"الشاذلية العلية".. هل يصلح علي جمعة الصوفية الطرقية بمصر؟

مصر والصوفية

"الشاذلية العلية".. هل يصلح علي جمعة الصوفية الطرقية بمصر؟

مشاهدة

18/02/2018

ذهب مفتي الديار المصرية الأسبق الشيخ علي جمعة بأوراق طريقة صوفية جديدة، إلى المجلس الأعلى للطرق الصوفية، كي يحصل على ترخيص رسمي لها، وإدراجها ضمن ما يقرب من 80 طريقة أخرى معترف بها رسمياً من قبل ذلك المجلس.

يأتي ذلك في ظل حالة ركود تشهدها الحالة الطرقية في مصر منذ سنين، وصعود شيوخ ما يطلق عليه الصوفية العلمية أو الدعوية في الفترة الأخيرة، ومنهم الشيخ "جمعة" نفسه، وهو ما يدعو إلى التساؤل حول دوافع انتقال الشيخ من مساحة التصوف المعرفي إلى إطار التصوف الطرقي، وما يمكن أن يرمي إليه من وراء تلك الخطوة.

مفتي الديار المصرية الأسبق الشيخ علي جمعة، في شبابه

ترحيب بالطريقة الجديدة

ما إن قدم الشيخ أوراق طريقته الجديدة للاعتماد، حتى أبدى عدد من رموز مشيخة الطرق الصوفية ترحيبهم بتلك الخطوة، معتبرين أنّ وجوده وطريقته يعطيان أملاً في تحريك المياه في بحيرة التصوف الطرقي الراكدة منذ أمد.

وتحدثت المصادر لعدد من الصحف المصرية، عن موافقة "المجلس الأعلى" على الطريقة الجديدة بمجرد إعلان شيخها عن رغبته في تشكيلها، وهو الأمر النادر الحدوث في السنوات الأخيرة؛ إذ إنّ هنالك عدداً من الطرق تعرض للرفض، بينما ظل عدد آخر معلقاً لم يبتّ في شأنه حتى الآن، مما يرجع البعض ذلك إلى قوة الشيخ "جمعة"، ونفوذه داخل الحالة الدينية الرسمية في مصر.

أبدى عدد من رموز مشيخة الطرق الصوفية ترحيبهم بمجرد تقديم علي جمعة أوراق طريقته الجديدة للاعتماد

لم ينتظر الشيخ القرار الرسمي بالقبول؛ بل ذهب لتجهيز مقر الطريقة وروضتها وزاويتها بالفعل؛ حيث اتخذ من مسجد "فاضل"، بمدينة السادس من أكتوبر، جنوب محافظة الجيزة المصرية، مقراً لها.

أُفسح المجال سريعاً للشيخ، فربما ساهم بالخطوة الجديدة في تقوية الحالة الصوفية، بما يمتلكه من خطاب يوصف بالاعتدال، وبالقرب من الدولة المصرية، مدفوعا بآمال من يرنو إلى تصوف ناعم يخفّف قليلاً من خطاب السلفية الموصوف بالخشونة.

وتتبنى "الشاذلية العلية" في منهجها الصوفي، إحياء الطريقة الشاذلية الأولى، من خلال 12 مبدأً، وهي التوبة، والإخلاص، والنية، والخلوة، والذكر، والزهد، وفراغ القلب مما سوى الله، وتزكية النفس، والورع، والتوكل، والرضا، والمحبة.

تموضع مغاير للصوفية السائدة

يقول الباحث في الحركات الإسلامية والطرق الصوفية مصطفى زهران، في حديثه لـ"حفريات"، إنّ الشيخ على جمعة من خلال تدشينه لطريقة صوفية جديدة في الداخل المصري يسعى إلى "تموضع جديد مغاير عن الطرق القائمة التي تراجع دورها المجتمعي وثقلها السياسي، وفقدت بريقها التأثيري الكبير الذي كانت عليه في عقود مضت، وفي فترات سابقة من تاريخ الطرقية الصوفية المصرية، وفي خضم المعركة القائمة بين التيارات والجماعات الإسلامية بتمظهراتها الأيدولوجية المختلفة السلفية منها والحركية وغيرها".

لم ينتظر الشيخ علي جمعة القرار الرسمي بالقبول بل ذهب لتجهيز مقر الطريقة وروضتها وزاويتها بالفعل

ويرى زهران أنّ جمعة ربما يسعى إلى "قولبة الطرقية المصرية في منهجية علمية يتيح لها انطلاقاً من مسار التصحيح الذي يسعى خوضه من خلالها إلى تقديم أنموذج طرقي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ومن شأنه أن يخوض معركة حقيقية أمام التيارات الإسلامية الحركية وملء الفراغ الدعوي من خلال نخب صوفية طرقية تستوعبها الطريقة الجديدة تشغل الفراغ الذي تركته التيارات الإسلامية الأخرى، فضلاً عن سحب البساط من تحت منا تبقّى منها".

يعتقد زهران أنّ ما في جعبة جمعة "أكثر بكثير مما ندركه؛ فهو "يسعى لإعداد طريقة ذات محددات ومنطلقات مغايرة لتقوم بدور وظيفي أكبر من التصورات القائمة، ويمكن أن تتعدى النطاق الجغرافي لها وتستوعب دولاً أخرى ومساحات من العالمين العربي والإسلامي".

اختارجمعة مسمى "العلية الشاذلية" نسبة إلى شخصه "علي" وطريقته "الشاذلية" لكن تم رفض الاسم وتغير إلى "الشاذلية العلية"

زيادة كبيرة في عدد المنتسبين

اختار الشيخ علي جمعة مسمى "العلية الشاذلية" اسماً لطريقته، نسبة إلى شخصه "علي"، وإلى طريقته الأم التي انتسب الشيخ إليها وهي الطريقة "الشاذلية"، التي أسسها قديماً "أبو الحسن الشاذلي".

لكن اللافت أنّ المجلس الأعلى للطرق الصوفية رفض الاسم، وتم تغييره ليكون "الشاذلية العلية" بدلا من "العلية الشاذلية"!

لم يبتعد الرجل عن أصوله، فهو تلميذ لرائد العشيرة المحمدية "الشاذلية"، الراحل الشيخ محمد زكي إبراهيم، وهي طريقة لها جذورها الممتدة وقوتها الضاربة في الوسط الصوفي.

تتبنى الشاذلية العلية في منهجها الصوفي إحياء الطريقة الشاذلية الأولى من خلال اثني عشر مبدأً

وتحدّثت مصادر داخل الطريقة الوليدة، عن أنّها تشهد زيادة كبيرة ولافتة في عدد المنتسبين إليها، ما جعلها تحتل منذ الإعلان عنها صدارة المشهد الصوفي، خاصة في صعيد مصر؛ حيث بلغ أتباع الطريقة الجديدة منذ الإعلان عنها، حتى الآن 300 ألف مريد داخل مصر، و100 ألف من الخارج  "وفق تقديرات المصادر".

كما كشفت تلك المصادر عن أن هناك عدداً من الشيوخ البارزين انضموا إليها من أبرزهم الدكتور أسامة الأزهري، والدكتور أحمد عمر هاشم، وعدد من أبناء الطرق الصوفية بالأزهر الشريف، وبحسب المصادر ذاتها، فإن الشيخ كان قد عكف للتحضير لإنشاء هذه الطريقة منذ ما يقرب من عامين.

وقد أيّد بالإجماع أعضاء المجلس الأعلى للطرق الصوفية، اعتماد الطريقة الجديدة، معتبرين أنّ وجود شخص الدكتور علي جمعة على رأس الطريقة، سوف يمنحها قوة أكبر، وسوف يعيد الطرق الصوفية إلى مكانتها بعد أن ظهر عدد من الطرق انحرفت عن مسارها واتّجهت نحو السياسة.

إصلاح منظومة التصوف

في هذا السياق يتحدث الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، والخبير في الشأن الصوفي أبو الفضل الإسناوي، لـ"حفريات" قائلاً: "يأتي إنشاء هذه الطريقة بهدف إصلاح منظومة التصوف والطرق الصوفية، التي تعرضت لانكسارات وانتكاسات خلال الفترة الأخيرة"، موضحاً أنها ستكون بمثابة "القوة الجديدة، والهادفة لمواجهة التيارات والجماعات السلفية والتكفيرية في مصر، خاصة أن مفتى الديار السابق، له العديد من المواقف، ضد جماعة الإخوان وضد التيار السلفي المتشدد على وجه التحديد، مما يعني أن الطريقة الجديدة ستقود الصوفية في مصر، لمرحلة مختلفة تماماً، عما كانت عليه"، على حد قوله.

شهد البيت الصوفي المصري الأيام الماضية حرباً حامية الوطيس بين مشايخ الطرق وعلماء التصوف غير التابعين لها

ويرى الإسناوي أن جمعة لديه القدرة والتمرس لفعل لذلك، "وطريقته ستحمل راية التجديد والإصلاح، ومواجهة أفكار الجماعات المتشدّدة، وربما خطط الشيخ إلى الدخول في معركة إصلاح البيت الصوفي من الداخل، لكن علينا الانتظار حتى نرى ما ستسفر عنه الأيام المقبلة".

وكان البيت الصوفي المصري قد شهد الأيام الماضية حرباً حامية الوطيس بين مشايخ الطرق الصوفية، وعلماء التصوف غير التابعين للطرق، وذلك بعد هروب العديد من المريدين، من ساحات وخلوات مشايخ الطرق إلى ساحات علماء الصوفية، أمثال أسامة الأزهري، واليمنيين علي الجفري والحبيب عمر بن حفيظ.

ودفع هروب المريدين، مشايخ الطرق، إلى إطلاق تحذيرات لأتباعهم من حضور مجالس هؤلاء العلماء.

الصفحة الرئيسية