السلفية الجهادية في الأردن.. منظّرون وتنظيمات

السلفية

السلفية الجهادية في الأردن.. منظّرون وتنظيمات

مشاهدة

14/01/2018

تتميز الحركات السلفية الجهادية عن غيرها من الجماعات الإسلامية بتبنيها خطاباً يقوم على تكفير الحكومات بشكل صريح، ويرفض العملية الديمقراطية والانتخابات البرلمانية، ويؤمن بالعمل المسلح منهجاً لإحداث التغيير وتطبيق رؤاه، وقد عرفت هذه الحركات صعوداً مع مرحلة "الجهاد الأفغاني" ضد القوات السوفيتية، وكان من بين هؤلاء العديد من الأردنيين على مستوى الأفراد والمنظرين.

الأفغان الأردنيون

برز اسم عبدالله عزام،، الشخصية السلفية الإخوانية، كأحد أهم القادة والمنظرين لعموم الجهاديين في أفغانستان؛ حيث صدرت عنه عدد من المنشورات والرسائل التي تحث الشباب على الالتحاق بالعمل الجهادي.

عبدالله عزام

ومع عودة الجهاديين الأردنيين عقب خروج السوفييت من أفغانستان، مطلع التسعينيات، بدأت تتشكل عدة تنظيمات صغيرة في الأردن، كجيش محمد، والأفغان الأردنيون وغيرهما.

في العام 1991 أعلنت الحكومة الأردنية عن اعتقال مجموعة تسمى "جيش محمد"، وقُدمت المجموعة إلى المحكمة بتهمة تنفيذ مجموعة من الأعمال الإرهابية مثل؛ إحراق مكتبة المركز الثقافي الفرنسي، وإطلاق النار ليلاً على واجهة بنك بريطاني، وتفجير سيارة لأحد ضباط المخابرات العامة، وسيارة أخرى لرجل دين مسيحي، وصدرت بحق أعضاء المجموعة أحكام بالسجن، ثم أطلق سراحهم في عفو عام صدر سنة 1992.

برز الإخواني عبدالله عزام أستاذ الشريعة في الجامعة الأردنية كأحد أهم القادة والمنظرين لعموم الجهاديين في أفغانستان

وفي العام 1994 أعلن وزير الداخلية الأردني عبر التلفزيون عن اكتشاف تنظيم يحمل اسم "الأفغان الأردنيون" يسعى لمهاجمة البنوك ودور السينما واغتيال النواب وقاده الفكر؛ حيث قام أفراد من التنظيم بتفجير دارين للسينما في عمان والزرقاء.

وهكذا، فقد شهد الأردن، في عقد التسعينيات، طفرة غير مسبوقة للتنظيمات الإسلامية السرية والمسلحة، وقد نجحت الأجهزة الأمنية الأردنية في تفكيك معظم الشبكات السلفية الجهادية التي ظهرت آنذاك.

منظّرون أردنيون

كانت الجماعات الجهادية التي ظهرت خلال التسعينيات، جماعات متفرقة، غير واضحة الأطر التنظيمية والفكرية، اعتمدت على أفكار ومؤلفات أسماء كسيد قطب وأبو الأعلى المودودي، إضافة إلى التأثر بمؤلفات ابن تيمية.. وهنا برز اسم أبو محمد المقدسي (عصام طاهر البرقاوي)، الذي ساهم في بلورة الإطار النظري والمرجعية الفكرية لهذه التنظيمات، وكانت من أهم مؤلفاته في هذا الإطار: "ملة ابراهيم"، و"الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية".

غلاف كتاب ""الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية"

وفي لندن، بزغ نجم أبو قتادة الفلسطيني (عمر محمود عثمان) خلال التسعينيات، وأصبح المنظر الأول للسلفية الجهادية في أوروبا وشمال أفريقيا؛ إذ عمل على مساندة "الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر"، و"الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا"، من خلال نشرتي "الأنصار"، و"الفجر"، ثم أصدر مجلة "المنهاج" التي كان يوزعها أتباعه سراً في الأردن.

أبو قتادة في لندن

وشارك أبو مصعب الزرقاوي (أحمد فاضل الخلايلة) في مرحلة الجهاد الأفغاني، وإن كان قد أدركها في آخر مراحل الحرب ضد السوفييت؛ حيث سافر العام 1989 إلى أفغانستان، وهناك تعرف على أبو محمد المقدسي، في بيشاور، ثم شارك في الحرب الأهلية بين الجماعات الإسلامية خلال التسعينيات، حيث التحق بمعسكرات قلب الدين حكمتيار، وفي العام 1993 عاد إلى الأردن، وبدأ بالتواصل مع المقدسي؛ حيث بدأ التحضير لإنشاء جماعة سلفية جهادية، وهي التي عرفت لاحقاً إعلامياً وأمنياً باسم "بيعة الإمام".

أبو مصعب الزرقاوي

تنظيم بيعة الإمام

يعتبر هذا التنظيم ثمرة التقاء الزرقاوي بالمقدسي؛ حيث نشط الاثنان معاً في نشر السلفية الجهادية، وخلال فترة وجيزة تمكنا من استقطاب عدد من الأتباع والأنصار، وكانوا يطلقون على أنفسهم اسم "الموحدون"، أو "جماعة التوحيد".. وكانت الفكرة الأساسية للتنظيم هي تكفير الأنظمة والقوانين والدساتير والشرائع الوضعية، وقد بدأ أفراد الجماعة بعقد الدروس السرية، ونشر الرسائل والكتب، والتي تمحور محتواها حول تكفير النظام الحاكم، وحرمة المشاركة في الانتخابات.

وهكذا، انتقل التيار السلفي الجهادي، مع تنظيم "بيعة الإمام"، من كونه مجموعات صغيرة متفرقة إلى أن يصبح تياراً فكرياً موحداً.

مع عودة الجهاديين الأردنيين من أفغانستان مطلع التسعينيات بدأت تتشكل عدة تنظيمات إرهابية صغيرة في الأردن

وقد نجحت الأجهزة الأمنية لاحقاً بتفكيك هذا التنظيم واعتقال أعضائه؛ حيث قدمت 13 متهماً منهم إلى محكمة أمن الدولة في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1996، من بينهم الزرقاويّ والمقدسيّ؛ حيث حُكم على كل منهما بخمسة عشر عاماً، وقد تجمع جميع المعتقلين بعد أشهر في سجن السواقة.

السجن وفر وقتاً ومساحة للمقدسي ليمارس الكتابة والتأليف والتجنيد، فقد قام بكتابة عشرات الرسائل، وألف معظم كتبه خلال هذه الفترة.

وقد عمل أعضاء الجماعة على استغلال مرحلة السجن في نشر السلفية الجهادية بين السجناء وتجنيد أعضاء جدد، كما سعوا إلى بلورة أفكارهم ومعتقداتهم. وانتهت هذه المرحلة بخروج جميع السجناء العام 1999 بعفو ملكي.

وكانت أبرز عمليات التنظيم بعد ذلك، هي اغتيال الدبلوماسي الأمريكي لورانس فولي في عمان العام 2002. وكان فولي، الذي لقي مصرعه، يعمل في وكالة التنمية الأميركية، وقد أطلقت النيران عليه عدة مرات من مسافة قريبة أثناء مغادرته منزله متوجهاً إلى عمله في السفارة الأمريكية.

سيارة جيمس فولي، في موقع حادثة الاغتيال

إحباط مخططات الألفية

استطاعت الأجهزة الأمنية في مطلع الألفية الجديدة، اكتشاف وإجهاض عدد من المخططات الإرهابية، كـ"مؤامرة الألفية" العام 2000، التي خطط لها تنظيم عُرف باسم "تنظيم القاعدة عام 2000"، حيث كان يهدف للقيام بعمليات إرهابية ضد منشآت سياحية، وقد تم الإعلان عن 28 متهماً في هذه القضية، حوكم 16 منهم حضورياً والباقي غيابياً، وكان من ضمن الفارين أبو مصعب الزرقاوي.

انتقل التيار السلفي الجهادي مع تنظيم "بيعة الإمام" من كونه مجموعات صغيرة متفرقة إلى تيار فكري موحد

ومن هذه العمليات المكتشفة مؤامرة خلية الجيوسي العام 2004؛ حيث تم القبض على قائد وأعضاء خلية إرهابية كانت تستعد لتنفيذ أول هجوم إرهابي بالسلاح الكيماوي في الأردن، وكانت المجموعة التي كان يقودها عزمي الجيوسي قد ضمت 9 أفراد قد اعترفت بأن الزرقاوي هو الذي خطط لهذه العملية وحدد أهدافها وجنّد عناصرها وجهزهم بالمال وكل المستلزمات بما فيها جوازات السفر المزيفة.. واعترف الجيوسي أنّ العملية كانت تستهدف رئاسة الوزراء ودائرة المخابرات العامة والسفارة الأمريكية بعمان.

الجيوسي أثناء إدلائه باعترافاته على التلفزيون الأردني

تفجيرات الفنادق في عمّان

كان الزرقاوي بعد فراره من الأردن قد انتقل إلى باكستان؛ حيث أسس هناك معسكر هيرات، وبعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وبداية الحرب الأمريكية على أفغانستان، انتقل مع عدد من أنصاره إلى إيران، ثم إلى المناطق الكردية في شمال العراق؛ حيث أسس تنظيم "جند الشام"، الذي تطوّر فيما بعد إلى تنظيم "أنصار الإسلام".

وبعد الحرب الأمريكية على العراق، العام 2003، وسقوط وتفكك الدولة العراقية وأجهزتها، قام الزرقاوي بتأسيس جماعة التوحيد والجهاد، التي بايعت أسامة بن لادن لاحقاً، وانضمت لتنظيم القاعدة، وأصبح اسمها "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين"، وكان هذا التنظيم هو المسؤول عن ارتكاب تفجيرات عمّان في 9/11/2005 التي استهدفت 3 فنادق وذهب ضحيتها 67 شخصاً وإصابة ما يزيد على 300.

الزرقاوي بين أتباعه في العراق

الصراع السوري والخلايا الداعشية

بعد تفجيرات عمان، تلقى التيار السلفي الجهادي ضربة أمنية شديدة، إلى أن اختفى وتوارى عن الأنظار، ولكنه ما لبث أن عاد للظهور العام 2011، مع تزايد حركات الاحتجاجات والمسيرات في الأردن بالتزامن مع أحداث "الربيع العربي"، حيث تحولت مسيرة لعدد من السلفيين الجهاديين، انطلقت في الزرقاء، إلى ساحة صراع مع قوات الأمن، وذلك يوم الجمعة 15 نيسان (ابريل) من ذلك العام، الأمر الذي أدى لإصابة قرابة 80 من رجال الأمن بجروح بالسلاح الأبيض في مشهد صدم الرأي العام الأردني.

من مظاهرة 15 نيسان، التي اعتدى فيها اتباع التيار السلفي الجهادي على رجال الأمن في مدينة الزرقاء

ومع تطور الأحداث في سورية بدءاً من العام 2011، وتدهورها إلى أتون صراع مسلح، وما نتج عن ذلك من تزايد أعداد الجماعات المسلحة، ونتيجة لتجاور الأردن وقربه من ساحة القتال، وجد أتباع التيار السلفي الجهادي في ذلك فرصة لبعث الروح في نشاطاته، حيث قُدرت أعداد المقاتلين الأردنيين مع الجماعات الجهادية في سوريا بحوالي 4000 مقاتل، بحسب دراسة أعدها مركز الدراسات الألماني "فيريل".

وكان للأحداث في سورية ارتدادات داخل الأردن، فبالإضافة إلى الهجوم الذي نفذه تنظيم داعش في مخيم الركبان الحدودي في حزيران (يونيو) 2016، نمت وظهرت عدد من المجموعات والخلايا التي أعلنت موالاتها وتبعيتها للتنظيم، وقامت بعدد من الاشتبكات المسلحة مع أجهزة الأمن الأردنية، فيما عرف بأحداث إربد وذلك في آذار (مارس) 2016، وأحداث الكرك في كانون الأول (ديسمبر) 2016، إضافة إلى حادثة فردية استهدفت مكتباً للمخابرات بمنطقة البقعة في حزيران (يونيو) 2016.

الصفحة الرئيسية