قواعد الفكر الإخواني (5): أنْ تدخل في "دين الإخوان"

صورة أحمد بان
باحث مصري متخصص فى الشؤون الاسلامية
1648
عدد القراءات

2017-12-04

ترقى الالتزامات التي يفرضها "تنظيم الإخوان" على أعضائه، ولا يقبل منهم الإخلال بها، لأن تكون ديناً خاصاً جديداً؛ فحتى تكون صاحب عضوية كاملة في الجماعة، لن يكتفي منك بإقامة فرائض الدين وسننه الثابتة المعروفة، لكنْ يجب أن تفهم الإسلام كما يفهمه الإخوان؛ ديناً يطلب الحكم ويسعى إليه من أول لحظة، متحلياً بأخلاق التنظيم وأفكاره ومقولاته مصبوباً في قالب خاص صنعته أفكار حسن البنا، من خلال ما تضمنته أدبيات التنظيم، ومنها أركان البيعة العشرة في "رسالة التعاليم" التي يتقدمها ركن الفهم، وقد مدحها مفتي الجماعة محمد عبدالله الخطيب، الذي شغل

ترقى الالتزامات التي يفرضها تنظيم الإخوان على أعضائه ولا يقبل منهم الإخلال بها لأن تكون ديناً خاصاً جديداً

لسنوات طويلة منصب مسؤول التربية في الجماعة، بقوله "إنّ رسالة التعاليم بقواعدها تجمع المسلمين وتجعلهم جسداً واحداً وفهماً واحداً، وتنمي بل وتثري حياة كل من رغب في العمل للإسلام..، تنمي فكره وتجدد فهمه الصحيح للإسلام"، وأنّ هذه التعاليم تدفع المسلم إلى الأمام "بعيداً عن الجدل والفلسفة التي لا طائل من ورائها.."، وتعمل، وفق تعبيره، على تجديد الشخصية الإسلامية العاملة المجاهدة وتضعها في إطارها الصحيح "الإطار الذي تتمثل فيه الإسلام عقيدة وفكراً وأخلاقاً وسلوكاً والمجتمع الذي يلتزم ويقتنع بالإسلام كنظام وشريعة وحياة نزل بها الوحي من عند الله".
 

ابتداع تصور "جديد" للدين
خلف هذا التقريظ البلاغي تكمن أفكار الدين الجديد الذي شرحه البنا وبنى قواعده لأتباعه بقوله "إنما أريد بالفهم أن توقن بأنّ فكرتنا إسلامية صميمة، وأن تفهم الإسلام كما نفهمه في حدود هذه الأصول العشرين"؛ فقد أضاف البنا إلى أصول الدين المعروفة بعض ما نقله عن علماء كالشاطبي والقرافي، دون أن يتجشم عناء ذكر ذلك لأتباعه أبداً، إذ حرص على أن يكرس صورة الملهم الموهوب الذي يعرف ما يعرفه العلماء وينظر كتنظيراتهم.

أضاف حسن البنّا إلى أصول الدين المعروفة بعض ما نقله عن علماء كالشاطبي والقرافي دون تجشم عناء ذكر ذلك لأتباعه أبداً

وبعيداً عن بعض الأصول التي نقلها البنّا عن غيره التي خلط به الغث بالثمين كعادته، من المهم الإشارة إلى بعض الأصول التي ميزت تصور الإخوان عن هذا الدين وأولها "الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء وهو مادة وثروة أو كسب وغنى وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء"، بتأمل هذا التعريف الجديد للدين الذي ظل فقهاؤنا يعرفوه بأنه عقائد وشرائع وأخلاق، يمكن ملاحظة حجم المفردات المشغولة بالدولة والحكم التي حرص على أن تأتي في مترادفات، تزدحم بمعانيها نفوس الإخوان وتبقى باعثاً دائماً وهستيرياً في التصور والسلوك، ولم يأتِ البنا في هذا الأصل على ذكر الأخلاق أبداً؛ إذ أسقط هذه الكلمة أو ما يرتبط بها؛ فالتنظيم سيرسخ بالممارسة منظومته الأخلاقية الخاصة، التي تصب فقط في طريق الوصول إلى الحكم؛ فالغاية تبرر الوسيلة دائماً لدى التنظيم، الذي سيكذب أعضاؤه ويخونون ويخدعون في سبيل ما يسمى بالدعوة.

بتأمل التعريف الجديد للدين الذي وضعه البنّا يمكن ملاحظة حجم المفردات المشغولة بالدولة والحكم

طرح البنّا في هذا الأصل ما يسمى بالشمولية التي خلطت بين المفهوم والممارسة؛ فالإسلام لا شك منظومة قيمية متكاملة تعطي ثمارها لمن يبحث عنها، لكنه لم يأتِ أبداً بنظرية في الحكم أو الإدارة، فهذه مساحة التجربة البشرية المفتوحة، التي تعني الحكمة التي تبقى ضالة المؤمن التي أنّى وجدها فهو الأحق بها، والدليل أنّ الإخوان عندما وصلوا إلى حكم مصر لم يقدموا جديداً؛ بل عزفوا على منوال غيرهم وقدموا أسوأ نموذج في الحكم والإدارة، ولأن أتباع دين الإخوان سيكونون جنوداً للقائد الأعلى الذي هو المرشد العام للإخوان في ولاية الفقيه السنية التي يدعون إليها، فيجب أن يطيعوه كما يطيعون ولي الأمر الشرعي ونائبه مهما خالفت أوامره ما يعرفونه من خلق أو دين (الإمام هنا هو البنا ونائبه هو شقيقه عبد الرحمن الساعاتي) يقول البنا في شرح الأصول العشرين "ورأي الإمام ونائبه فيما لا نص فيه وفيما يحتمل وجوهاً عدة، وفي المصالح المرسلة معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية".
 

أصناف الناس بالمنظور الإخواني
يبدو البنا في النص السابق حريصاً على جعل طاعته وطاعة نائبه واجباً يتعبد الناس به دون أن يشير إلى مبدأ الشورى، فتتحول أمور السياسة والحكم وطريقته إلى حكم ديني خالص طاعة الأمام فيه من طاعة الرسول وطاعة الله، وقد فصل الإخوان في ذلك في غير موضع، منها ما يقوله البنا في "رسالة دعوتنا" عن أصناف الناس "وكل الذي نريده من الناس أن يكونوا أمامنا واحداً من أربعة، مؤمن أو متردّد أو نفعي أو متحامل"؛ فالأول مدعو أن يبادر بالانضمام إلى الإخوان حتى يكثر به عدد المجاهدين كما يقول، أما الثاني فعليه أن يتصل بهم عن كثب "فسيطمئن بعد ذلك لنا إن شاء الله وكذلك كان شأن المترددين من أتباع الرسل من قبل"!

عندما وصل الإخوان إلى حكم مصر لم يقدموا جديداً؛ بل عزفوا على منوال غيرهم وقدموا أسوأ نموذج في الحكم والإدارة

أما الثالث فهو النفعي فيقول له "إننا مغمورون مالاً وجاهاً ولن نعطيك شيئاً سوى ثواب الله إن أخلصت، والجنة إن علم الله فيك خيراً"، كأن الرجل يوزع بذلك صكوك غفران! أما الرابع فهو المتحامل وفقاً لكلامه الذي يسدر في شكوكه ويظل مع أوهامه، ثم يختم بقوله "نحب أن يكون الناس معنا واحداً من هؤلاء.. ويعمل إلى هذه الوجهة حتى يصل إلى الغاية (يعني الحكم طبعاً)، أما تلك الغفلة السادرة والخطرات اللاهية والانصياع الأعمى واتباع كل ناعق فما هو من سبيل المؤمنين في شيء".

أصناف الناس التي وضعها البنّا لا مكان من بينها للمسلمين ممن لم يشاركوه للتصور الذي يطرحه للدين

هكذا انتهت أصناف الناس في مواجهة دين البنّا الذي عليهم أمامه إما أن يكونوا من المؤمنين به أعضاء في صفوفه، أو يكونوا مترددين في قبول دينه أو متحاملين أو نفعيين؛ فلا مكان من بينهم للمسلمين ممن لم يشاركوه هذا التصور الذي يطرحه، وقد يرتقي ذلك لأن يكون تكفيراً ضمنياً مقابل التكفير الصريح الذي حفلت به نصوص سيد قطب في ظلاله ومعالمه! لكن المؤكد أنّ البنّا يطرح تصوره باعتباره هو الدين الصحيح دون غيره، وهو ما يؤكده بقوله "نحن ندعو الناس إلى مبدأ واضح، والفرق بيننا وبين قومنا بعد الاتفاق بهذا المبدأ أنه عندهم إيمان مخدر نائم في نفوسهم لا يريدون أن ينزلوا على حكمه، أو أن يعملوا بمقتضاه، على حين أنّه إيمان ملتهب مشتعل قوي يقظ في نفوس الإخوان المسلمين". 

يكشف البنا عن نزعته الفوقية واحتكار جماعته للدين الصحيح والمقياس الذي تقاس به وحده شرعية الأفكار والقيم والسلوك

إن هذه التزكية لأعضاء الجماعة أورثت استعلاء على الخلق، وشعوراً بالوصاية عليهم، وادعاء امتلاك الحق المطلق، وهو ما يعززه مجدداً في فقرة من مذكراته بقوله: "فأحب أن أقول لكم هنا وبكل وضوح، إنّ دعوتكم هذه أسمى دعوة عرفتها الإنسانية، وإنكم ورثة رسول الله وخلفاؤه على قرآن ربه، وأمناؤه على شريعته، وعصابته التي وقفت كل شيء على إحياء الإسلام.. وإذا كنتم كذلك فدعوتكم أحق أن يأتيها الناس ولا تأتي هي أحداً، وتستغني عن غيرها؛ إذ هي جماع كل خير وما عداها لا يسلم من النقص ..، فمن مد لكم يده على أساسه فأهلاً ومرحباً في وضح الصبح أخاً يعمل معكم، ويؤمن إيمانكم وينفذ تعاليمكم، ومن أبى ذلك فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه"، هكذا دون مواربة يكشف البنّا عن نزعته الفوقية ودينه الخاص، وجماعته التي تحتكر الدين الصحيح والمقياس الذي تقاس به وحده شرعية الأفكار والقيم والسلوك دون عداه.

 

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: