الإخوان المسلمون... كرٌّ وفرٌّ في السياسة والأيديولوجيا

732
عدد القراءات

2017-11-26

مختارات حفريات

أستاذة دلال البزري...
قلتِ في مقالكِ (موضوع المناقشة): «إن مرارة الصراع على السلطة بين الإخوان المسلمين وبين جمال عبد الناصر منحت الحياة لجناحهم المتطرف المتمثل بسيد صاحب (معالم في الطريق)... وهذا التيار سوف ينتعش بعد وفاة عبد الناصر، ويرفد (الغاضبين) من فشل الإخوان بتسلم السلطة، بمجموعة من العمليات، عرفتها مصر في عهدي أنور السادات وحسني مبارك... والإخوان وسط ذلك يسيرون بخطى حثيثة نحو العمل النقابي...».
ألحظ على قولكِ هذا أنكِ تعمّدتِ فيه شطب فقرة مفصلية في ذلك التاريخ، وهي تحالف الحكومة المصرية مع الإخوان المسلمين في عهد أنور السادات ودعمها للجماعات الدينية المغالية. لأنها كانت تخلّ بثنائيتك البسيطة والتبسيطية التي يكون الإخوان المسلمون فيها ضحايا ومظلومين، وتكون السلطة فيها، جانية وظالمة، أبداً ودوماً.
وفي ثنائيتك هذه قدمتِ سيد وأفكاره بصورة اعتذارية مجلَّلة بهالة من الرومانسية الفكرية. وقدمتِ جماعات العنف الديني المؤتمّة بفكر سيد بصورة الشباب الثوري الغاضب، وتلك -كما لا يخفى- صورة نضالية يسارية رومانسية، براقة وخلاَّبة. وبررتِ دخولهم في دوامة عنف طويلة مع الحكومة المصرية منذ سبعينات القرن الماضي -وبررتِ قبلها «منح الحياة للجناح المتطرف في الإخوان المسلمين... وانتعاشه بعد وفاة عبد الناصر»- بفشل التنظيم الأم، تنظيم الإخوان المسلمين في تسلم السلطة. وهذا التبرير يقرّ ضمناً بحق الإخوان المسلمين الشرعي في الاستيلاء على السلطة في محاولتهم الانقلابية التي دبّروها سنة 1954، ويرى أن فشلهم في الاستيلاء عليها حينها كان فشلاً في نيل مطلب عادل، وهو انتزاع سلطة هم أحق بها من أصحاب الشرعية الثورية.
تفسيرك هذا مبنيٌّ على مقدمات خاطئة، فالإخوان المسلمون -وفق أكثر من مقياس وشاهد- يعدّون جماعة دينية سياسية متطرفة. والفارق بين تطرف تنظيمات سياسية مصرية -إلى حد ما- ذات مرجعية إسلامية في النصف الأول من القرن الماضي، وبين تطرف الإخوان المسلمين، أن تطرف الأولى كان يغلب عليه التطرف الوطني، ولم يكن محفزه محفزاً دينياً، كما هو الأمر في حالة الإخوان المسلمين.
حينما قرر سيد أن ينضم إلى الإخوان المسلمين سنة 1953، بعد سنوات من الممانعة في ظل اقترابهم منه، اختار أن ينضمّ إلى جناح سياسي في الإخوان المسلمين، كان يصنّف آنذاك بأنه الجناح السياسي المتطرف. وهذا الجناح كان يقوده المرشد حسن الهضيبي. اختار أن ينضم إلى هذا الجناح نكايةً في عبد الناصر!
لا يوجد في الإخوان المسلمين، قبل اقترابهم من سيد وقبل انضمامه إليهم، منظِّر معتبَر. وهذه كانت معضلة الإخوان المسلمين، فالتنظيم نشأ قبل وجود تنظير سياسي فكري إسلامي محدد -وإلى حد ما- متماسك، يستند إليه فكر التنظيم. وسيد ابتداءً من مطلع الستينات عبّأ هذا الفراغ عند الإخوان المسلمين بالاتكاء على المودودي وقبله على الندوي.
وهذا من وجوه الاختلاف بين نشأة الجماعة الإسلامية في القارة الهندية، وبين نشأة جماعة الإخوان المسلمين في مصر وبعض البلاد العربية، فالتنظير في الأولى سبق إنشاء التنظيم بسنوات عديدة، وتنظير سيد ووصفائه من رواد الفكر الإسلامي الأصولي العربي، تنظير مستعار من فكر المودودي والندوي.
ومنذ أن عبّأ سيد ذلك الفراغ التنظيري عند الإخوان المسلمين أصبح يتعذّر الفصل -على نحو جوهري- بين الخطاب القطبي والإنشاء الإسلامي السائد لدى مثقفي ومنظِّري وكتاب الإخوان المسلمين، ولدى كثرة كاثرة من الإسلاميين من اتجاهات مختلفة. فادعاء الإخوان المسلمين والإسلاميين عامةً أن ثمة تمايزاً ومغايرة بين فكرهم وفكر سيد، ما هو إلا كر وفر في السياسة والآيديولوجيا، فرضته نوازل فكر سيد وكوارثه.
إن سيد هو بمثابة اللُّحمة التي تشدّ أواصر القربى والرحم بين جماعة الإخوان المسلمين وجماعات العنف الديني المنشقة عنها، وهذا ما يفسر لنا تواني الجماعة الأم في الحوادث التي عدَّدْتِها أنتِ، كحادثة الفنية العسكرية، والتكفير والهجرة (اختطاف الشيخ الذهبي ثم اغتياله)، واغتيال السادات... عن مواجهة أفكار تلك الجماعات وممارساتها بنقد قوي وواضح وصريح في إعلامهم داخل مصر وخارجها، وفي كتبهم وفي محاضراتهم وفي الندوات التي كانوا يعقدونها.
وعلى عكس ما قلتِ، فإن الإخوان المسلمين استفادوا من انتعاش جماعات العنف الديني وحضورها في ساحة العمل الديني والسياسي بعد وفاة جمال عبد الناصر. فمع إفساح مجال العمل لها ولـ«الإخوان» المسلمين، صارت الحكومة وقطاعات عدة في المجتمع المصري، تصنفهم على أنهم تيار ديني وسياسي معتدل، وكانت الحكومة تتعامل معهم على هذا الأساس. كما استفادوا من أعمال جماعات العنف الديني الإرهابية في السبعينات والثمانينات والتسعينات. وكانت كلما زادت هذه الأعمال واتسعت استفادوا أكثر في تقوية موقعهم التفاوضي مع الحكومة، لنيل المزيد من المكتسبات وسعياً وراء إعطائهم رخصة بتأسيس حزب سياسي، من منطلق أنهم هم التيار الديني السياسي الأعرض في مصر وفي البلدان العربية والإسلامية وفي أوروبا وأميركا، الذي بمقدوره أن يهذّب تطرف تلك الجماعات ويروّض عنفها.
وحتى إنهم كانوا يستفيدون مما سموه نقداً لتلك الجماعات، بتعزيز موقعهم بوصفهم معارضة في الماضي الناصري، ومعارضة في عهد السادات وفي عهد مبارك، وتأكيد صواب أطروحتهم الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية، التقليدية والقطبية، في تلك العهود الثلاثة.
