5 نماذج من القراءة الإسلامية للتاريخ .. أيّ تاريخ قدمّت لنا؟

5 نماذج من القراءة الإسلامية للتاريخ .. أيّ تاريخ قدمّت لنا؟

مشاهدة

14/12/2020

غالباً ما تكون مادة التاريخ وكيفية القراءة والتأويل لها مثاراً للخلاف والتباين بين أصحاب الاتجاهات الفكرية المختلفة؛ فكلٌّ يقدم التاريخ في رواية موافقة لمعتقده ومذهبه. وتكون محصّلة هذا الخلاف هو عدم تمكننا من معرفة "التاريخ" كما كان، وإنما ما نعرفه هي نُسخ محرّفة عنه، نرسمها وفقاً لما تقتضيه ظروف ومعطيات واقعنا المعيش. في هذا التقرير نقف مع نماذج من القراءات الإسلامية للمادة التاريخية لنحاول تلمّس معالم النسخة التي تقدمها لنا.
السرجاني: إلى ماذا انتهت محاولته لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي؟
نبدأ مع الداعية الإسلامي المصري، راغب السرجاني، والذي كتب عشرات المؤلفات في "التاريخ الإسلامي"، بما فيها موسوعة شاملة من جزءين، بالإضافة إلى مئات المحاضرات والمقاطع المرئية المنشورة عبر موقع "اليوتيوب". ونجد من بين هذه المقاطع برنامجاً باسم "خط الزمن"، يحاول فيه تقديم رواية وتأويل شاملين لكامل التاريخ البشري لا الإسلامي فقط، ويعرض في جانب مهم منها لسير الأنبياء، وبالتالي فهو يقدم رواية يمكن اعتبارها "رواية دينية" للتاريخ، يختلط فيها التاريخ الديني بالدنيوي.

تماشياً مع تيار العثمنة الجديدة يولي الصلابي اهتماماً كبيراً بتاريخ الدولة العثمانية وسلاطينها

يحاول السرجاني في كتاباته ومحاضراته تقديم رواية كاملة للتاريخ الإسلامي، وهو ينطلق من اعتبار أنّ المستشرقين زوّروا التاريخ الإسلامي، ومن ثم تابعهم في ذلك العلمانيون والمتغرّبون من العرب، وهنا يأتي دوره هو للرد عليهم.
وهكذا يطغى منطق "رد الشبهات"، على جانب كبير مما يقدمه؛ فهو يرد مثلاً على شبهة تحويل محمد الفاتح كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد، وفي موضع آخر يردّ على شبهة انتشار الإسلام  بالسيف، وهكذا.
والسرجاني هو المشرف العام على موقع "قصة الإسلام"، والذي يكرّس جانباً كبيراً للحديث عن منجزات الحضارة الإسلامية، في تجلٍّ لطغيان هاجس إثبات التفوّق في الزمن الماضي، وهو الهاجس الذي لا تنفكّ عنه القراءة الإسلامية المعاصرة للتاريخ.

غلاف إحدى مقالات السرجاني في موقع "قصة الإسلام" الذي يشرف عليه

يُكثر السرجاني في كتاباته ومحاضرات من التركيز على الـ "فتوحات الإسلامية"، مثل فتح الأندلس أو فتح القسطنطينية، مع تركيز كبير على إعادة استحضار تواريخ معينة كتاريخ الأندلس أو تاريخ الدولة العثمانية.

ينطلق الكيلاني من رؤية يمكن اعتبارها مثالية للتاريخ تقوم على إعطاء الدور الأكبر للأفكار

وهنا يَظهر السرجاني كأحد الأسماء المتصدرة فيما يسمى بمشروع "إعادة كتابة التاريخ الإسلامي"، والذي يقوم على محاولات "تنقية" التاريخ الإسلامي بهدف إعادة الثقة للأمة للانطلاق في نهضة جديدة. وهو ما ينتهي غالباً إلى الخروج بصورة مثالية عن التاريخ، يجد الناس فيها تعويضاً عن صعوبات واقعهم.

وكسائر الأسماء البارزة ضمن تيار "المؤرخين الإسلاميين"، يركّز السرجاني كثيراً على التاريخ العثماني والتركي. ففي عام 2013 نشر كتاباً بعنوان "قصة أردوغان" خصصه للحديث عن "سيرة" الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو من اسمه، يظهر عدم تجاوزه نمط "السير" و"القصص".

اقرأ أيضاً: "تاريخ التكفير في تونس" إذ تكتبه السلطتان الدينية والسياسية
وعند إلقاء نظرة على الكتاب يجده القارئ كتاب مديح وتغنٍّ بالرئيس التركي، ويعتبر السرجاني حزب "العدالة والتنمية" حركة إسلامية، ويرى أنّ مسيرة الحزب هي مسيرة انتصار للإسلام. ويضع أردوغان في صورة وقالب الزعيم الإسلامي المتخيّلة، إلى جانب صلاح الدين، ونور الدين زنكي، وسائر الأبطال. وهكذا، يظهر إلى أيّ مدى تطغى القراءة العاطفية للتاريخ على مثل هذه القراءات، فالتاريخ فيها أقرب إلى معركة حق وباطل.

صورة أردوغان كما تظهر على غلاف كتاب السرجاني.. محاولة للإيحاء بصورة البطولة

الصلّابي: التركيز على الحروب الصليبية والدولة العثمانية.. لماذا؟
بالإضافة إلى انخراط علي الصلابي في الشأن السياسي الليبي، فقد قام بكتابة عدد كبير من المؤلفات شملت جميع مراحل التاريخ الإسلامي، من عهد الخلافة الراشدة حتى الدولة العثمانية.

تبدو حالة الاسترجاع والتأكيد المستمر على البطولات والأمجاد التاريخية كسلوك ذي غرض نفسي

وينصبّ تركيز الصلابي بشكل كبير على التأريخ للقادة ودورهم، كصلاح الدين الأيوبي، ونور الدين زنكي، في تأكيدٍ على نموذج البطل ودوره في تغيير مجرى التاريخ، النموذج الذي ترسخ في الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة. بالإضافة إلى تركيزه على موضوعات تجلب اهتمامات القراء كالحروب الصليبية أو تاريخ الصراع بين السنة والشيعة، لما تثيره لدى القارئ المعاصر من استدعاء ومحاكاة وإسقاط على صراعات معاصرة، كالصراع العربي مع الصهيونية أو مع إيران.
ويقدم الصلابي، في مؤلفاته، خطاباً طائفياً صريحاً، فهو يعادي الشيعة والطوائف غير السنّية من منطلقات دينية تصور وجود عقيدة واحدة صحيحة، ولا يتردد في إطلاق تسميات مثل "الرافضة"، كما يسمي مثلاً الدولة الفاطمية بـ "العبيدية" نفياً عنها الانتساب إلى آل البيت. ويحرص على تمجيد الدول "السُّنيّة" كدولة السلاجقة، في المقابل يشنّ حملة هجوم على الدول الشيعية، كالدولة البويهية أو دولة القرامطة.

اقرأ أيضاً: نحو لحظة تاريخية جديدة للنهضة والإصلاح الديني
وتماشياً مع تيار العثمنة الجديدة، يولي الصلابي اهتماماً كبيراً بتاريخ الدولة العثمانية وسلاطينها وتحديداً محمد الفاتح، وسليمان القانوني، وعبدالحميد الثاني. ولا يخفى ما في ذلك من ارتباطات وأسباب تتعلق بمشاريع سياسية راهنة.

علي الصّلابي.. جمع العمل السياسي من المؤلفات التاريخية الغزيرة

ماجد عرسان الكيلاني: وصفة من التاريخ تداوي علل واقع اليوم.. ما هي؟

أما ماجد عرسان الكيلاني فهو تربوي من الأردن، واشتهر بكتابه "هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس"، الصادر عام 1993، والذي حاول فيه إسقاط رؤيته التربوية على التاريخ الإسلامي، والانتهاء إلى إصدار حكم  تاريخي ينطبق على واقع المسلمين اليوم.

ينطلق الكيلاني من رؤية يمكن اعتبارها مثالية للتاريخ تقوم على إعطاء الدور الأكبر للأفكار في حركة التاريخ

والفكرة الأساسية من الكتاب هي تقديم قراءة اعتبرها المؤلف جديدة لتجربة القائد صلاح الدين، اعتبر فيها بأنّ المسألة ليست مسألة قائد وبطل، وإنما هناك مشروع عمره لا يقل عن مئة عام، بدأ بالتحضير للنصر وأدى بالنهاية إلى ظهوره، وهذا المشروع هو مشروع علمي ذو طابع تربوي تثقيفي، اضطلع به علماء دين قاموا بنشر العلم والمدارس، وهو هنا يشير بشكل أساسي إلى تجربة "المدارس النظامية" في الدولة السلجوقية، ودور علماء مثل الإمام أبو حامد الغزالي فيها.
يقول الكيلاني في مقدمة الكتاب: "إن هذا الكتاب دعوة إلى إعادة قراءة تاريخنا واستلهام نماذجه الناجحة، ودعوة إلى فقه سنن التغيير وكيف أنّ ظاهرة صلاح الدين ليست ظاهرة بطولة فرديّة خارقة، ولكنها خاتمة ونهاية ونتيجة مقدّرة لعوامل التجديد ولجهود الأمة المجتهدة، وهي ثمرة مئة عام من محاولات التجديد والإصلاح، وبذلك فهي نموذج قابل للتكرار في كل العصور".

اقرأ أيضاً: كيف يتحرر التاريخ من الشرّ؟
وهكذا، فإن الكيلاني ينطلق من رؤية يمكن اعتبارها مثالية للتاريخ، تقوم على إعطاء الدور الأكبر للأفكار في حركة التاريخ؛ فما هو مطلوب من الأمة حتى يتغير حالها هو تحقيق "نهضة فكرية" وبعد ذلك تتبدل الأحوال تباعاً.
وهو ما يتفق مع منطق "أصلحوا أنفسكم وسوف ينصلح الحال"، أيّ إنّ هناك أفكاراً ستحلّ في التاريخ وتؤدي إلى انقلاب في حركته ومساره ومصيره، هكذا، دون أيّ حديث عن دور لعوامل وبُنى السياسة والاقتصاد والاجتماع، بكل ما فيها من تعقيدات وشروط.

من غلاف كتاب الكيلاني

جهاد الترباني.. كيف وصل كتابه إلى قائمة "الأكثر مبيعاً"؟

أما النموذج الرابع فهو "جهاد الترباني"، الشاب الفلسطيني، الذي ظهر اسمه بعد إصداره كتابه الأشهر "مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ" عام 2010، واشتهر بعد تداوله على نطاق واسع خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، حتى بات يصنف ضمن الكتب "الأكثر مبيعاً" في متاجر بيع الكتب العربية.

وقد قام الترباني بتحويل محتوى كتابه إلى سلسلة من الحلقات على اليوتيوب، وصلت أعداد مشاهداتها إلى الملايين، وتبدأ أغنية الشارة فيه بكلمات توحي بالمضمون، فتقول: "يا أيها التاريخ قد رجعنا من جديد.. بالدماء قد كتبنا صفحة المجد التليد".

اقرأ أيضاً: خاتمية الرسالة والتاريخ المفتوح عند محمد إقبال

قدم الشيخ السلفي عبدالملك الزغبي، لكتاب الترباني، والذي يتمحور حول نموذج وصورة البطل التاريخي، ففي تاريخ الأبطال لا مكان للمهمشين ولا دور للأحداث والعوامل المتراكمة، وإنما هي لحظات يظهر فيها أبطال، تبدو أقرب للحظات حلول للمقدّس في التاريخ.

وتبدو هذه الحالة من الاسترجاع والتأكيد المستمر على البطولات والأمجاد التاريخية كسلوك ذي غرض نفسي، يتثمل بالرغبة في التعويض عن حالة العجز والواقع المتراجع الذي يعيشه عموم المقبلين عليها.

كما أصدر الترباني عام 2018 كتاباً بعنوان "لغز بربروسا"، يتناول جانباً من تاريخ البحرية العثمانية، وهو ما يمكن اعتباره أيضاً تماشياً مع تيار "العثمنة الجديدة".

جهاد التُرباني.. كرر كتابه حالة الاستدعاء لصورة البطل والتغني بها

عماد الدين خليل.. لماذا رفض المنهج المادي الغربي في تفسير التاريخ؟

ونختم مع المؤرخ العراقي، عماد الدين خليل، وله قرابة الثمانين مؤلفاً في الفكر والأدب والتاريخ. منها مؤلفات خصصها لإرساء منهجية جديدة في قراءة التاريخ من منظور إسلامي، وإعادة قراءة وكتابة التاريخ الإسلامي، ككتاب "التفسير الإسلامي للتاريخ" (1975)، و"مدخل إلى التاريخ والحضارة الإسلامية" (2001)، و"حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي" (2005).

حاول خليل تقديم نظرية إسلامية في فلسفة التاريخ، وهو ينطلق في هذه النظرية من الفرضية والمشروع المعروف بـ "أسلمة المعرفة"، والذي يعرفه خليل في كتابه "حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي" بأنه: "ممارسة النشاط المعرفي كشفاً وتجميعاً وتوصيلاً ونشراً من زاوية التصوّر الإسلامي للكون والحياة والإنسان".

اقرأ أيضاً: ثقافة الهروب إلى الماضي.. كيف رسّخ الفخر الكاذب تاريخاً مزيفاً؟

ينطلق خليل من هذا الأساس لمحاولة تأسيس فلسفة تاريخ إسلاميّة. وهذه الفلسفة عنده  مستمدة من "رؤية الله التي تعلو على المكان والزمان". ولكن خليل لا يكاد يتجاوز ما تدور حوله الرؤى الإسلامية المعهودة بهذا الخصوص، من التأكيد على أنّ حركة التاريخ تحكمها سنن ونواميس وقوانين، وهي ذاتها السنن التي أشار لها القرآن الكريم، والتي تطوّرت في الفكر التاريخي الإسلامي إلى ما عرف بـ "سنن قيام وسقوط الأمم". وهي أقرب إلى أن تكون مجموعة من الحتميات التي تتجاوز عن الكثير من ظروف الشعوب والمجتمعات.
ويؤكد خليل على رفضه للمنهج التي يسميه "المادي الغربي" في تفسير التاريخ، وذلك باعتباره "منهجاً وضعياً يقوم على أسس علمانية تقصي العناصر الغيبية والروحية".

وعن رؤيته لقراءة وإعادة كتابة التاريخ الإسلامي، يؤكد خليل بأنه ليس الهدف من دراسة التاريخ هو الغرض العلمي الجاف، وإنما ما يريده هو دفع الناس إلى الحركة والعطاء بالاعتماد على الماضي والاستفادة منه للحاضر والمستقبل، وبالتالي فهو لا يتعامل مع المادة التاريخية كموضوع علمي، وإنما  كمادة حيّة لها هدف حركي ذو طابع سياسي بالأغلب.

يرفض خليل المناهج الغربية في تفسير التاريخ باعتبارها تقصي البعد الروحاني

وهكذا، تبدو مثل هذه القراءات أبعد عن محاولة تقديم تصوّر وفهم موضوعي للتاريخ، وأقرب إلى اجتراح لروايات تداعب مخيلة وواقع القُرّاء وآمالهم اليوم، وبذلك يغدو الواقع هو الحاكم لهذه القراءات. فعذراً يا كاتب التاريخ، لن نقرأ سوى ما يعنينا، وما يرضي حاجاتنا، ولا يقلق راحتنا.

الصفحة الرئيسية