أوروبا إذ تكتشف خطر الإخوان المسلمين

صورة عمر الرداد
كاتب أردني وخبير بالتحليل الأمني الاستراتيجي
1542
عدد القراءات

2018-01-11

تطرح القرارات البريطانية، بتصنيف تنظيمي "حسم" و"لواء الثورة"، التابعين لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، باعتبارهما منظمتين إرهابيتين، إضافة إلى تصريحات وزير الخارجية البريطاني بخصوص الإجراءات المتخذة ضدّ التنظيم في بريطانيا، المرتبطة بشروط الإقامة، ومتابعة ومراقبة المؤسسات والهيئات والكيانات، التي تتبع للإخوان، والتدقيق عليها، وضع حدٍّ لإشكالية متفاقمة حول علاقة جماعة الإخوان المسلمين، خاصة التنظيمات السرية، بالتطرف والإرهاب، بعد أربع عمليات إرهابية شهدتها المدن البريطانية خلال العام الماضي، ذهب ضحيتها أكثر من أربعين مواطناً ومقيماً، ومن الواضح أنّ القرارات البريطانية مرتبطة بعاملين، شكّلا متغيرات نوعية في وجهة النظر البريطانية تجاه الإخوان المسلمين، هما:

أربع عمليات إرهابية شهدتها المدن البريطانية خلال العام الماضي ذهب ضحيتها أكثر من أربعين مواطناً ومقيماً

أولاً: إنهاء حالة الجدل الداخلي بين أوساط في السلطتين التشريعية والتنفيذية، حول علاقة الإخوان ببنية التطرف والإرهاب؛ حيث كانت أوساط بريطانية تردّد أنّ اتهامات الإخوان بالإرهاب تفتقر للأدلة الدامغة حول تلك العلاقة، خاصّة مع الإرهاب، وأنّ طرح هذه القضية مرتبط بضغوط لدول عربية وإسلامية، تتخذ مواقف من الإخوان المسلمين، وتكيل لهم تهمة الوقوف وراء زرع بذور التطرف والإرهاب، وذلك على ضوء نتائج تقرير السير جون جنكينز، الذي تم تكليفه من قبل رئيس الوزراء البريطاني (كاميرون) عام 2014 بإعداده؛ حيث خضع التقرير لحسابات سياسية داخلية بريطانية، وأخرى حول مدى تأثيره على علاقات بريطانيا بالدول العربية، وتحديداً (السعودية والإمارات ومصر)، حيث افتقدت خلاصات التقرير واستنتاجاته للحزم، وجاءت في إطار "عدم الإدانة، وعدم البراءة"، وبما أفضى لرفض وضع جماعة الإخوان على قائمة الإرهاب، وهو ما دفع أطرافاً عديدة، بريطانية وعربية وإسلامية، لاتّهام الحكومة البريطانية، حينها، بتسهيل الإرهاب، وتوفير أماكن آمنة للإخوان المسلمين وغيرهم .

الإجراءات البريطانية ضدّ الإخوان ستبقى قاصرة وسيتعامل معها الإخوان وفق نظرية الانحناء أمام العاصفة

ثانياً: القرار البريطاني الجديد يرتبط بتطورين جديدين، هما:
الأول: زيادة عدد العمليات الإرهابية التي شهدتها بريطانيا؛ حيث تجاوزت لندن لتشمل مدناً بريطانية أخرى، وهو ما يعني انتشار الإرهاب، وتشتيت جهود الأجهزة الأمنية، وبما يجعل بريطانيا ساحة عمليات.
الثاني: معلومات سرية ذات طبيعة استخبارية، تم الكشف عنها خلال متابعة العمليات الأخيرة التي نُفّذت، أو التي تمّ إحباطُها، التي تؤكّد مقولة أنّ الإرهابيين ليسوا معزولين عن محيطهم، ويعملون في بيئات حاضنة، تشير إلى علاقة وثيقة بين الخطاب التحريضي للإخوان المسلمين، ودوافع الإرهابيين، خاصّةً أنّ الإخوان المسلمين يسيطرون على أغلبية المساجد والمراكز والهيئات الإسلامية في بريطانيا، وربّما لعلاقات مباشرة لبعض رموز الإخوان المسلمين بالإرهابيين، علماً بأنّ من بين (5000- 8000) أوروبي، التحقوا بداعش والقاعدة في العراق وسوريا، حوالي ألف بريطاني مسلم، تم تلقينهم أفكار الجهاد والأمة الكافرة والخلافة، وربّما الدعم اللوجستي لتأمين خروجهم، ووصولهم إلى ساحات الجهاد، من خلال مراكز وهيئات ودور عبادة معلنة، يديرها إخوانيون، تتزامن مع خطاب إخواني يتماهى في ظاهره وباطنه مع خطاب الإرهابيين، عناوينه: رفض الآخر، وأسلمة المجتمع، والتمكين، وفسطاط الكفر، وفسطاط الإيمان، والتأكيد على التمييز بين المسلمين وغيرهم، في السلوك، والمأكل، والمشرب، واللباس، ورفض اندماج المسلمين في المجتمعات التي يقيمون فيها، والحفاظ على خصوصيتهم، على اعتبار أنّهم يعيشون في مجتمعات كافرة، الأمر الذي يتطلب فحص مقاربات الخطاب الإخواني من كافة جوانبه، واكتشاف القواسم المشتركة مع خطاب الإرهاب، ولا شكّ في أنّها كثيرة، متطابقة ومتجانسة مع خطاب الإرهاب.

مكافحة التطرف وإغلاق حواضنه تحتاج لتعاون مع أطراف أوروبية وغير أوروبية لجمع المزيد من الأدلة وبسرية تامّة

وعلى أهمية القرار، والإجراءات البريطانية ضدّ الإخوان المسلمين، إلّا أنّها ستبقى معالجات قاصرة، وسيتعامل معها الإخوان المسلمون، وفق نظرية الانحناء أمام العاصفة، فيما سيتواصل النهج الإخواني بزرع بذور التطرف، وسيبقى سيناريو بقاء تهديد العمليات الإرهابية قائماً، في ظلّ:
أولاً: قصور التشريعات البريطانية الخاصة بمكافحة الإرهاب، وإخضاع الموقف من الإخوان لتجاذبات وتنافس الأحزاب السياسية، وتوظيف هذا السياق في الحملات الانتخابية، سلباً وإيجاباً، والخضوع لضغوطات الدول الداعمة للإخوان، خاصّة في إقامة، أو سحب، الاستثمارات من بريطانيا، ونفاذ الإخوان المسلمين من خلال اللعب على مقاربة الأمن والحرية، بدءاً باعتبارهم لاجئين سياسيين، مروراً بإقامة الجمعيات والهيئات والمراكز المرخصة، باستثمار التشريعات البريطانية والأوروبية، وصولاً إلى بثّ خطابات الكراهية والتحريض باستثمار حرية التعبير.
ثانياً: عدم تعاون بريطانيا مع الدول الأوروبية الأبرز، التي تشهد نشاطاً إخوانياً مماثلاً، وتحديداً في فرنسا وألمانيا، خاصة أنّ الإخوان أسّسوا، منذ ستينيات القرن الماضي، تنظيمات إخوانية متداخلة في ساحات أوروبا في بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، إضافة إلى الدول الإسكندنافية، ودول البلقان، غير أنّ أهمّ واخطر تلك الهيئات والجمعيات موجودة في بريطانيا وألمانيا وفرنسا، وتستخدم غطاءات العمل الخيري والإنساني والحقوقي، للجاليات العربية والإسلامية، ويقودها أبناء وبنات وأقارب قياديين في مكتب الإرشاد العالمي،  ورموز الإخوان المسلمين، وتمارس نشاطاتها من خلال "اتحاد المنظمات الإسلامية"؛ الذي يضمّ في عضويته أكثر من (500) جمعية ومنظمة، تشكل واجهة للإخوان المسلمين في أوروبا.
في الخلاصة، إنّ القرار والإجراءات البريطانية، ربما تشكّل خطوة أولية، لا شكّ في أنّها غير حازمة، في مواجهة نفوذ الإخوان المسلمين وتحجيمهم، خاصة في مجال مكافحة التطرف، وإغلاق حواضنه ومؤسساته المعلنة، تحتاج لتعاون مع أطراف أوروبية، وغير أوروبية، تستند بالدرجة الأولى إلى جمع المزيد من الأدلة، وبسرية تامّة، حول النشاط السري لتنظيمات الإخوان، والعلاقة بين خطابها التحريضي وازدياد صور الإرهاب وأساليبه.

اقرأ المزيد...

الوسوم: