تركيا وقناع الإسلام السياسي في المنطقة العربية

صورة محمد جميل أحمد
كاتب سوداني وباحث في قضايا الإسلام السياسي
3021
عدد القراءات

2018-01-23

ربما بدا الأمر لكثيرين، كما لو أنّه مفارقة، لكنّ التأمل في حقيقته يحيل إلى تساؤلات مهمة بخصوصه؛ ذلك أنّ سياق التحديث الذي خاضته تركيا، في مخاض عملية الدولة الأمة، (الدولة القومية) التي أسّسها كمال أتاتورك، بطبيعة الحال، لم تكد تعرف "الإسلام السياسي"، كما عرفته المنطقة العربية مع حسن البنا. وما بدا لكثيرين في حركة سعيد النورسي، على أنّه شكل من أشكال الإسلام السياسي، مضلِّل إلى حدّ بعيد. فبديع الزمان النورسي، الذي تنبّه، في النهاية، إلى جدوى تجديد الخطاب الروحي للقرآن إزاء ضغوط الحداثة المادية التي تعرضت لها تركيا بجرعات كبيرة، كان يدرك تماماً أنّ هوية المنزع الروحي للإسلام في خطابه، لا تتصل، من بعيد أو قريب، بما يسمى اليوم "الإسلام السياسي".

لقد كان إرث الخلافة العثمانية، وما آلت إليه أوضاعها السياسية المتردية مع هزيمة الحرب الأولى، في وعي القوميين الأتراك المتأثرين بحركات المدّ القومي في أوروبا، جزءاً من العالم القديم الذي ينبغي التخلص منه، وكانت ردود فعلهم العنيفة جداً إزاء الرموز الإسلامية في المظهر واللباس ونمط الحياة، من أكثر المحفّزات التي جعلت حركة النورسي تنشط لإعادة الاعتبار الروحي للإسلام في حياة الأتراك. وبهذا المعنى يمكننا القول: إنّ تجربة الإسلام السياسي التي تمثلت بمحاولة الإخوان المسلمين "استئناف حياة إسلامية حقيقة"، على خطى الرعيل الأول من المسلمين في الأزمنة الحديثة، كما راهن سيد قطب، لم تكن في وارد التفكير لدى الأتراك بمختلف فئات مجتمعهم.

لسان حال تركيا في الخطاب الأردوغاني الموجَّه للعرب يقول: الإسلام السياسي لكم، أمّا الدعاية فلنا!

وإذا كانت تجربة الإخوان المسلمين في استلهام الإسلام السياسي، بوصفه تعبيراً لا تكتمل هوية الدولة إلّا به، من خلال السعي إلى "تطبيق الشريعة"، قد أثّرت تأثيراً كبيراً في إيران، عبر الإسلام السياسي الشيعي، الذي طور الخميني من أجله نظرية ولاية الفقيه في الثورة الإيرانية، عام 1979، فإنّ تجربة حزب الرفاه في تركيا، بقيادة نجم الدين أربكان، الذي تغيّر فيما بعد إلى حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان، لم تكن في وارد تحدي المؤسسة العلمانية للدولة التركية. 

بين مجتمع تركي تجسدت علاقته بالدولة القومية الحديثة تجسيداً عميقاً، ومؤسسة علمانية يسندها الجيش الوطني التركي، أدرك حزب العدالة والتنمية، الذي استفاد من أفكار سعيد النورسي، المقتصرة على تجديد الهوية الروحية للإسلام في حياة الأتراك، وجعل رهانه الرئيس متصلاً بالالتزام بالقواعد العلمانية للحكم في تركيا، مع السماح للحريات الدينية، فيما تركزت جهوده على مكافحة الفساد، والاهتمام بالاقتصاد وحقوق الإنسان، ما حقّق نجاحات تنموية كبيرة مشهودة.

بمعنى آخر؛ إنّ كلّاً من مؤسسة الحكم التركية العلمانية التي كان لها الفضل الكبير في الانفتاح الديمقراطي، والمجتمع التركي، لم يعرف تجربة الإسلام السياسي، الأمر الذي يعني أنّ علاقة الإسلام السياسي بحزب العدالة والتنمية، ينبغي قراءتها في سياق آخر، سياق يتصل بمحالات الهيمنة والدعاية، وتسويق الأيدولوجيا خارجياً فقط؛ أي خارج تركيا.

تركيا أكبر دولة في الشرق الأوسط لها علاقات سياسية وتمثيلية مع إسرائيل، لكنّ الرئيس أردوغان حامي القدس!

وقد بدا ذلك واضحاً في يأس تركيا من أن تكون جزءاً من الاتحاد الأوروبي، فبعد تولي حزب العدالة والتنمية للحكم، عقب الانتخابات الديمقراطية لعام 2002، توجّه إلى إحياء العلاقة بالعالم العربي والإسلامي.

لقد كان الاستثمار في أيدولوجيا الإسلام السياسي لحزب العدالة والتنمية أجندة خارجية، موجهة للاستقطاب في المنطقة العربية، والاستثمار في تناقضاتها، عبر الاستفادة من أفكار رئيس وزراء تركيا، ووزير خارجيتها السابق الأكاديمي أحمد داوود أوغلو، عن العثمانية الجديدة التي دعا فيها إلى الاهتمام بعلاقات جديدة مع الفضاء العثماني القديم في العالم العربي، بدل العلاقة العقيمة مع أوروبا.

وهكذا استثمرت تركيا، بقيادة أردوغان، الفضاء العربي في سياساتها العثمانية الجديدة، وكان الإسلام السياسي، في قلب ذلك الاهتمام، عبر البروبغاندا الخارجية، التي صادفت هوى مناسباً لدى حركات الإسلام السياسي في المنطقة العربية.

لقد تعيَّن على أردوغان، وفق هذه الأيدولوجيا، (مستفيداً، في الوقت ذاته، من مناخ الحريات في تركيا)، تمثيل أدوار ومواقف استعراضية خطابية، عرف كيف يستقطب بها الولاءات المجانية لدعاة الإسلام السياسي في المنطقة العربية (قضية سفينة مرمرة لفكّ الحصار عن غزة، وموقفه من رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز في  منتدى دافوس قبيل الربيع العربي)، ثم مناصرة حركات الإسلام السياسي الصاعدة خلال سنوات الربيع العربي، واحتضان المعارضين الإسلاميين، بعد فشل تجربة الإخوان في مصر عام 2013، متحالفاً في ذلك مع قطر، وآلتها الدعائية العتيدة "قناة الجزيرة".

كانت معادلة الاستثمار الذكي لأردوغان في قضايا الإسلام السياسي، عربياً، مجرد دعاية تستهدف تعويمه كقائد "إسلامي" مناصر لقضايا العرب والمسلمين والمستضعفين، وفقط، من خلال الشعارات الأيدولوجية والمواقف الاستعراضية، لكن دون أيّ استعداد لدفع أثمان حقيقية مقابل تلك المواقف، فهي فقط أدوار استهلاكية لا رصيد لها في الواقع.

تركيا حامية المعارضة السورية، لكنّها، في الوقت ذاته، حليفة من يذبح الشعب السوري ليل نهار؛ إيران وروسيا!

هكذا كانت الرؤى الأيدولوجية لدعاة الإسلام السياسي في المنطقة العربية، على استعداد للتعايش مع تناقضاتها المتوهمة عن أردوغان، دون أن يرفّ لها جفن. فتركيا علمانية، لكنّ الرئيس متديّن، وحزب العدالة والتنمية هويته إسلامية، لكنّه لا يحكم بـ "الشريعة"، وتركيا أكبر دولة في الشرق الأوسط، لها علاقات سياسية وتمثيلية مع إسرائيل، لكنّ الرئيس أردوغان حامي القدس، وتركيا حامية المعارضة السورية، لكنّها، في الوقت ذاته، حليفة من يذبح الشعب السوري ليل نهار "إيران وروسيا"؟! وعلى هذا المنوال تستمر تلك الدوغما في رؤى الإسلامويين العرب، كي تشفع لأردوغان وتجربته السياسية الخالية من الإسلام السياسي داخلياً، وتعيد التبشير بها في المنطقة العربية كنموذج لتجربة إسلامية!   

والحقيقة العارية، هي: أنّ "الدولة التركية دولة ديمقراطية، ونظامها الاقتصادي ليبرالي حرّ، ومن ينتج مسلسلات الدراما التركية شركات خاصة تعمل وفق حركة السوق العالمية"، كما قال الكاتب التركي "محمد زاهد غل"، المقرَّب من صنّاع القرار في تركيا، وصاحب كتاب "التجربة النهضوية التركية"، الذي شرح فيه كيف قاد حزب العدالة والتنمية تركيا، نافياً في حوار له مع كاتب هذه السطور، أيّ وجود للإسلام السياسي في تركيا. فلسان حال تركيا في الخطاب الأردوغاني الموجَّه للعرب يقول: الإسلام السياسي لكم، أمّا الدعاية فلنا!

اقرأ المزيد...

الوسوم: