الجمهورية المنسية... ما الذي يحدث في جنوب السودان؟

الجمهورية المنسية... ما الذي يحدث في جنوب السودان؟

الجمهورية المنسية... ما الذي يحدث في جنوب السودان؟


02/04/2025

تشهد جمهورية جنوب السودان حالة من عدم الاستقرار السياسي والعسكري بشكل مستمر، حيث تتداخل الصراعات الداخلية مع تأثيرات خارجية عدة؛ الأمر الذي خلق حالة من التفكك السياسي، والانهيار الاقتصادي. 

وخلال الأسبوع الأخير من شهر آذار (مارس) الفائت تصاعدت وتيرة التوترات في المناطق الحدودية، وأصبحت المواجهات العسكرية أكثر حدة، خاصةً في المناطق التي تشهد وجود فصائل مسلحة تتلقى دعماً من جهات خارجية.

تردي الأوضاع داخل الجيش النظامي

تعاني جمهورية جنوب السودان من تحديات أمنية وسياسية داخلية عميقة، أبرزها الانقسامات الحادة داخل الجهاز الأمني، والنزاعات المتكررة بين الفصائل السياسية والعسكرية. 

بدوره، اتخذ رئيس جنوب السودان سلفا كير خطوات انفرادية داخل الجهاز الأمني، تهدف إلى تكريس هيمنته، بداعي القضاء على الفساد وإعادة تنظيم صفوف الأمن؛ وهو ما تضمن اتخاذ إجراءات حاسمة ضد المسؤولين السابقين الذين يُعتقد أنّهم يخططون لتمرد عسكري.

وكان اعتقال أكول كور كوك، رئيس جهاز الأمن السابق، خطوة ضمن حملة أوسع لإعادة ضبط الأمور داخل المؤسسة الأمنية، وتأكيد الولاء للرئيس. وتمّ تبرير هذا القرار بأنّه يأتي ضمن إطار تحسين كفاءة الجهاز الأمني في مواجهة التحديات المتزايدة في البلاد.

وزعم سلفا كير أنّ أكول كور كوك كان له دور في حدوث بعض الانقسامات داخل الجهاز الأمني، وأنّه تورط في ممارسات اعتُبرت غير شفافة، ممّا أدى إلى ضعف التنسيق في العمليات الأمنية، وتفاقم الانقسامات بين القيادات.

ويأتي اعتقال كور كوك ضمن محاولات سلفا كير لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وتنصيب قيادات جديدة أكثر انسجاماً وكفاءة، تسعى إلى دمج كل العناصر تحت سلطة مركزية لتأمين استقرار الدولة في ظل النزاعات الداخلية المتواصلة.

تعاني جمهورية جنوب السودان من تحديات أمنية وسياسية داخلية عميقة، أبرزها الانقسامات الحادة داخل الجهاز الأمني، والنزاعات المتكررة بين الفصائل السياسية والعسكرية. 

أدت هذه الخطوة إلى تأزم الموقف داخل الجهاز الأمني، إذ قوضت الثقة بين الفصائل المتنافسة في الجهاز، ممّا أثر سلبًا على آليات التنسيق العسكري، وتذبذب أداء بعض الوحدات المقاتلة. كما أحدث هذا الإجراء اضطرابات داخل بنية الأجهزة، بالتزامن مع إعادة توزيع المناصب، ومحاولات توحيد الرؤى بين العناصر المختلفة داخل الجهاز الأمني.

حالة الفوضى تسببت في تعطيل بعض الأنشطة العسكرية، خاصّة في المناطق التي يعتمد فيها الجيش على دعم الجهاز الأمني لتأمين خطوط الإمداد وتنفيذ العمليات الاستراتيجية.

وحتى اللحظة لم تنجح القيادة الجديدة في إعادة تنظيم الجهاز الأمني، أو فرض هيكل قيادي موحد، حيث يشهد الجهاز الأمني موجات متقطعة من الانقسام والاضطراب.

وفي هذا السياق، أفادت تقارير Defense News أنّ بعض الميليشيات الموالية لأوغندا زادت من تحركاتها على الحدود الشمالية والشرقية لجمهورية جنوب السودان. وتستخدم هذه الوحدات أساليب حرب العصابات والتكتيكات الهجومية السريعة لاستهداف مواقع القوات الحكومية، ممّا يزيد من احتمال تفاقم الوضع الأمني في المنطقة.

