قصة يرويها الأسواني.. أحد المتهمين باغتيال السادات

538
عدد القراءات

2018-01-17

نطق القاضي حكمه فيه بصوت خفيض: "محمد محمود صابر، الشهير بالأسواني، الأشغال الشاقة المؤبدة". كان متهماً رئيسياً في قضية الجهاد الكبرى، وقالت أوراق القضية عنه إنه قتل  ببندقيته الآلية عميداً وضابط شرطة أثناء اقتحام منزله من القوات الخاصة، كان أحد المتهمين في قضية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، وكان يبلغ حينها 24 عاماً.

للمرة الأولى ألتقي بقيادي جهادي لا يعرف إذا كان قد قتل أم لا؟. تتداعى تفاصيل الواقعة إلى مخيلته، وهو رغم مرضه الشديد، ما يزال يحتفظ بذاكرة فولاذية.

كان والده ووالدته يدرسان مادة الموسيقى في إحدى مدارس حي شبرا، شمال القاهرة، وكانا كفيفين، تزوجا ثم أنجبا 3 أطفال كان من بينهم محمد.

الاقتحام الدامي

في العام 1981 كان محمد منخرطاً في إحدى المجموعات الجهادية، شديدة الخطورة، وكان مقرباً للشخصية الجهادية الأخطر في ذلك الوقت، عصام القمري، الضابط في القوات المسلحة المصرية.

وبعد اغتيال "السادات" هجمت القوات على منزله، فقابلهم على سلالم البناية، وأطلق النيران بكثافة عالية، سقط حينها من سقط، واستطاع هو الهروب.

مرت سنون وهو في سجن ليمان طره يشعر بـ"المظلومية" بين جدرانه حتى اختمرت فكرة الهروب في عقله

تمكنت قوات الأمن من القبض عليه مجدداً، وزجّت به في السجن، إلا أنّ بعض أوراق القضية ذكرت أنّ الأعيرة النارية التي قتل بها الضابطان، لم تكن هي ذاتها التي تستخدم في السلاح الآلي الذي كان يقتنيه "الأسواني"

هنا يتذكر الأسواني ، تفاصيل مهمة وقعت أثناء عملية الاقتحام الدموي، عندما أطلق زخات من بندقيته؛ أطلقت القوات بالخارج النار عشوائياً على البناية، هذا ما جعله يرجّح أنّ القتل وقع بطريق الخطأ بين القوات، وأنه لم يرتكب فعل القتل، يظل الأسواني متمسكا بهذه الرواية نافياً عن نفسه تهمة القتل.

محمد محمود صابر، الشهير بالأسواني .. والصحفي المصري صلاح الدين حسن(حفريات)

خطة "الهروب الكبير"

مرت سنون وهو في سجن ليمان طره، يشعر بـ"المظلومية" بين جدرانه، حتى اختمرت فكرة الهروب في عقله، فطرحها على رفيقيه عصام القمري، وخميس مسلم، وبدأ وضع الخطة المحكمة، إنه الهروب الكبير.

يقول: رأينا أننا مقاتلون لا يليق بنا السجن، بينما رأى عبود الزمر، القيادي الجهادي، أن عملية الهروب ستجلب على التنظيم الوبال، وأنه يجب المكوث إلى أن يأذن الله بالخروج مستشهداً بقصة موسي، عليه السلام، ومؤمن آل فرعون.

ظل الأسواني في السجن حتى قيام "يناير" ورفضت السلطات الإفراج عنه إلا بعد حملة قامت بها التيارات الإسلامية

لم يقتنعوا وبدأوا في استجلاب بارود بدائي من خارج السجن، وضعه بعض زوارهم في كعوب أحذيتهم، واستطاعوا تسريب عدد من مقاعد البامبو، التي فككها القمري وأعاد تضفيرها على هيئة سلم يشبه السلالم التي تستخدمها قوات الصاعقة.

وضع الأسواني، قطعة إسفنجية في موضع لسان قفل الزنزانة، حتى إذا أغلق الحارس الباب توهم بأنه قد أغلق، ثم عمل طبعة لمفتاح العنبر في غفلة من الشاويش، وقام باستنساخه بعدما قطع جزءاً من حديد سريره.

حددوا التوقيت؛ قبل أذان الفجر بنصف ساعة، حيث يغط العساكر في نوم عميق، فتحوا باب الزنزانة والعنبر، فوجدوا أنفسهم في ساحة التريض.

كان هناك برجان على اليمين وآخران على الجهة اليسرى، فقام القمري بألقاء قنبلتين في اتجاه اليمين، وقال الأسواني وخميس بإلقاء قنبلتين في الاتجاه المقابل.

كان القمري يعتمد على الصدمة الأولى التي يأخذ بعدها هو زمام المبادرة، وهو ما حدث، فالعساكر قد أصيبوا بالهلع جراء المفاجأة فألقوا بأنفسهم على الأرض مصابين... ألقي القمري بالسلم على أطراف السور، وبدأوا التسلق واحد تلو الآخر، فإذا بهم على ضفة النيل مباشرة، حيث كان بانتظارهم قارب مطاطي، كانت خلية تابعة لهم في الخارج قد تركته ومضت، فاستقلوه في اتجاه الضفة الأخرى... لقد ضللوا القوات التي لم تتوقع أنهم عبروا النيل فأخذتهم الكلاب البوليسية، في اتجاه مخالف تماماً.

العودة وراء القضبان

يقول الأسواني إنه كان ينوي الهجرة إلى أفغانستان، لكنه لم يكن يعرف ما الذي يدور في ذهن القمري ومسلم.. كلفوا بعض الأشخاص بتزوير جوازات سفر لهم.. لكن الأقدار كانت لها كلمة أخرى.

توجهوا إلى شقة في منطقة مساكن إيديال، كانت لصديق لهم يدعى خالد بخيت سافر إلى المملكة العربية السعودية، بعد اغتيال السادات، ولم تعد له علاقة بالتنظيم.

رصدت قوات الأمن مكالمة بين طارق الأسواني، شقيق محمد، وبين أحد أفراد الخلية، العاملين وقتها في أحد البنوك، ولم يكن تعرفه الأجهزة الأمنية، فأرادت الأجهزة القبض على طارق حتى يوصلهم إلى شقيقه محمد، فتوقعت أن يكون في شقة صديقه القديم بخيت، فجهزت الحملة وذهبت للاقتحام.

من دافع عن الأسواني بعد القبض عليه هو القاضي الذي حكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة بقضية الجهاد الكبرى

لم تكن تعرف أن في الشقة الصيد السمين نفسه، فظنت في بداية الأمر أن عملية القبض ستكون سهلة.. إلا أنها اصطدمت بالمجموعة التي يقودها القمري، فقتل من القوات 7 بينهم ضباط في المحاولة الأولى في الاقتحام.

يقول الأسواني إن القمري كان قد طلب منه الصعود إلى السطح، للتعامل مع ضابط وعسكري، كانا قد صعدا بالفعل، فباغتهما وأطلق النار على قدم العسكري، وأخذ سلاحه إلا أنه لم يرد قتل الضابط، مكتفياً بسحب سلاحه.

قدمت التعزيزات الأمنية وازدادت ضراوة إطلاق النيران؛ فقرروا فك الحصار والفرار من المكان، قام القمري بالتغطية النارية، وطلب من رفيقيه الهروب، وقاوم حتى أصيب بطلقة في ظهره استقرت في قلبه.

لم يكن الاسواني ممن خطّوا إقرارات توبة أو دخلوا في مبادرات للصلح مع الدولة وظل متمسكاً بأفكاره

في اليوم الثاني كانت قوات الأمن قد توصلت لمسلم وقتلته بعد الاشتباكات، وفي اليوم العاشر كانت قد توصلت للأسواني إذ ألقي القبض عليه وهو يسير أمام المستشفى القبطي في رمسيس، عندما ذهب لملاقاة أخيه، فلم يستطع الإفلات.

في محاكمة الهروب، تطوع محام للدفاع عنه، فقال في مرافعته: "إنني القاضي الذي حكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة في قضية الجهاد الكبرى، واليوم أتيت للدفاع عنه.. كان القاضي عبدالغفار، الذي أصدر أحكاماً ببراءة غالبية أعضاء التنظيم في قضية الجهاد الأولى العام 1984، وكانت مفاجأة للجميع بمن فيهم الأسواني نفسه.

الأسواني في سجن الطرة(حفريات)

ظل الأسواني قابعا في السجن حتى قيام ثورة 25 من يناير العام 2011، ورفضت السلطات الإفراج عنه، إلا بعد حملة قامت بها التيارات الإسلامية، وصلت حد التظاهر من أجله.

لم يكن من الذين خطّوا إقرارات توبة، أو دخلوا في مبادرات للصلح مع الدولة، ظل متمسكاً بأفكاره، حتى خروجه.

الآن يجلس طريح الفراش، بسبب ما يقول إنه نتيجة التعذيب في السجون، ما أدى به إلى مشكلات كبيرة في الحبل الشوكي، ثم أعقبها جلطات يحاول مقاومتها.

اقرأ المزيد...

الوسوم: