
تشهد الساحة السياسية السودانية مرحلة شديدة الحساسية في ظل استمرار الحرب وتفاقم تداعياتها السياسية والإنسانية والاقتصادية، بالتزامن مع تكثيف الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى دفع الأطراف السودانية نحو مسار تفاوضي يفضي إلى وقف القتال واستئناف العملية السياسية. وفي هذا الإطار، اكتسبت الاجتماعات الاستكشافية التي استضافتها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بدعوة من الآلية الخماسية الدولية، أهمية خاصة باعتبارها إحدى أبرز المحطات السياسية التي كشفت عن ملامح التحولات الجارية داخل مراكز النفوذ السودانية، وعن اتجاهات إعادة ترتيب التوازنات بين القوى السياسية والمدنية والعسكرية في البلاد.
وقد جاءت هذه الاجتماعات في لحظة تتزايد فيها الضغوط الدولية على مختلف الأطراف السودانية للانخراط في تسوية سياسية شاملة، وسط قناعة متنامية لدى العديد من الفاعلين الإقليميين والدوليين بأنّ استمرار الحرب يهدد بتفكيك مؤسسات الدولة السودانية، ويعمق الأزمة الإنسانية، ويزيد من احتمالات اتساع نطاق عدم الاستقرار داخل السودان ومحيطه الإقليمي.
استبعاد الإخوان
في هذا السياق، برزت تصريحات الناطق الرسمي باسم حركة تحرير السودان، محمد عبد الرحمن الناير، مؤكداً أنّ مشاورات أديس أبابا شهدت استبعاد شخصيات وواجهات مرتبطة بالحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني من المشاركة في الاجتماعات. ويُعدّ هذا التطور من أبرز المؤشرات السياسية التي صاحبت المشاورات، نظراً إلى المكانة التي شغلها التيار الإسلامي داخل مؤسسات الدولة السودانية خلال العقود الماضية، وتأثيره المستمر في عدد من التكتلات السياسية والكيانات المدنية الموجودة على الساحة.
وأوضح الناير أنّ استبعاد هذه الأطراف أسهم في إعادة تشكيل خريطة المشاركين، وأوجد واقعاً سياسياً مختلفاً عن كثير من المبادرات السابقة التي شهدت حضوراً مباشراً أو غير مباشر لرموز مرتبطة بالنظام السابق. وأشار إلى أنّ هذا التطور كشف عن وجود تباينات داخل المكونات السياسية المحسوبة على معسكر بورتسودان، وأظهر أنّ هذا المعسكر لا يمثل كتلة سياسية موحدة كما كان يُنظر إليه سابقاً، بل يضم أطرافاً متعددة تتباين رؤاها بشأن الحرب ومستقبل العملية السياسية وشكل الدولة في مرحلة ما بعد النزاع.
ويعكس هذا الاستبعاد توجهاً متزايداً لدى بعض الجهات الراعية للمشاورات نحو توسيع دائرة القوى المدنية المشاركة، ومحاولة تقليص تأثير الأطراف التي تُعدّ جزءاً من الاستقطاب السياسي الحاد الذي شهدته البلاد خلال السنوات الماضية. ويكشف عن وجود مساعٍ لإعادة تعريف مفهوم "التمثيل السياسي" داخل العملية التفاوضية، بما يتيح إشراك قوى وشخصيات لا ترتبط بصورة مباشرة بالصراع القائم أو بإرث السلطة السابق.
انقسامات داخل التحالفات السياسية
أحد أبرز التداعيات التي برزت خلال مشاورات أديس أبابا تمثلت في الانقسامات التي ظهرت داخل بعض التكتلات السياسية المرتبطة بالمشهد الحالي، وعلى رأسها "الكتلة الديمقراطية"، التي تُعدّ من أبرز المكونات السياسية التي اتخذت مواقف داعمة للمؤسسة العسكرية خلال مراحل مختلفة من الأزمة.
فقد أظهرت التطورات الأخيرة تبايناً واضحاً في مواقف مكونات الكتلة تجاه المشاركة في الاجتماعات، حيث فضلت بعض الأطراف مقاطعة المشاورات أو التحفظ على المشاركة فيها، بينما اختارت أطراف أخرى الحضور والانخراط في النقاشات الجارية. وأدى هذا التباين إلى بروز خلافات علنية حول أولويات المرحلة المقبلة وآليات التعامل مع المبادرات الدولية المطروحة.
ويعكس هذا المشهد حالة أوسع من إعادة التموضع السياسي التي تشهدها الساحة السودانية منذ اندلاع الحرب، فقد بدأت عدّة قوى سياسية مراجعة تحالفاتها السابقة، خاصة مع الإخوان وأذرعهم، وإعادة تقييم خياراتها في ضوء المتغيرات العسكرية والسياسية المتسارعة. كما أنّ استمرار الحرب لفترة طويلة أسهم في إضعاف التماسك داخل بعض التحالفات التي تشكلت في ظروف استثنائية، وجعلها أكثر عرضة للتفكك أو إعادة التشكل وفقاً للمصالح والاعتبارات المستجدة.
وتكشف هذه الانقسامات أيضاً عن تراجع قدرة بعض الكيانات السياسية على الحفاظ على مواقف موحدة تجاه الملفات الكبرى، خاصة مع تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية الداعية إلى التوصل لتسوية سياسية، ومع تزايد الإدراك لدى العديد من القوى أنّ الحرب باتت تفرض كلفة سياسية واقتصادية وإنسانية مرتفعة على جميع الأطراف.
نحو إعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني
تأتي هذه التطورات في وقت تتواصل فيه جهود الآلية الخماسية الدولية لدفع الأطراف السودانية نحو مسار تفاوضي جديد يهدف إلى وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف المناسبة لإطلاق عملية سياسية شاملة. وتتركز هذه الجهود على توسيع قاعدة المشاركة المدنية، وإعادة بناء العملية السياسية على أسس أكثر شمولاً، بما يسمح بتمثيل طيف أوسع من القوى السياسية والاجتماعية السودانية.
وفي هذا الإطار، تبدو اجتماعات أديس أبابا أكثر من مجرد لقاءات تشاورية، إذ تعكس تحولاً أعمق في بنية التوازنات السياسية داخل السودان. فالمشاورات كشفت عن تراجع نفوذ بعض القوى التقليدية التي احتلت مواقع مؤثرة خلال العقود الماضية، وفي المقابل أظهرت صعود أدوار جديدة لقوى تسعى إلى إعادة التموضع داخل المشهد السياسي والاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب.
وتشير هذه التطورات إلى أنّ السودان يدخل تدريجياً مرحلة إعادة تشكيل للخريطة السياسية، تتسم بإعادة ترتيب التحالفات، وظهور اصطفافات جديدة، وتراجع أنماط الاستقطاب التي هيمنت على المشهد خلال السنوات السابقة. ويأتي ذلك في ظل تزايد الضغوط الدولية لإنتاج صيغة سياسية أكثر اتساعاً وقدرة على استيعاب التعدد السياسي والاجتماعي داخل البلاد.
ومع استمرار الحرب وعدم التوصل حتى الآن إلى تسوية نهائية، يبقى مستقبل هذه التحولات مرتبطاً بمسار التطورات الميدانية والسياسية معاً. إلا أنّ ما أفرزته مشاورات أديس أبابا يؤكد أنّ المشهد السوداني يشهد بالفعل عملية إعادة تشكل تدريجية، تتجاوز مجرد الخلافات حول المشاركة في الاجتماعات، لتطال طبيعة التحالفات السياسية وموازين النفوذ وأدوار الفاعلين الرئيسيين في المرحلة المقبلة.
وفي ضوء ذلك، تمثل مشاورات أديس أبابا محطة مفصلية في تطور الأزمة السودانية، ليس فقط بسبب ما أفرزته من مواقف وتفاهمات، وإنّما أيضاً لأنّها كشفت عن تحولات عميقة داخل البنية السياسية السودانية، وعن بداية مرحلة جديدة تتسم بإعادة توزيع الأدوار وإعادة تعريف مراكز القوة والنفوذ، في ظل بيئة سياسية وأمنية ما زالت مفتوحة على احتمالات متعددة وتفاعلات متسارعة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9_1_2.jpg.webp?itok=Am9evX5-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%BA%D9%85%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%20%D8%A5%D9%84%D9%89%20%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86_1.jpg.webp?itok=gw8h03yp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_1_3_0.jpg.webp?itok=sTeiTxgY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_2_4_0_1.png.webp?itok=BxX9SKUI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Islamists%20_0_0_2_2.jpg.webp?itok=C4gVdlSG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_1_0_2_3_0.jpg.webp?itok=ZJGzLGZI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9%20_0_2_1_1.jpg.webp?itok=j7YXstog)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9_3_0.jpg.webp?itok=eprUR33z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_184_0.jpg.webp?itok=fexPfLBz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4.jpg.webp?itok=vlQ84KAo)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_4_0.jpg.webp?itok=K7iHRvWY)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9_3_1_0_1.jpg.webp?itok=IbaNXMjA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/307141_1.jpg.webp?itok=9VA84zAM)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/204-185210-boxing-matches-gaza-wounds-war-4.jpeg.webp?itok=QQVudo4t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9_3_1_0_2.jpg.webp?itok=4oE7wZlp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84_3_0.jpg.webp?itok=BfiWNj8q)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1d9ba75c-7c8b-42d9-bf3a-44b242d3c72c.png.webp?itok=Wf0tJNUG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3_67_1_4_0_0.jpg.webp?itok=wrd_MIbW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)