وتشير التقارير المتواترة إلى أنّ بعض هذه الميليشيات تتلقى دعمًا لوجستيًا وتسليحيًا من جهات في أوغندا، وهذا يمكّنها من الاستمرار في العمليات العسكرية، وتوسيع نطاق سيطرتها في بعض القطاعات الحيوية، ممّا يزيد من قدرة الميليشيات المتمردة على شنّ هجمات مفاجئة ومتصاعدة على المواقع الحكومية.

وإلى جانب الميليشيات الموالية لأوغندا، هناك تقارير عن وجود نشاط ملحوظ لبعض الحركات المسلحة الأخرى التي تستغل الفوضى في جنوب السودان لإقامة خلايا متفرقة تهدف إلى زعزعة استقرار الدولة. هذه الخلايا تستهدف المرافق الحكومية والمراكز الحيوية بالإضافة إلى مؤسسات الدعم الدولي.

دور الميليشيات الموالية للحكومة

تُعتبر ميليشيات ماثيانج أنيور (Mathiang Anyoor) من الأعمدة الرئيسية للقوات الموالية للحكومة. وتتألف من عناصر مقاتلة مدربة على تكتيكات حرب العصابات، وتشتهر بالقدرة على تنفيذ عمليات سريعة ومركزة على مواقع المعارضة والمدنيين الموالين لها. وقد وُجهت إليها اتهامات من بعض المراقبين بانتهاك حقوق الإنسان.

وشاركت هذه الميليشيات مؤخراً في عدد من العمليات العسكرية ضدّ فصائل معارضة في ولايات جونجلي والنيل العلوي، والمناطق الحدودية مع أوغندا، مستهدفة مراكز الإمداد في المناطق الحدودية، حيث تتصارع القوات الحكومية والفصائل المعارضة، في محاولة للسيطرة على الطرق والمراكز اللوجستية.

وخلال الأسبوع الأخير من آذار (مارس) الفائت تركزت التحركات الأخيرة لهذه الميليشيات على تجميع قواتها في مناطق استراتيجية على الحدود مع المناطق التي تشهد نشاطاً للمعارضة، وشنت عمليات هجومية صغيرة في محاولات لقطع خطوط الإمداد وإضعاف مواقع الجماعات المعارضة. كما لوحظ استخدام متزايد لتكتيكات الهجوم الخاطف والسريع تحت غطاء من المدفعية الخفيفة والصواريخ الموجهة  لتأمين التحركات الميدانية على مراحل.

الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان (SPLM-IO)

في المقابل، يُعدّ جناح الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان، بقيادة ريك ماشار، الفصيل الرئيسي للمعارضة المسلحة في جمهورية الجنوب. وتُظهر بعض أذرع هذه الميليشيات توجهات عسكرية عنيفة، ويتهمها البعض باستخدام أساليب الإرهاب في شنّ هجمات ضدّ المراكز الحكومية والطرق الحيوية.

وتسيطر هذه الميليشيات على مناطق حيوية في ولايات النيل العلوي وجونجلي، وتُعدّ هذه الولايات من أهم المناطق التي تتنازع عليها القوات الحكومية والمعارضة. وأشارت بعض التقارير إلى أنّ الحركة الشعبية استطاعت فرض سيطرتها على أجزاء من مناطق استراتيجية في ولاية النيل العلوي وجونجلي، ممّا يُتيح لها الوصول إلى طرق الإمداد الحيوية، ومن ثمّ التحكم في المناطق الزراعية وإمدادات الغذاء. وقامت هذه الميليشيات مؤخراً بتثبيت مواقع دفاعية متقدمة على طول الطرق الرئيسية والممرات الاستراتيجية، ممّا مكنها من حماية المناطق التي تسيطر عليها، ومنع القوات الحكومية من تحقيق اختراقات.

...

وهناك تقارير تُفيد بأنّ بعض المجموعات التابعة للحركة عززت بالفعل وجودها في مناطق معينة من ولاية يونيتي، ويُمكن اعتبارها نقاط انطلاق لعمليات هجومية أو دفاعية في الصراع. وتسعى الحركة الشعبية إلى السيطرة على الممرات الحيوية والمناطق التي تُستخدم كطرق نقل رئيسية داخل البلاد، وذلك لتعزيز موقعها الاستراتيجي وضمان تدفق الإمدادات.

ونجحت هذه الفصائل في استخدام أنظمة مدفعية خفيفة وثقيلة، إلى جانب صواريخ قصيرة المدى وطائرات بدون طيار، للتجسس على مواقع القوات النظامية، وتوجيه النيران بدقة على نقاط الضعف في القوات الحكومية. كما أنّها تستعين بأنظمة اتصالات مشفرة لضمان التنسيق بين الوحدات.

وهناك أيضاً عدة فصائل متفرقة تقوم ولاءاتها على أسس قبلية وعرقية، وغالباً ما تعمل هذه الوحدات بشكل مستقل أو ضمن تحالفات محلية مرنة، وتشارك في هجمات عشوائية ضدّ المدنيين أو المنشآت الحكومية، ممّا يزيد من تعقيد الوضع الأمني في البلاد.

تدهور اقتصادي حاد

بالرغم من أنّ النزاع في جنوب السودان يُعزى في جوهره إلى انقسامات داخلية سياسية وعرقية، فقد أظهرت بعض التقارير تحركات لعصابات صغيرة تعتمد تكتيكات تهدف إلى السلب والنهب، وزرع الرعب بين المدنيين. وبشكل عام أدت النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي إلى انهيار البنية الاقتصادية؛ ممّا تسبب في انخفاض حاد للناتج المحلي الإجمالي وارتفاع معدلات التضخم والفقر. كما أنّ ضعف الخدمات الأساسية ونقص الدعم الدولي ساهما في تفاقم أزمة الأمن الغذائي والمجاعات في البلاد.

وفقًا لتقارير البنك الدولي، يشهد جنوب السودان تراجعًا ملحوظًا في النمو الاقتصادي؛ إذ انخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى أرقام سلبية غير مسبوقة في الأشهر الأخيرة بسبب النزاع المستمر وتراجع الاستثمارات الأجنبية.

وتقلص حجم اقتصاد جنوب السودان بنسبة تتراوح بين 5-10% خلال بعض الفترات في الأعوام الأخيرة. كما أنّ معدلات التضخم تجاوزت نسبة 100%؛ ممّا جعل الأسعار ترتفع بشكل غير مسبوق، وزاد العبء على الفئات الفقيرة. وتُقدر الدراسات أنّ ما يقرب من 70-80% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وهو ما يُعتبر من أعلى النسب في العالم. كما وصلت معدلات البطالة في جنوب السودان إلى مستويات قياسية، مع الانخفاض الكبير في الاستثمارات الأجنبية المباشرة والتمويل الدولي  بسبب المخاطر الأمنية والسياسية.

المجاعة وانعدام الأمن الغذائي

وفقًا لتقارير برنامج الأغذية العالمي (WFP) وهيئة الأغذية والزراعة (FAO)، يواجه ما يقرب من (4-5) ملايين نسمة في جمهورية جنوب السودان حالة حرجة من انعدام الأمن الغذائي، وتتراوح نسبة الأشخاص الذين يعانون من نقص الغذاء الحاد بين 30-40% في بعض المناطق الريفية.

وتُشير التقارير الدولية إلى أنّ انتشار المجاعات أسفر عن وفاة آلاف الأشخاص، في ظل صعوبة وصول المساعدات الغذائية إلى المناطق المتضررة، حيث أدت الصراعات بين الفصائل المختلفة إلى تعطيل خطوط الإمداد، وتدمير البنية التحتية الزراعية، ممّا أثر سلبًا على الإنتاج الغذائي المحلي.

وبالتبعية، يُعاني النظام الصحي والتعليمي من انهيار حاد، كما تعاني الطرق ووسائل النقل من ضعف شديد، ممّا يزيد من معاناة السكان، ويحدّ من قدرة الدولة على الاستجابة للمجاعات. 

يُذكر أنّ تغير المناخ أدّى إلى حدوث موجات جفاف، وانخفاض في الإنتاج الزراعي، ممّا زاد من هشاشة النظام الغذائي، وتفاقم معاناة المواطنين، ويُعتبر انعدام الأمن الغذائي والمجاعات من أبرز مظاهر الأزمة الإنسانية في جنوب السودان.

وبحسب المعطيات السابقة، فإنّه من المرجح أن تبقى معدلات الفقر والتضخم مرتفعة، وأن يصل عدد السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي إلى مستويات حرجة، بالتزامن مع تفاقم الوضع الأمني في ظل صراع عسكري يدفع بجمهورية الجنوب المنسية إلى حافة الانهيار الكلي.


 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية