باكستان.. أسيرة البزّة العسكرية والعمامة الإسلامية

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
450
عدد القراءات

2017-12-07

أينما ولّيت وجهك، في العالم الإسلامي، ترى الصراع السياسي بين الحركات الإسلامية والسلطة السياسية، وبشكلٍ خاصٍّ، السلطة ذات الطابع العسكري؛ حيث تبدو المنافسة محصورة بين العمامة الإسلامية، والبزّة العسكرية، هي التي جعلت تلك البلدان تدور في فلك حلقةٍ مفرغةٍ من الحروب الطائفية والانقلابات العسكرية، فأضحى باكستان، نموذجاً للصراع الحاد بين تلك الثنائية، بعد عقودٍ من حكم الجنرالات، وتنامي الحركات الجهادية.
"أقسم" و"أعتقد"!
اشتعلت العاصمة، إسلام آباد، منذ أيام قليلة، باحتجاجاتٍ عنيفةٍ، إثر تعديلٍ دستوريٍّ في مادّة تفيد بأنّ النبي محمد هو خاتم الأنبياء، واستبدال اللفظ "أقسم" بـ "أعتقد"، لتنفجر، إثر ذلك، موجةٌ من الاحتجاجات التي نظمتها حركة "لبيك يا رسول الله"، بمشاركة آلاف المحتجين، وهو ما أدّى إلى إغلاق العاصمة إسلام آباد، والطّرقات المؤدّية إليها، وتحوّلت التظاهرات إلى اعتصامات، استمرت لفترة تزيد عن أسبوعين، تجمّع فيها ما يزيد عن ألفي شخصٍ، مطالبين بعودة المادّة القانونية لنصّها الأصلي، واستقالة وزير العدل الباكستاني "زاهد حميد"، واحتدت التظاهرات، وامتدّت إلى العديد من المدن مثل: كراتشي، لاهور، وفيصل آباد "مركز المعتصمين"، والعديد من المدن التي خرجت للمطالبة بإقالة وزير العدل، بعد دعوة زعيم حركة "لبيك يا رسول الله".

اشتعلت إسلام آباد باحتجاجاتٍ عنيفةٍ، إثر تعديلٍ دستوريٍّ في مادّة تفيد بأنّ النبي محمد هو خاتم الأنبياء

لم يكتف المتظاهرون بالاعتصام والتظاهر، حسبما ذكرت مراسلة وكالة "فرانس برس"، التي شاهدت حرق العديد من الدراجات النارية والسيارات، وهو ما أصاب حركة السير في المدينة بالشلل التامّ، منذ السادس من نوفمبر الماضي، الأمر الذي دفع وزير العدل إلى تقديم استقالته للحكومة، إلّا أنّ ذلك لم يُهدِّئ من وتيرة الاحتجاجات، واستمرت الاعتصامات الهادفة إلى تعديل المادة، ما دفع قوات الأمن إلى التدخل لفضّ الاعتصام، كما طالبت الحكومة بنزول قوات الجيش لدعم الشرطة في فضّ الاعتصام، الذي أودى بحياة ستة أشخاصٍ، وأصاب أكثر من 200 آخرين.

"لبيك يا رسول الله"
حركة "لبيك يا رسول الله" التي قادت الاحتجاجات الأخيرة في إسلام آباد، وما ترتّب عنها من سقوط عدد من القتلى والمصابين، لا تختلف عن مثيلاتها من الحركات الإسلامية في باكستان، التي تلعب دوراً كبيراً في المعترك السياسي الباكستاني، وهي وليدة مقتل "ممتاز قادري"، الشرطي الباكستاني السابق، والحارس الشخصي لحاكم إقليم البنجاب "سلمان تيسير"، الذي قام باغتياله، بإطلاق النار عليه في أحد الأسواق الشعبية، في وضح النهار من العام 2011، وقد اعتقلت الشرطة قادري، إثر ذلك، وعدّته الحركات الجهادية بطلاً، وظهر في أولى جلسات محاكمته مبتسماً، تنهال عليه الزهور من محبّيه.
الحركات الإسلامية مقبرة الأقليات
عانت الجمهورية الباكستانية طويلاً من الحكم العسكري والانقلابات المتتالية، بمباركة الولايات المتحدة، التي أفسحت المجال أمام حكم الجماعات الجهادية المتشددة، لتتصاعد سلطاتها وصلاحيتها في السنوات الأخيرة في باكستان، وهي دولة تتميز بوجود أقليات عديدة، ذات ديانات مختلفة، ولا تخضع لحكم مدني، ما ضاعف معاناة الأقليات في ظلّ سياسات الجماعات الإسلامية.
سلمان تيسير؛ حاكم إقليم البنجاب، الذي ناهض قوانين ازدراء الأديان، وقال عنها، إنّها "لا توجد إلّا كوسيلة لتصفية المعارضين وقمع الأقليات"، لم يكن يعرف أنّ تلك الدعوات لقوانين أكثر مدنية، ستكون كلامه الأخير، وستدفع حارسه الشخصي إلى قتله ليتوّج بطلاً، وأيقونة جهادية لقتل كلّ من يخالف شرع الله، ولم تكن تلك مطالبته الأولى؛ بل كان "تيسير" قد طالب سابقاً، بالعفو عن المرأة المسيحية "آسيا باهي" المحكوم عليها بالإعدام، إثر اتهامها بقضية سبّ النبي محمد، عليه السلام. وطالب سلمان تيسير، مرات عديدة، بتعديل تلك الأحكام، التي تعدّ حبلاً حول عنق الأقليات الدينية المتعددة الموجودة في باكستان، كذلك مطالباته العديدة بفتح مجال الحريات عن طريق الدستور، الأمر الذي لم يرق للجماعات الإسلامية صاحبة اليد العليا في الحكم الفعلي في الجمهورية الباكستانية.

في دولة تتضارب فيها المصالح السياسية تحت غطاء ديني، دائماً ما تسدّد الأقليات فاتورةً باهظة الثمن

ممتاز قادري، الذي عُدَّ بطلاً قومياً، لجماعته الأم، وكذلك لمسلمي البنجاب المتعصبين، والمتحسسين من أيّ مساس بالنبي محمد، ويرفعونه قدر الألوهية، حظي، قادري، بجنازةٍ تاريخيةٍ في باكستان؛ حيث ودّعه ما يزيد عن خمسة ملايين شخصٍ في مشهد مهيب، إن دلّ على شيء، فإنّما يدلّ على انحياز المجتمع الواضح للأفكار المتشددة، بينما ينعتون غيرها بالأفكار الاستعمارية، والإرث البريطاني الذي يجاهدون لأجل التخلص منه.

"لبيك قادري"
في أغسطس من عام 2015؛ اجتمع 72 من كبار قادرة الحركات الإسلامية في باكستان، للتشاور في ثأر بطلهم "قادري"، واستقرّوا على تأسيس تنظيم تحت مسمى "لبيك يا باكستان"، الذي تغيّر فيما بعد إلى "لبيك يا رسول الله"، واتفقوا في إعداد مسوَّدة مطالب للحكومة، وهي الاستناد إلى الشريعة الإسلامية في كلّ الأحكام الخاصة بالدولة، وتطبيقها حتى على غير المسلمين، وتحقيق الاستقلال الوطني لباكستان، وتحرير إقليم كشمير، والتخلص من الإرث الاستعماري، وقطع العلاقات مع الدول الغربية. وفي ضوء هذه المطالب تأسست الحركة، وانتشرت في المجمع الباكستاني، واكتسبت شعبية كبيرة، وهو ما أدّى إلى حلولها في المركز الثالث في انتخابات أعضاء الجمعية الوطنية الباكستانية؛ بل وتصدّرت الانتخابات في منطقتي لاهور وبيشاور.
نظرية المؤامرة
لا تخلو التحليلات السياسية من الاستفاضة في الحديث عن دور المؤامرات الخارجية، وهو القول الذي تردَّد صداه في سياق الاحتجاجات التي دشنتها حركة "لبيك يا رسول الله"، مع إضفاء البعد السياسي عليها، فالأمر ليس مجرد عنفوانٍ دينيٍّ لجماعةٍ متشدّدةٍ، حتى لو كانت تنتمي إلى تيار "البايلورية" (وهي جماعة صوفية، هندية النشأة)؛ حيث لعب البعد السياسي دوراً في تحريك هؤلاء المحتجين، الذين انتشروا في أنحاء البلاد، كالنار في الهشيم، وكان هدف المتظاهرين الرئيس هو إضعاف الحكومة، التي يسيطر عليها حزب رئيس الوزراء المخلوع، نواز شريف، الذي أقالته المحكمة الدستورية العليا، في يوليو الماضي، بسب عدم الإفصاح عن دخله، كما شكّلت الاحتجاجات تهديداً لحكومة حزب "الرابطة الإسلامية"، الذي ينتظر انتخابات العام المقبل، واتّضحت نية إضعافها، بعد تصريح زعيم المعارضة "عمران خان"، لموقع "سكاي نيوز"، عن رغبته في إجراء انتخابات مبكّرة، بسبب الأحداث التي اشتعلت، وتواصلت لما يقارب ثلاثة أسابيع.
بعد كلّ الأحداث الدرامية، في دولة تتضارب فيها المصالح السياسية تحت غطاء ديني، دائماً ما تسدّد الأقليات فاتورةً باهظة الثمن، في ظلّ تصاعد تيارات الإسلام المتشدّد، التي تتلاعب بمعترك الحياة السياسية، وفق أهوائها، وتتحكّم بالجماهير، باسم الدين، لتحقيق أهدافها السياسية، فيسقط مئات الضحايا، في سبيل اعتلاء زعمائهم للسلطة، والتحكّم في زمام الأمور في بلدٍ قوامه 200 مليون نسمة.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: