة الاخوان المسلمين وطريقة عودتهم للمجتمع يكتشف أنّهم المادة الخام للإسلاموية

المراقب لدورة حياة الإخوان المسلمين وطريقة عودتهم للمجتمع يكتشف أنّهم المادة الخام للإسلاموية، وهم الصوت المعبر عنهم هي قلب الحركة الإسلاموية، أمّا السلفية بأطيافها فهي شكل الإسلاموية النهائي، والسلفية الجهادية المسلحة هي يد الإخوان لتطبيق الأفكار الإسلاموية ليس أكثر، التي تعود كلّ مرة أكثر شراسة، وأشدّ ضراوة على المجتمع، فما السبب في عدم القضاء عليهم ولماذا يعودون أكثر خطراً على المجتمع.
السبب الأول في عدم القضاء على جماعة الإخوان أو الإسلاموية يعود إلى اقتصار مواجهات الدولة المصرية مع الإخوان المسلمين على تفكيك التنظيم دون الأفكار؛ ففي المرات الثلاث ونحن في أجواء المرة الرابعة؛ تمّ الاكتفاء بالزجّ ببعض القيادات في السجون، وبمنع التنظيم من ممارسة أنشطته فحسب! دون الاقتراب من الأفكار المؤسسة للإسلاموية نفسها.

اقرأ أيضاً: العلمانية كحلّ؟.. الإسلاموية وعلاقة الدولة بالدين
ومع ترك الأفكار كما هي ظلّ كثير من الشعب المصري يؤمن بها، مثل فكرة أنّ الإسلام دين ودولة، وأنّ على المسلم أن ينظم حياته وفق آراء السلف الصالح"، وأنّ المسلمين كلّهم آثمون، ما لم تقم حكومة إسلامية، وحتمية عودة الخلافة الإسلامية.. إلخ، وهذا-في رأيي- خطأ جسيم، يقع فيه من يحاول مواجهة الإخوان المسلمين ومشتقاتها.
إنّ مكمن خطورة التنظيمات الإسلامية، ليس في دقة التنظيم، بقدر ما هو في قدرة الأفكار الإسلاموية على البقاء حية في نفوس أتباعها؛ لهذا أتوقّع أن تظلّ حيّة متقوقعة تنتظر السماح لها بالخروج من مخبئها.
فأين اختبأت أفكار الإسلامويين؟ أزعم أنها تختبئ في الريف المصري، نعم في الريف المصري، الذي سيظل ظهيراً شعبياً للإسلامويين دائماً، فهو أصلح بيئة مجتمعية لتخزين أفكار الإسلام السياسي، والحفاظ عليها حية لحين عودة التنظيم مرة أخرى.

اقرأ أيضاً: الانفصال عن الإسلاموية باعتبارها إعادة اكتشاف للإسلام
لكن لماذا الريف تحديداً؟ ذلك لسمات هذا المجتمع؛ التي منها غياب الوعي بخطورة الأفكار الإسلاموية، نظراً لانغلاقه على نفسه واستغلال ميله للدين؛ فيكون من الطبيعي أن يتوافق مع هذه الطروحات، لا يرفضها لا كفكرة ولا كممارسة، قد لا يقبل التنظيم؛ لكنه سيحتفظ بالأفكار وتطبيقاتها.
أما السبب الثاني: غياب دور الدولة في تشكيل وعي وجدان الناشئة، فحسب الجهاز المركزي للإحصاء، الذي تمّ في العام 2017؛ توجد في مصر 4655 قرية، تمثل المجتمع الريفي، يقطن فيها، بحسب التقرير، 57.8%، من إجمالي عدد سكان مصر، البالغ 94.8 مليون نسمة بالداخل، هذه القرى أثبت التقرير أنّ 82% منها تفتقر إلى المدارس الثانوية، وأنّ 60% منها تحتاج إلى مدارس إعدادية، وأنّ 20% فقط بها مراكز خدمات تعليمية، وأنّ 37% منها ليس فيها مركز ثقافي، وأنّ 8,3% من القرى توجد بها مكتبات عامة ثابتة،  وأنّ 8,2% فقط بها مكتبة للطفل.

من أسباب عدم القضاء على الإخوان اقتصار مواجهات الدولة المصرية معهم على تفكيك التنظيم دون الأفكار

هذه الأرقام فاضحة وكاشفة، ليست فقط لغياب دور الدولة في رعاية النشء؛ بل لغياب الوعي المجتمعي، فلا مكتبات ولا مراكز ثقافية، ولا خدمات تعليمية للريف المصري؛ أي لنصف سكان مصر! مما يعني أننا نتركهم لقمة سائغة في يد المتطرفين، يشكلون وعيهم كيف يشاؤون، دون أيّ منافس، وهنا يكمن سرّ عودة الإسلاموية كلّ مرة.
فمصر، التي كشف التعداد الأخير أنّ الفئة العمرية الأقل من 15 عاماً تشكّل ثلث سكانها، بنسبة 34.2%، أي إنّهم كانوا لا يتجاوزون العاشرة حين نفّذ الإخوان هجماتهم على المجتمع المصري؛ أي لم يكونوا مدركين تماماً لطبيعة المعركة، هؤلاء هم من سيتم إعادة تشكيل وعيهم، هؤلاء هم من سيكونون الحاضنة الفكرية الجديدة التي تفرخ أجيالاً جديدة من الإرهابيين، هؤلاء سيوهمهم الإخوان ومشتقاتهم، من داعش وحسم وغيرهما، هؤلاء من سيؤمنون أنّ الوطن ما هو إلا حفنة تراب.
هؤلاء الفتية سيصدقون الاسلاموين في كل أفكارهم؛ لأنّها أولاً تعيش بينهم، وثانياً والأهم لأنهم لم يجدوا من يقدم لهم مشروعاً فكرياً مختلفاً.
الطفل والفتى والشاب يحتاج إلى فكرة ملهمة، توضح سبب وجوده، وتخلق له دوائر الانتماء، وتربطه بجذوره ضمن مشروع تنشئة اجتماعي لجيل وطني قادم، وفي ضوء الأرقام السابقة يمكننا أن نلمس عجز الدولة على تقديم ذلك المشروع للجيل القادم، ومع معرفتنا التامة بأساليب الإسلامويين يمكننا القول إنّ لديهم هذا المشروع، صحيح أنّه مجرد مشروع مزيف؛ لكن من سيوعّي الجيل القادم بهذه الحقيقة؟

الإسلامويون يحتاجون إلى مجتمع يتقبل وجودهم وأفكارهم لكن الأهم عدم وجود مشروع ناجح ينافسهم

الاعتماد على الإعلام ليس كافياً، في ظل المحاولات الركيكة لمناقشة أفكار الإسلامويين، وفي ظل الإصرار على "المشتمة" التي يكيلها الإعلاميون للإسلاميين دون عمق فكري أو تعليل منطقي، وإذا اعتمدنا على خبرات المجتمع نفسه بأن نعوّل على الآباء في تنبيه أبنائهم، فتلك مصيبة أخرى؛ فنسبة كبار السنّ أي من يبلغون 65 عاماً فأكثر تمثل 3.9% فقط من المجتمع المصري، وهؤلاء هم من يعرفون الإخوان على حقيقتهم؛ لأنهم ساروا مع الإخوان من السبعينيات، وصدقوا وعودهم وأكاذيبهم، التي لم تتكشف لهم تماماً إلا العام 2013؛ لكن عددهم أقل بكثير من أن يقوم بدور فردي في المجتمع.
نضيف إلى ما سبق، أنّ جمود رجال الدين الرسمي وخطابهم المنفّر، يجعل الطليعة الإسلاموية مقربة للشباب وأكثر حيوية وأكثر جاذبية، ما يجعلهم يسيطرون على المساجد وأيّ نشاط ثقافي في القرية، والشباب سيكون لديهم القابلية لأن ينخدعوا في الإخوان والإسلامويين؛ حيث لا رعاية ثقافية حقيقية كما ذكرنا، لو أضفنا إليها ميل الريف إلى التدين، مما يعني أنّ المتطرفين يمكنهم توليد جيل جديد يجمّل بذور الفكر الإسلاموي، باعتباره هو الإسلام!

اقرأ أيضاً: كيف تسلّلت الإسلاموية إلى مصر؟
ومن الأسباب لتعثر حسر هذا الفكر: الشعور بالهزيمة وسقوط المشروع القومي والوطني، فالإسلامويون يحتاجون إلى مجتمع يتقبل وجودهم، ويتقبل أفكارهم، لكن الأهم ألا يوجد مشروع ناجح ينافسهم.
كما لا يمكن إهمال عامل أخير مهم، وهو أنّ الاسلامويين يمكنهم النفاذ إلى الجمعيات الأهلية التي تقدم تلك الخدمة بشكل قانوني، وعدد هذه الجمعيات كما صرحت وزيرة التضامن المصرية 48,300 ومنتشرة في كافة محافظات مصر بما في ذلك المناطق الحدودية، لهذا سيظل الريف والمناطق البيئة المهمشة هي الحاضنة الأهم للإسلام السياسي، دون أن يكون لهم أي علاقة بالتنظيم الإخواني؛ بل حتى دون أن يدروا أنّهم حاملون لفكره.

الصفحة الرئيسية