عصر الغضب: ماذا وراء المزاج المتقلّب للناخبين الأمريكيين والأوروبيين؟

635
عدد القراءات

2017-12-17

في أنحَاء العَالم كافّة، هناك رُوحٌ فَوْضَوِيَّة تتفشَّى، ورَغْبةٌ عَشْوائِيّة في تَحْطيم النظام الليبرالي، لا يصحُبها إلّا أمل ابْتِدَائِيّ قَصِيّ بأنَّ عالماً أفضل سوف يَبْزغ من الدَمَار. تِلك الرُوح كَمَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ قد حَرّضَت العديد من ناخبي ترامب، الذين لم يُمَانعوا تَحَدُّث زعيمهم بطريقة عُمُومِيّة بُهْلُوانية، دُون أية خبرة ذات صلة إلّا الإشارة بسَبَّابَته. وقد اعترفَ العديدُ من هؤلاء الناخبين، بقليل من لَوْم النَّفْس، أنَّهم أرادوا تمكين شَخْصه الأَرْعَن في كرسي السلطة لإحداث صَدْمَة في النظام، لأنَّ النظام استحقَّ أن يُصدَم. وذَاكَ الشُعُور حَفَز البريكسيت (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، بما في ذلك من استهانة بتحذيرات الانهيار المالِي، وهو الذي أوصل الشعبويين إلى أعتاب السلطة في سائر أنحاء أوروبا. في سَرْد بانكاج ميشرا، تَعَطُّش مُمَاثِل تقريباً للانتقام الأعمى يقود المراهقين المُبَلْبَلين للانضمام إلى داعش. وهو يصف ذلك بأنَّه "مِزَاج أوسع وأكثر قيامية ممّا شَهِدناه من قبل".

ميشرا يصوّر فولتير على أنَّه الجد الروحي لدافوس وتوماس فريدمان وكل النماذج المثالية الأخرى في نادي النيوليبرالية

إنَّه كتاب مُهِمّ ومُتَعَمّق وعاصِف حول أعمق جُذور هذه اللحظة المُضْطَرِبة. وكان قد جرى إرساله إلى المطبعة قبل نتائج الانتخابات الأمريكية. حقيقة أنَّ الكتاب لا يتضمَّن إلّا إحَالات قليلة إلى الرئيس الجديد تُعزِّز، خِلافًا للعادة، مصداقية نبوءاته. كما لم يكن صعباً على ميشرا أن يجد نظرية تتَوَافَق مع الحقائق. فهو يمتلكُ فَهماً متطوّراً جداً للإكراهات النَفْسِية والعاطفية التي تَدْفع نحو انتشار الليبرالية في مختلف أنحاء العالم، وهي حركة يوحّدها شُعُور بخَيبة الأمل والحَيْرَة والحَسَد؛ الشَرْط الرُوحي الذي شخّصه نيتشه بـ الضغينة. وهو غضبٌ يفسِّره ويُشاطِره ميشرا على حد سواء.

تاريخٌ للحاضر
يعرضُ هذا الكتاب نفسَه على أنَّه "تاريخٌ للحاضر" (406 صفحة. مطبوعات فرار وستراوس وجيرو). وتقوم الفَرْضية الأساسية للكاتب على أنَّ مساحات واسعة من العالم ترتدّ إلى الماضي وتُعيد الصدمات والاضطرابات العنيفة نفسها التي رافقت انتقال أوروبا إلى الحداثة في القرنين؛ الثامن عشر والتاسع عشر. تلك الصدمة التي أَحَسَّها بشكل حاد للغاية "الشاب الواعد" في البلدان التي وصلت في وقت متأخر إلى الرأسمالية والتنوير، بِخَاصَّة ألمانيا وروسيا. فقد أثار إمْكان الحرية والتحول الثقافي توقُّعات مُتَعَذَّرة، انتهت كما هو متوقّع إلى الإذلال والغضب. ويُحاجج ميشرا بأنّ هذا الغرب الذي يعتقدَ أنَّه أقوَم أخلاقاً من الآخرين يَحْجِبُ "بداياته الوحشية والدموية بِصُورَة استِثنائِيَّة إلى الحداثة السياسية والاقتصادية"، في الوقت الذي يضغط فيه بغطرسة على بقية العالم لإحداث هذا التقدُّم الصَعْب نفسه.
هناك كلام عن التاريخ أكثر من الحاضر في سَرْد ميشرا. فهو بينما يُراكِمُ ما يبدو دروساً من الماضي حول نقطة تتعلَّق بداعش أو العولمة، يخوضُ في استطراد آخر حول دوستويفسكي أو أتاتورك. يمكنُ لهذا المَيل أن يكون مُثبطاً، ويشرعُ المرء في الارتياب في أخذه كسَنَد، بما أنَّ التّيار الحالي من الفوضويين والشعبويين والإرهابيين في موضع أقل بكثير من ناحية التنظير والمَفْصَلة مقارنة بأسلافهم القدماء. إنَّه اختلال غريب، غير أنَّ ميشرا يكتبه بمِقْدار وَاف من الأسلوب والطاقة والنَقْش يُسعِفُ القارئ من خلاله.

البطل الضدّ
إنَّ البطل الضدّ لحِكَايَة ميشرا، النبيّ الذي تشوَّف أزمات عصرنا على النحو الأفضل، هو جان جاك روسو. وهناك مَصْدَرٌ أساسي لعظمته يتمثَّل في كراهيته لفولتير. يصوِّر ميشرا فولتير على أنَّه مثقف النخبة النموذجي، والشِرّير الأَسْوَأ بينهم جميعاً. لقد أشادَ فولتير بالعقل على أنَّه أعلى فَضِيلة للمجتمع. ولهذا، أعتقدَ أنَّ المجتمع يجب أن يكافئ الموهبة والعقول، وليس الألقاب الموروثة. وتغنَّى بالتجارة والاستهلاكية عَبْر لغة تشوَّفت مُؤَيِّدي العولمة في تسعينيات القرن العشرين. كما أنَّ كتاباته ومثاله الشخصي قد وضعا مُفْرَدات الليبرالية التي سوف تسود أوروبا في نهاية المطاف.
هذا كله، في نظر ميشرا، يجعل من فولتير منافقاً تاريخياً عالمياً. يتّهم ميشرا فولتير بخلق مجتمع استفادَ مِنه أمثاله من المفكرين، على حساب الجميع. فقد عبَّر فولتير عن التسامح ولكنَّه تقرَّب إلى المتسلطين، لا سيما إمبراطورة روسيا كاثرين الثانية، وقدَّم تبريرات لأفعالهم العنيفة. وبفضل اتصالاته، عاشَ حياة مُدَلَّلة، وجمع ثَرْوَة صغيرة من المضاربة المالية والسَّاعات التي صنعها. كما يجري تصوير فولتير على أنَّه الجد الروحي لدافوس وتوماس فريدمان وكل النماذج المثالية الأخرى في نادي النيوليبرالية. ويدعوه ميشرا بـ "عضو كامل العضوية في النخبة المترابطة عالميًا".
روسو، الخَارجِيّ الذي تعوزه الكياسة،لم يكن له أن يلتفت إلى الذَوْق الكوزموبوليتاني لدى فولتير، وقام بنقده نقداً لاذعاً.

مجتمع السوق
إذا أردنا أن نتجه إلى الموضوع مباشرة، لقد فَهِم روسو الأمراض الكامنة وراء الحضارة الرأسمالية الصاعدة التي ناصرها فولتير. فمجتمع السوق، كما حذَّر، سوف يُرخي مكابح الأفراد بشكل خطير. وهو رأى كيف يتطلَّع البشر إلى تجاوز بعضهم البعض في الثروة والمركز، وهو ما يعني أنَّ لديهم المقدرة على القيام بأفعال شديدة القسوة. والعالم الحديث قام بإضعاف الدين والأسرة، تِلك الصَّادّات العاطفية التي وفَّرت الراحة. وبدون هذه الدعائم، أخذ الأفراد يعتمدون على آراء الآخرين من أجل الإحساس بقيمة ذواتهم، ممّا تسبّب في حالات فظيعة من انعدام الشُعُور بالأمان والحسد وكراهية الذات. ولا يزال هذا، كما يُحاجج ميشرا، جوهر مشاكل العالم: "استياء وجودي من كِيان الآخرين، نجم عن مزيج مكثَّف من الحَسَد والشُعُور بالإذلال والعجز - الضغينة -، كما أنَّه يترسَّخ ويتعمَّق ويسمم المجتمع المدني ويقوّض الحرية السياسية، وهو يقوم حالياً بالتحول العالمي إلى التسلطية والأشكال السامة من الشوفينية".

ليس لليبرالية أي خيار سوى أن تتصارع بإخلاص مع استياءاتها وأن تُحيط علماً بنقاط العمى الأخلاقي التي تكتنفها

ما من شك في بَصِيرة روسو. إنَّ انتقاداته للمسائل المالية وتحذيراته من عدم المساواة هي النموذج المبدئي لما قام به لاحقاً توماس بيكيتي. لكنه بطل مُقْلِق. لقد نعته أشعیا برلين بـ "أعظم نصف مثقف متشدد في التاریخ، وزقاقيّ العبقرية". احتفى روسو بالعسکرة وکراهیة الأجانب. وتعاطى دون خجل مع أسبرطة كنموذج للمدينة المثالية. واتّهمته ماري وولستونكرافت، وأجيال من النسويات اللاحقات، بالإسهام في صياغة معاداة المرأة في شكلها الحديث. إنَّ ميشرا يعرف كل هذا ويجب أن يكون أكثر حذراً تجاه انْجِذابه لروسو ، لكن هذا قد يتطلَّب منه أن يعترف بسَقْطَة مركزية في حجَّته.

غطرسة النيوليبراليين
يدين ميشرا بشكل مُقنِع غطرسة النيوليبراليين، لكن دعونا نقول بعض الكلمات اللطيفة بحق النيوليبرالية. إجمالاً، بفضل تقدُّم الرأسمالية، نعيشُ في عالم فيه فقر مدقع أقل، ومرض أقل، واضطهاد أقل، وازدهار مادي أكبر. يقطنُ ميشرا مجال الأفكار والعواطف، التي تلقى معاملة سيئة في معظم حسابات السياسة العالمية. لذلك، من مُحَفّز والمُنير له التركيز على المشاعر، ما يسمّيه "الحروب في العالم الداخلي". لكنه لا يملك الكثير ليقوله عن الواقع المادي للاقتصاد والسياسة بخلاف ملاحظات مبتذلة غاضبة عن "النموذج الغربي" وإفادات غير مدعومة عن الركود. (عينة على كلامه العفوي: إنَّه يشير إلى أنَّ "معظم الناس وجدوا مفهومي الفردانية والحركية الاجتماعية غير قابلين للتحقيق في الواقع". لماذا إذن، قد نسأل، يسعى الكثيرون إلى ذلك حتى الآن؟) لا يستطيع ميشرا أن يعثر على الصفات التعويضية في الديمقراطية الليبرالية وهو لا يستطيع أن يطرح أي شئ يحل محلها، وهو ما يشرح لماذا يجب عليه أن يبعث الكَرِيه روسو، وأن ينحي جانباً أفكاره الأقل جاذبية. ومثل روسو، يتعاطف ميشرا مع المجتمع التقليدي. إلا أنَّه من المستحيل الدفاع عن المجتمعات التقليدية دون أن نأخذ في الاعتبار عداءها للمرأة وكرهها للأجانب، التي نادراً ما تكون سمات عرضية. إنَّ ميشرا لا يستطيع أن يضع حلاً للقضية التي يطرحها، وهو ما يعني أنه لا يمتلك تلميحاً بوصفة طبية للأزمة التي يكرِّس كتابه لوصفها.
عندما وصل كتاب "عصر الغضب"، اندفعتُ نحوه. لقد انزلق من خلال فتحة البريد بُعيد أن هزّ نصر ترامب إيماني بالتقدُّم. ليس لليبرالية أي خيار سوى أن تتصارع بإخلاص مع استياءاتها، وأن تُحيط علماً بنقاط العمى الأخلاقي التي تكتنفها ونقاط الضعف السياسي فيها. وحكومة التكنوقراط - التي تحدد الكثير من الروح الليبرالية الحديثة - لا تمتلك فهماً فطرياً للسيكولوجيا والعاطفة، لكن إذا كانت تأمل في درء القوى المظلمة، فإنها تحتاج إلى أن تصير أكثر براعة في فهم جذور الغضب الأقل وضوحاً، التجربة الإنسانية التي لا تلتقطها البيانات، والاستياء الذي يتفاقم لأسباب مفهومة. إنّ الليبرالية اللائِقة سوف تقرأ نقاداً حادين مثل ميشرا وتتعلم منهم.

فرانكلين فور- عن "النيويورك تايمز"

اقرأ المزيد...

الوسوم: