
بشكل مباغت اخترقت إسرائيل وقف إطلاق النار في غزة، وارتكبت في ساعة متأخرة من مساء الإثنين الماضي مجزرة دامية ومروعة بحق منازل مدنيين ومقرات حكومية تابعة لحماس، أوقعت الضربة المفاجئة (357) شهيدًا وعددًا كبيرًا من الإصابات، وأعلنت إسرائيل في صبيحة اليوم التالي أنّها استهدفت عناصر وقادة بارزين خلال الضربة، بعد أن استأنف الجيش الحرب ردًا على رفض حماس استمرار الإفراج عن الأسرى.
الادعاء الإسرائيلي بأنّ حركة حماس هي من اخترقت الاتفاق فندته الحركة، وأكدت في بيان لها أنّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تنصل من الاتفاق الموقع برعاية الوسطاء مصر وقطر وانقلب عليه، بعد رفضه الانتقال إلى المرحلة الثانية التي تقضي بإطلاق سراح جميع الرهائن وإنهاء الحرب وإعادة الإعمار، خوفًا من انهيار حكومته في ظل تهديدات شركائه في الائتلاف بالانسحاب وحلّ الحكومة في حال توقف الحرب على غزة.
مصادر إسرائيلية مطلعة أكدت أنّ خوف نتنياهو من انهيار الحكومة على إثر تأخر إقرار الموازنة للعام الحالي، بعد خروج وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير من الحكومة في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار، دفع نتنياهو إلى قبول طلب بن غفير العودة إلى الحرب مقابل العودة إلى الحكومة والتصويت على الموازنة السنوية على حساب دماء الغزيين، وهو ما يحصل حاليًا من استمرار للقتل لإرضاء بن غفير، الذي أبدى سعادته باستئناف الحرب، في مقابل ذلك تواصل عائلات الأسرى الإسرائيليين التظاهر، وذلك لإجبار الحكومة على العودة إلى الاتفاق وإطلاق سراح الرهائن من غزة، بدلًا من المماطلة وتعرّض الرهائن للموت نتيجة القصف الذي تتعرّض له غزة.
إسرائيل لم تكتفِ بالضربة الموجعة، بل تواصل ارتكاب المجازر بحق المدنيين العزّل، فقد بدأ الجيش بعمليات توغل في بعض المناطق من القطاع، إلى جانب قصف المنازل المأهولة بالسكان، وإغلاق المعابر واستخدام القتل والتجويع والتعطيش سلاحًا للضغط على حماس للتنازل عن مطالبها من الصفقة، لكنّ حماس تصر على إتمام الصفقة بكامل مراحلها وعدم الانقلاب على الاتفاق.
مؤسسات حقوقية دولية اعتبرت أنّ ما يجري في غزة كارثة عظمى، تستوجب التدخل الدولي والعربي العاجل لمنع انزلاق الأوضاع إلى حرب واسعة، في ظل المعاناة القاسية التي يواجهها السكان تزامنًا مع المجاعة التي تحدق بهم منذ ما يزيد عن (3) أسابيع، في أعقاب إغلاق إسرائيل المعابر مع غزة، ومنع إدخال المساعدات والسلع الغذائية وحرمان المرضى من الخروج لتلقي العلاج، وقد أدانت الهيئة الوطنية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني استئناف إسرائيل عمليات القتل بحق الغزيين والتنصل من اتفاق وقف إطلاق النار، مشيرة إلى أنّ سكان غزة لم يتعافوا من تبعات النزوح والجوع الذي تعرضوا له منذ بدء حرب الإبادة مطلع تشرين الأول (أكتوبر) 2023 ، بعدما تعمد الاحتلال تهجير السكان قسرًا وتجويعهم كسلاح للضغط عليهم ، مطالبة المجتمع الدولي بضرورة اتخاذ قرارات سريعة لمنع انزلاق الأوضاع إلى حرب واسعة ومحاولة إنقاذ أرواح المدنيين، لا سيّما الأطفال والنساء.
أحوال المواطنين تزداد سوءًا مع بدء جولة التصعيد، خاصة من هم في مخيمات النزوح القريبة من الحدود مع إسرائيل، حيث أجبر الآلاف من النازحين على فك خيامهم والنزوح إلى مناطق وسط مدينة غزة، بعدما تقدمت الآليات الإسرائيلية تجاه المناطق الحدودية وأطلقت النيران والقذائف تجاه خيام النازحين، وزاد هذا النزوح من معاناة المواطنين أكثر، في ظل عدم توفر مساحات لنصب خيامهم فيها، إلى جانب انخفاض درجات الحرارة وهطول الأمطار بين حين وآخر، وهو ما يهدد حياة المواطنين النازحين الذين تتعرض خيامهم للغرق والجرف نتيجة السيول وانهيار البنية التحتية.
يقول النازح مصطفى خليل: "رغم الجوع والعطش والمعاناة التي عشناها خلال الحرب، وما زلنا نعيشها داخل مخيمات النزوح، إلا أنّ الاحتلال لم يكتفِ بذلك بل عاد إلى الحرب، وقام بتشريدنا من خيامنا نتيجة القصف العشوائي وإطلاق النار، وممارسة ضغوط كبيرة تحت مسمّى الضغط العسكري على حماس".
وأضاف في حديثه لـ (حفريات): "الوضع يزداد في غزة سوءًا، والجوع يهدد بقتل الأطفال وكبار السن والمرضى، ولا أحد يحرك ساكناً، حتى حماس لم تسعَ إلى تخفيف معاناة السكان، وتمسكت بشروطها التي تؤمن لها البقاء في الحكم، فهي جزء من المعاناة لرفضها المقترحات التي طرحها الوسطاء لتخفيف المعاناة عن غزة".
ولفت إلى أنّ "سكان غزة أصبحوا ضحية لحالة النزاع، وهم ورقة المساومة التي تقوم بها إسرائيل وحماس خلال هذه الحرب، إسرائيل تضغط على الغزيين لإجبار حماس على التنازل، في المقابل حماس تعوّل على صمود الغزيين لتحقيق مصالحها دون الاكتراث لمعاناة المواطنين الذين يتعرضون للإبادة على مدار أكثر من عام ونصف عام".
حال السيدة أم وسيم لا يختلف كثيرًا عن حال النازحين الذين يواجهون الموت، فهي نزحت من منطقة بيت حانون بعد القصف العشوائي الذي طال المنطقة وأجبر آلاف النازحين من المنطقة نفسها على النزوح إلى مراكز الإيواء غرب غزة".
تقول في حديثها لـ (حفريات): "لا أعرف إلى أين تأخذنا الأيام المقبلة في ظل تهديدات الاحتلال بقتل الغزيين وتهجيرهم واستمرار إغلاق المعابر وشح الطعام والمياه في غزة، هذا كله يحدث والعالم في حالة من السبات والصمت، رغم مناشدات الغزيين بضرورة الوقوف الجاد إلى جانب المحاصرين في غزة الذين يتعرضون للقتل والتجويع منذ أشهر".
في سياق ذلك يقول الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور: "نتنياهو تعمد إفشال جهود التوصل إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بعد تهديدات شركائه، وبالتحديد بتسلئيل سموتريتش، بإسقاط الحكومة في حال الانتقال إلى المرحلة الثانية، وهذا ما دفع نتنياهو إلى المراوغة ومطالبة حماس بتمديد المرحلة الأولى، لكنّ حماس رفضت، وعاد نتنياهو إلى التصعيد خشية من انهيار الائتلاف".
وبيّن منصور في حديثه لـ (حفريات) أنّ "الإدارة الأمريكية، بعد رفض مصر تهجير الغزيين، تعمدت إعطاء إسرائيل الضوء الأخضر لقتلهم، وهذا ما وجد فيه نتنياهو طوق النجاة للحفاظ على حكومته، خاصة بعد أن مارست إدارة ترامب ضغوطًا على نتنياهو للقبول بالهدنة والمضي في المرحلة الأولى من الاتفاق."
ويرى أنّ المطلوب حاليًا من حماس والفصائل وضع نتنياهو في الزاوية، ومنعه من استثمار الضوء الأخضر لقتل المزيد من الغزيين وتهجيرهم، من خلال البحث عن حلول وسط تقبل بها أمريكا وتجبر نتنياهو على القبول بها، لحفظ أرواح المواطنين المنهكين من تبعات الحرب وسياسة التجويع التي يمارسها الاحتلال منذ اليوم الأول من شهر رمضان".