
على مدى العقد الأخير شهدت أوروبا تصاعدًا ملحوظًا في نشاطات جماعات الإسلام السياسي، ولا سيّما جماعة الإخوان المسلمين، التي سعت عبر شبكة واسعة من المؤسسات الدينية والاجتماعية والاقتصادية إلى توسيع نفوذها داخل المجتمعات الأوروبية.
ومع مطلع العام 2025 أصبحت الجماعة أشبه بشبكة عنكبوتية، وقد وطدت مواقعها في (4) دول رئيسية؛ هي: فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، والنمسا، وهو ما دفع حكومات تلك الدول إلى اتخاذ خطوات تصحيحية وقانونية لمواجهة هذا التمدد عبر قطع أوصال التمويل والتأثير الإيديولوجي للإخوان.
تحركات الإخوان المسلمين في الدول الأربع
فرنسا
أصبحت فرنسا في الأعوام الأخيرة مسرحًا لنشاطات الإخوان المسلمين، فقد سعت الجماعة لاستغلال المؤسسات الدينية والاجتماعية لبناء قاعدة جماهيرية واسعة بين المسلمين الفرنسيين. وشهدت المدن الكبرى والضواحي تحوّلًا ثقافيًا مع زيادة ظهور الرموز الدينية والإسلامية التي تُستخدم كأدوات دعاية لتأييد أفكار الجماعة.
من جهة أخرى، واستجابةً للمخاوف الأمنية والاجتماعية، بدأت الحكومة الفرنسية في تنفيذ سلسلة من الإجراءات؛ منها:
• تشديد الرقابة على التمويل: تم الكشف عن تدفقات مالية مشبوهة تُوجّه إلى جمعيات وإدارات يُعتقد أنّها مرتبطة بالإخوان.
• حظر الرموز والشعارات: فرضت السلطات قيودًا صارمة على استخدام رموز الجماعة في الأماكن العامة كجزء من جهود مكافحة التطرف.
• إجراءات تأهيل للمؤسسات التعليمية: تم إطلاق برامج تدريبية وتوعوية لمدرّسي المدارس لضمان عدم تسليط الخطاب المتطرف داخل الصفوف الدراسية.
هذه الخطوات تأتي ضمن استراتيجية فرنسية شاملة؛ تهدف إلى الحد من النفوذ المتنامي للجماعة على صعيد الحياة الاجتماعية والسياسية في فرنسا، وتسعى فرنسا لخلق بيئة غير مواتية للجماعات المتطرفة عبر فرض رقابة مشددة على مؤسسات التمويل والتعبير، وتعكس تحركات الحكومة الفرنسية تصميمها على مواجهة التمدد السياسي والاقتصادي للجماعات الإرهابية.
بريطانيا
تحتفظ بريطانيا بتاريخ طويل من التفاعل مع الجماعات الإسلامية، ويُعدّ الإخوان المسلمون أحد اللاعبين الرئيسيين في المملكة المتحدة، من خلال شبكة معقدة من الجمعيات الخيرية والمؤسسات الدينية. وعلى الرغم من التحديات الأمنية تمكنت الجماعة من الحفاظ على قاعدة تأثيرها عبر:
• العمل الخيري والدعوي: تستغل الجماعة هياكلها الخيرية لتعزيز صورتها كمؤسسة تقدم خدمات اجتماعية ودينية، ممّا يمنحها قبولاً بين بعض الفئات.
• العلاقات السياسية: في بعض الأحيان تُستخدم هذه الشبكة وسيلة ضغط سياسي من خلال التواصل مع الجهات المعنية في البرلمان البريطاني.
ومع ذلك، أدت تقارير واستفسارات برلمانية حديثة إلى دعوات لتشديد الرقابة على هذه المؤسسات، حيث يُطالب المسؤولون بإجراء تحقيقات معمقة حول مصادر تمويلها، والأنشطة الدعوية التي تُروج لها.
من جهتها، تواصل السلطات البريطانية مراجعة الأنشطة الخيرية المرتبطة بالجماعات المتطرفة لضمان الشفافية، وتشير التقارير إلى أنّ مراجعة المؤسسات الدينية قد تكشف عن روابط محتملة مع جماعة الإخوان.
ألمانيا
تُعتبر ألمانيا من أبرز البلدان التي سعت فيها جماعة الإخوان المسلمين إلى توسيع نفوذها عبر عدة تحركات ارتكزت على:
• المراكز الإسلامية والجمعيات: تعمل الجماعة على إنشاء وصيانة عدد كبير من المراكز الإسلامية التي تُستخدم منابر للدعاية والتجنيد.
• الشبكات المالية: يتم توظيف آليات معقدة لجمع التبرعات والتمويل عبر شركات "الأوف شور" والبنوك الإسلامية، ممّا يُسهم في دعم الأنشطة الدعوية والسياسية.
ردًا على هذه التحركات، تبنت السلطات الألمانية إجراءات أكثر حزمًا؛ منها:
• تطبيق تشريعات مكافحة التطرف: قامت الحكومة الألمانية بسنّ قوانين تتيح للسلطات تجميد الأموال وإغلاق المراكز التي يشتبه في تورطها في أنشطة تمويل الإرهاب.
• توسيع التعاون الاستخباراتي: تعزيز تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية ومراكز المراقبة للحدّ من تجنيد الشباب وتعزيز السلامة العامة.
وحالياً، تتخذ ألمانيا خطوات قانونية صارمة لتجفيف منابع تمويل الجماعات المتطرفة، عبر تعاون السلطات الألمانية مع شركائها الأوروبيين، ممّا يشكل ركيزة أساسية في مكافحة النفوذ الإخواني.
النمسا
تُعدّ النمسا من الدول الأوروبية التي اتخذت إجراءات تشريعية صارمة ضد جماعة الإخوان المسلمين؛ ومنها:
• حظر الرموز والشعارات: أول دولة أوروبية تحظر استخدام رموز الإخوان في الأماكن العامة، وهو ما يُعدّ خطوة جريئة للحدّ من تأثير الجماعة.
• مراقبة الأصول المالية: تضافرت جهود السلطات النمساوية مع الشركاء الأوروبيين لتجميد أصول الجماعة وتفكيك الشبكات المالية التي تدعم أنشطتها.
• تقييد الأنشطة السياسية: فرضت النمسا قيودًا على الأنشطة السياسية للجماعة لمنع استخدامها وسيلة للتأثير على السياسات الداخلية.
هذه الإجراءات أسهمت في تقليص النفوذ المباشر للجماعة على صعيد الحياة العامة، ممّا جعل النمسا نموذجًا يُحتذى به في مواجهة التطرف.
وحاليًا تقود النمسا الجهود الأوروبية من أجل ملاحقة وحظر مسارات الأوعية المالية المرتبطة بالجماعات المتطرفة. وتُعدّ الخطوات التشريعية النمساوية حاسمة في الحدّ من النفوذ الإخواني داخل الدولة.
التحركات الأوروبية لمواجهة تمدد ونفوذ الإخوان
على الصعيد الأوروبي، تتجلى التحركات التنسيقية لمواجهة تمدد الجماعة في عدة محاور رئيسية:
ـ تنسيق السياسات والتشريعات:
تعمل الدول الأوروبية من خلال مؤسسات الاتحاد الأوروبي على إعداد تشريعات مشتركة لمكافحة التطرف، بما في ذلك حظر رموز الجماعات الإرهابية وتعزيز آليات تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية الوطنية.
ـ تعزيز الرقابة على التمويل:
أصبحت مراقبة تدفقات الأموال من خلال الأنظمة المصرفية والشركات الخارجية أولوية، مع تطبيق عقوبات مالية على الكيانات التي تدعم الجماعات المتطرفة.
ـ التعاون الاستخباراتي:
توسيع التعاون بين الدول الأوروبية في مجال تبادل المعلومات والتحقيقات المشتركة في القضايا الأمنية المتعلقة بالتطرف السياسي.
ـ إطلاق حملات توعوية:
تعمل دول عديدة على برامج تثقيفية تهدف إلى التوعية بمخاطر التطرف، وتعزيز قيم الديمقراطية والتعايش السلمي داخل المجتمعات.
ويمكن القول إنّ التنسيق الأوروبي في مجال مكافحة التطرف يهدف إلى تفكيك الشبكات المالية والإعلامية التي تدعم الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها جماعة الإخوان، من خلال الحملات التوعوية وتبادل المعلومات بين الدول، وهي من الركائز الأساسية في استراتيجيات الاتحاد الأوروبي لمواجهة التطرف.
وبشكل عام، تظهر التقارير الأمنية الأوروبية في العام 2025 أنّ جماعة الإخوان المسلمين استمرت في توسيع نفوذها داخل أوروبا عبر مجموعة من الأساليب المتطورة، من العمل الخيري والدعوي إلى استغلال الهياكل المالية والسياسية. وفي المقابل، تبنت الحكومات الأوروبية ـ وبشكل خاص في فرنسا وألمانيا والنمسا ـ سياسات صارمة ترمي إلى تقليص هذا النفوذ، عبر سنّ تشريعات جديدة، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، ومراقبة التمويل بصرامة. ومع استمرار هذه المعركة على الجبهتين يبقى مستقبل التأثير الإخواني في أوروبا موضوعًا حيويًا يستدعي يقظة مستمرة وتنسيقًا دوليًا متينًا.