فهم يعزون فيما يسمونه نقداً لتلك الجماعات، نشأة التطرف الديني في مصر، إلى زج عبد الناصر بالإخوان المسلمين في المعتقلات وتعرضهم للقمع والعنف والتعذيب النفسي والبدني فيها، ويعزون تفشيه في عهد السادات -وهو العهد الذي هو مضاد لعهد عبد الناصر- إلى صعوبة الحياة الاجتماعية والاقتصادية وفساد الحياة السياسية والثقافية. وكذلك في عهد مبارك كانوا يعلقونها على هذا المشجب. والناظم لهذه الأسباب وأسباب أخرى يقولونها، هو النأي عن الحل الإسلامي، والحل الإسلامي -كما يدعون إليه- لا يقتصر على الشأن السياسي والاقتصادي، بل يشمل جميع شؤون الحياة، صغيرها وكبيرها.
وإذا ما تأملنا في هذه الأسباب نجد أنها لا تمس محتوى فكر جماعات العنف الديني ولو من بعيد. ذلك لأن مس محتوى فكرها فيه مس بالمشتركات الآيديولوجية ما بين فكرها وفكرهم، ومس بصميم فكرهم. هذه مسألة.
والمسألة الأخرى أنهم يحدبون عليها عاطفياً وروحياً وعقدياً، لعلمهم أن ما فعلته ليس سوى دفع فكرهم -نظرياً وعملياً- إلى حدّه الأقصى من دون مخاتلة ومراوغة، كما يفعلون هم.
إن الإخوان المسلمين منذ السبعينات إلى سنوات متأخرة، كانوا الظهير المالي والقانوني والإعلامي والثقافي لجماعات العنف الديني، للأسباب التي ذكرت أهمها سابقاً.
وكانت الاستفادة من انتعاش وحضور جماعات العنف الديني تسير جنباً إلى جنب مع الاستفادة من فكر سيد الإسلامي في فترته الأولى والأخيرة ومن حادثة إعدامه، وبخاصة في عقد السبعينات. ونظراً إلى أن حجم الاستفادة كان عظيماً وهائلاً، وأنه من الصعوبة بمكان التمييز الجوهري بين ما يقوله سيد، وما يقوله سواه من الإخوان المسلمين كانوا يمنعون أي نقد إسلامي داخلي لفكره المتطرف في (معالم في الطريق) و(في ظلال القرآن) في نسخته الأخيرة المنقحة.
لقد حصلت أول محاولة نقدية من داخل فكر الإخوان المسلمين في مقال نُشر في مجلة «الشهاب» الإخوانية الصادرة في بيروت باسم مستعار (صاحب الاسم المستعار كان عبد الله أبو عزة) سنة 1973، في هذا المقال وجّه الكاتب نقدات صائبة إلى معالم سيد، فنشب سجال على أثر مقاله بينه وبين آخرين من الإخوان المسلمين ينتمون إلى أكثر من بلد عربي. ومع أن نقده كان رفيقاً وليناً وفيه تثمين عالٍ لسيد، وأن أحداً لم يناصره في رأيه، إلا أن السلطات العليا في الإخوان المسلمين أصدرت قراراً يقضي بقفل السجال وإنهائه بانتصار تلك المجلة لرأي الرادّين على الكاتب، وانتصارها لحاكمية سيد وجاهليته.
هذه كانت هي المحاولة النقدية اليتيمة، التي -يا للأسف الشديد- وُئدت في مهد السبعينات.
وكانوا لعقود طويلة يصدون أي نقد لفكرتَي الحاكمية والجاهلية عنده بمرافعة اعتذارية، ملخصها -كما قلت عنها ذات مرة: "سيد لم يُفهم، كما يجب! حُمِّل كلامه أكثر مما يحتمل! مات قبل أن يقول كل ما يريد!".
هذه المرافعة وما شابهها قالوها في ادعاء الفصل بين فكر سيد، وبين فكر جماعات العنف الديني، وقالوها إزاء النقد المحسوب على الفكر التاريخي العقلاني وعلى الفكر الإسلامي العقلاني. وقالوها إزاء نقد ديني مختلف ذي طابع عقدي سلفي، معني بنقاء العقيدة واستقامتها، ينتمي إلى مدرسة أهل الحديث، وللحديث بقية.

علي العميم - عن "الشرق الأوسط"

اقرأ المزيد...

الوسوم: