الإسلامويون و"فتنة" الأزمنة الحديثة

صورة محمد جميل أحمد
كاتب سوداني وباحث في قضايا الإسلام السياسي
2190
عدد القراءات

2018-04-24

إذا ما أمكن القول إنّ وقائع الأزمنة الحديثة التي شكلتها أوروبا في العالم هي، بحسب أدبيات الفقه الإسلامي التقليدي، شكل من أشكال "الفتنة" التي خلفتها مؤثرات تلك الأزمنة في الحياة بالمنطقة العربية، لاسيما مع الحركة الاستعمارية؛ فإنّ أزمة الإسلام السياسي التي بدأت مع بروز حركة الإخوان المسلمين في نهايات العقد الثاني من القرن العشرين هي جزء أساس من علامات سوء الفهم التاريخي مع معطيات واقع "الفتنة" الذي حاولت أدبيات الفقه الإسلامي مقاربته مقاربة مقاصدية كانت واعدة، في المواقف التي عبر عنها التيار الإصلاحي بقيادة الإمام "محمد عبده"  في القرن التاسع عشر، قبل تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في العام 1928.

ممارسات الإسلام السياسي؛ أفضت إلى ما يشبه عمليات خصخصة للإسلام أدّت بالإسلاميين إلى الاغتراب عن الأزمنة الحديثة

لقد كان المنطق الإصلاحي، الذي يفرق بين جوانب جوهرية مستحقة للمعرفة في الغرب، وبين النزعة الاستعمارية؛ يلفظ أنفاسه الأخيرة مع القطيعة التي أحدثتها أدبيات الإخوان المسلمين عبر سردياتها الفقيرة المؤدلجة حيال أحكام واقع تم تعويمها كما لو أنّها أحكام قيمة. ونتيجة لهذا الخلط الخطير بين أحكام القيمة وأحكام الواقع، اضطربت مرحلة كاملة من حياة المجتمعات العربية ولاتزال، من أثر مفاعيل تلك التأويلات الدينية السياسوية للإسلاميين، والتي تناسلت بعد ذلك، لتفرز اغترابهم الذي تأثر به كثير من المسلمين اليوم فيما سمي بـ "الصحوة الإسلامية" منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي. ففيما كان الإصلاحيون ومنهجهم القائم على مقاصد فقهية ومعرفية، يجعلون من ذلك الفرق بين معرفة الغرب من ناحية، وحركته الإمبريالية من ناحية أخرى؛ فسحةً للتعلم منه، وإدراك متغيرات الإصلاح الديني (الذي كان إحدى الحلقات التي أفضت إلى حداثة الغرب)؛  جاءت سرديات الإخوان المسلمين المؤدلجة لتجعل من الغرب كتلة واحدة، مستلهمة في ذلك عمومات كلية للإسلام لا يمكن تسويقها إلا بعمليات تجريف وتحويل للمفاهيم الإسلامية الأصيلة، من مفاهيم شرعية معرفية إلى مفاهيم مؤدلجة، أدت نتائجها الكارثية إلى تفجير الإسلام من الداخل على مدى العقود الأخيرة من القرن العشرين.

لقد كان مصير مفاهيم شرعية مثل؛ "التمكين" و "الشريعة" و"الجهاد" و"الجماعة" و"الخلافة" و"التكفير" أن تصبح مجالاً نشطاً للتطبيقات العشوائية المؤدلجة والمتحولة عن تلك المفاهيم الشرعية المنضبطة، عن مسارها المعرفي والشرعي إلى مسارات مفخخة.  فأصبحت "الشريعة" هي الحدود. وأصبحت الخلافة هي غاية سعيهم لدولة على مقاس دولة "وستفاليا" الغربية الحديثة. وهكذا كان بالضرورة أن تصبح "جماعة المسلمين" هي "التنظيم الإخواني" وأن يتحول مفهوم "الدعوة" إلى دعوة للمسلمين ذاتهم (لا لغير المسلمين بالتي هي أحسن). والنتيجة النهائية لعمليات تحويل المفاهيم في ممارسات الإسلام السياسي؛ أفضت إلى ما يشبه عمليات "خصخصة" للإسلام أدّت بالإسلاميين إلى الاغتراب عن الأزمنة الحديثة من ناحية، وإلى المكابرة عن التحقق والالتزام بمقتضيات ومناهج المعرفة الشرعية ذاتها، من ناحية ثانية.

وفي ظل واقع "فتنة" كالذي وجد فيه الإسلاميون أنفسهم، كان لابد من إجراء أحكام الواقع محل أحكام القيمة.

من الممكن أن تصبح الخصومة السياسية والفكرية مع الإسلاميين مظنة لإطلاق أحكام الكفر

وإذا أخذنا نموذجاً واحداً لتلك الأحكام غير العلمية ولا المعرفية ولا الشرعية التي يطلقها الإسلاميون على خصومهم من المسلمين، عبر ممارسات مؤدلجة؛ كأن ينعتوا خصومهم الفكريين والسياسيين بالكفر، مثلاً، من خلال تمثيلات لا واعية لمفهوم التكفير الذي قد يسقطونه على أولئك الخصوم في سياق واقع "فتنة" تحكمه أحكام واقع، لا أحكام قيمة؛ سنجد أنّ كثيراً منهم، بدلاً من التحرز والتقيد بالمنهج الشرعي لأحكام الكفر والإيمان، التي تقتضي شروطاً وموانع وسياقات وملابسات معقدة؛ يميلون إلى استسهال تلك الأحكام، لاسيما مع مصطلحات حديثة كالليبرالية والعلمانية! هكذا يمكن أن تصبح الخصومة السياسية والفكرية مع الإسلاميين مظنة لإطلاق أحكام الكفر؛ إذ إنّ نعوتاً سياسية وفكرية كـ "ليبرالي" و"علماني" (التي يمكن أن تكون نعوتاً لمسلمين يؤمنون بالله) يمكن، كذلك، أن تكون وفق بنية الوعي الأيديولوجي للإسلامويين، نعوتاً مرادفة للكفر!؟.

ومن خلال هذا النموذج، سندرك: كم كان المأزق خطيراً بغياب المدرسة الإصلاحية التي كانت ترتب الأحكام المتصلة بالواقع وفق مرجعية مقاصدية للفقه، تلاحظ متغيرات المكان والزمان. ولهذا يمكننا القول، أيضاً: إن فتنة الأزمنة الحديثة، التي زاد فيها اغتراب المسلمين في العالم عبر اتساع رقعة ما سمي بــ"الصحوة الإسلامية" لا يمكن الخروج من مأزقها إلا بنظريات مقاصدية من شأنها تسكين تناقضات المسلمين مع العالم الحديث، ونزع الدعاوى الزائفة للإسلامويين بتمثيل الإسلام، فيما هم يمثلون أوهامهم؟!

اقرأ المزيد...

الوسوم: