الإسلام السياسي: خطر الاستبداد الديني كنظرية في الحكم

2134
عدد القراءات

2017-11-06

عقب "الربيع العربي"، لم تكن أغلب الدول العربية غير المستقرة تمتلك إلا احتمالين فقط بعد انعدام مشروعية حاكميها وأنظمتهم: إما صعود تيار ينتمي للإسلام السياسي – كما حدث في مصر - أو الوصول لحالة اللا-دولة كما حدث في ليبيا واليمن. هذا الفقر في الاحتمالات لم يكن إلا وليد إخفاق الدولة العربية الحديثة – على العموم – في إنجاز التطلعات التي قدّمتها تحت شعارات القومية أو الاشتراكية أو حتى الوحدة العربية (الأخيرة، وللآن، لا تتجاوز حيز الشعور الوجداني عند الشعوب، ووعود رؤساء رحلوا عن عالمنا).

لا زلت للآن، أتذكر حديثي مع أحد أصدقائي من أصحاب الانشغال بالهموم الفكرية للعالم العربي؛ حيث قال لي إنه لم يكن ليشارك في "الثورة" لو أنه كان يعلم أن الإخوان المسلمين هم البديل للنظام الحاكم الأسبق لحسني مبارك. وكان من حقي أن أتعجب مما قاله صديقي لعدة أسباب، أهمها أن فقر المجال السياسي (منذ دولة مبارك وما قبلها كذلك) الذي خلقته سياسات الدولة الحديثة – في السياق المصري – أضعف – أو لعله ألغى تمامًا – من مشاركة عديد التيارات الفكرية في الحراك السياسي العام، كما أن الإخوان المسلمين في مصر يمتلكون تاريخًا طويلًا من الانخراط السياسي على المستوى الحزبي كمعارضة (حقيقية أو مٌقَنَّعَة تحرص على عقد صفقات مع الحزب الوطني الحاكم آنذاك) بجانب تأثيرهم في المجال الاجتماعي من خلال الأنشطة التي كانوا يقيمونها في محاولة منهم لكسب تأييد جماهيري بشكل مُباشِر.

كانت وعود الإسلام السياسي في ظل حكم الإخوان تتقلص ليحيا المصريون في ظل استبداد يتأسس على الدين

كان البديل "الجاهز" في مصر هو تيار الإسلام السياسي المتطرف (والإخوان المسلمون يمثلون التعبير الأوضح عنه). وهو ما حدث بالفعل. توّلى الإخوان المسلمون حكم مصر، وبمرور الوقت، كان يبدو أن الأمور تسير في سياق تعميق أزمات السياق المصري، داخليًا وخارجيًا، بجانب زيادة النبرة الطائفية في الشارع المصري. وبمعنى آخر، كانت وعود الإسلام السياسي تتقلص أو لعلها تتبدل ليحيا المصريون في ظل استبداد يتأسس على الدين كبديل عن استبداد تأسس على منطق إفقار المجال السياسي وتثبيت ركائز حكم الحاكم الأوحد. وتعلق الأمر فقط بتغيير قناع الاستبداد الحاكم من كونه "مدنيًا"، يداعب عقول الجماهير بمقولات الحداثة (حرية الرأي والتعبير، الديمقراطية ... إلخ)، ليصبح "دينيًا" يُمنّي نفوس الناس بعودة الإسلام للهيمنة – في دولة ذات أغلبية مسلمة! – من خلال مقولات (التمكين، نصر الله ووعده للصابرين المرابطين، حاكمية الله، شمولية الإسلام).
في كتابه "في لاهوت الاستبداد والعنف" – الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في 2014 – حاول الباحث علي مبروك الكشف عن التباسات في ظاهرة الإسلام السياسي، ولعل أبرز هذه الالتباسات تتمثل في أن دولة الإسلام السياسي الموعودة هي دولة ستأخذ بيد المواطنين إلى الجنة، وتعدهم بالخلاص في الآخرة ومساعدتهم على بلوغ ذلك الهدف الأسمى، في حين أن الحاكم، حينها تكون غاية دولته "هي ضمان خلاصهم في الآخرة، (فإن ذلك الأمر) يضمن سكوتهم عن وضعهم البائس في الدنيا، ومخفيًا عنهم أن (ذلك الخلاص) مشروطٌ برقي حياتهم؛ المادي والأخلاقي في الدنيا ... (وهذا الخلاص الأخروي، والسعي له، هو بالتأكيد) حقٌ في جهة الفرد، وباطلٌ في جهة الدولة". بمعنى آخر، لا يجب على الدولة الحديثة الانشغال بمصير الفرد بعد الموت، على أن يكون من ضمن أهدافها الرئيسية تيسير الحياة له في دنياه.

كون الناس يرتبطون ارتباطًا عميقًا بدينهم، فإنهم يثقون في هؤلاء الذين يتحدثون باسمه، ليصبح أي مساس بأحد الدعاة هو تهديد مباشر للدين نفسه

وإذا كان الوضع في العالم العربي، عقب "الثورات الأخيرة" يشهد "انفجار المكبوت القَبَلي (نسبة إلى القبيلة) والعشائري والطائفي والمذهبي الذي لطالما جرى كبته وراء أقنعة الدين – ثم الحداثة بعد ذلك"، فإن هذا الأمر يعني أن العالم العربي لم يتجاوز تاريخه القديم، بكل ما كان يمتلئ به من صراعات - هي نتاج التفاعلات البشرية على العموم، ومن طبيعة الإنسان ذاته- تم إلباسها لباس الدين والارتقاء بها من الأرض للسماء، لكن يقوم أهل الإسلام السياسي بتقديم هذا التاريخ القديم "الذي كتبته القوة" ولكن ليس في شكله الواقعي وإنما يتم إخفاؤه "لحساب تاريخ مثالي ... يستخدمه دعاة الإسلام السياسي في الترويج لأجنداتهم السياسية النازعة للهيمنة".
وإذا أضفنا كذلك أن الدين "كان – ولا يزال جزءًا من لعبة القوة وأحد أدوات السعي إلى امتلاكها والإمساك بمفاتيحها"، تبيّن لنا خطورة الإسلام السياسي، على مستوى تعميق أزمات العالم العربي (لا حلها أبدًا أو حتى مجرد تقديم محاولة لتجاوزها)، وكذلك على مستوى العلاقة التي ينشدون إقامتها بين أنفسهم وبين الناس، وكذلك بين الناس ودينهم. وفيما يتعلق بالعلاقة الأولى، فإن العلاقة بين دعاة الإسلام السياسي والناس تتأسس على كون هؤلاء الدعاة أرقى مكانة من عوام الناس، بل يصل الأمر إلى اعتبار أن المسلم المنتمي لجماعة الإخوان – على سبيل المثال – يمتلك قيمة إنسانية أعلى من المسلم العادي! ولكون الناس يرتبطون ارتباطًا عميقًا بدينهم، فإنهم يثقون في هؤلاء الذين يتحدثون باسمه ويدافعون عنه. وبالتالي يصبح أي مساس بأيٍ من هؤلاء الدعاة هو تهديد مباشر للدين نفسه.

يسعى الإسلام السياسي للإمساك بأعناق الناس من خلال تطويعهم وجعلهم ممتثلين لنسخة الدين الأكثر فقرًا وإفقارًا، لعقول الناس وأحلامهم

وفيما يتعلق بالعلاقة الثانية التي يسعى الإسلام السياسي لتثبيتها بين الناس ودينهم، فإنها تقوم على أساس تقديم الدين بما هو مجموعة أوامر ونواهٍ يمتلك هؤلاء الدعاة الحق الحصري في توضيحها لعموم المسلمين. وهنا، يجب عليهم التأكيد للناس على أن وعيهم – أي الناس – يظل وعيًا قاصرًا، يعجز عن تحديد الصواب والخطأ إلا بالرجوع لهؤلاء الدعاة وآرائهم وفتاواهم. يصبح الهدف من هذه العلاقة السيطرة على الجمهور، وتطويعه لصالح أجندات الإسلام السياسي المتطرفة وأهدافه السياسية التي تمارس ألاعيبها من خلف ستار الدين.
وإذا كان الدخول لأبواب الدولة الحديثة، بحق، يستدعي نظرة مغايرة للفرد في هذه الدولة تتأسس على وعيه بمتطلباته، وتعينه على تحقيق ذاته والاستقلال برأيه، وإتاحة الإمكانيات (من مجال عام منفتح وغير ذلك) أمامه لتكوين رأيه الشخصي في كل قضايا وطنه مع تنعّمه باستقلاله العقلي، فإن الإسلام السياسي لن يسعى أبدًا وراء هذه الأهداف، وإنما سيصبح، وعلى الدوام، ساعيًا للإمساك بأعناق الناس من خلال تطويعهم وجعلهم ممتثلين لنسخة الدين التي يتحدثون عنها، وهي، للأسف، نسخة الدين الأكثر فقرًا وإفقارًا، لا لعقول الناس وحسب، بل كذلك لأحلامهم وتطلعاتهم ورؤيتهم لذواتهم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: