الحواضن "الجهادية" في الدولة الفاشلة.. والجيل الرابع من الحروب

178
عدد القراءات

2017-12-19

الدولة الفاشلة هي تلك الدولة الضعيفة أو التي تفقد السيطرة على أراضيها، وتفقد تأمين الحماية لثرواتها الطبيعية والبشرية. إنّ استمرار ومطاولة الفوضى في دول المنطقة من شأنه أنْ يخلق دول فاشلة بانهيار مؤسساتها، ويحول أبنائها لأن تقاتل بالوكالة لصالح أطراف خارجية.

الدول الفاشلة، حسب تعريف الباحث “نعوم تشومسكي” هي الدول غير القادرة في حماية مواطنيها من العنف. أما “مايكل مازار” فيقول في إحدى دراساته “لقد وجدت الولايات المتحدة ضالتها في خطر”الدولة الفاشلة” الذي بدأت في الترويج له، كونها تراه أبرز مصادر تهديد الأمن القومي الأمريكي، بل وتهديد السلم والأمن الدوليين”. وهذا ماجعل وجود ترابط مابين وجود التدخل الأمريكي في العالم والمنطقة وفشل الدول، أبرزها الصومال وأفغانستان والعراق واليمن.

الكاتب الفلسفي "زهير الخويلدي" يقول في دراسته: "لا يشكل الإرهاب ظاهرة استثنائية وعارضة، بل يدخل في صلب وجودنا الفردي والاجتماعي، تتنوع أشكاله المفرطة والعنيفة وتبلغ حداً يصبح معه من العبث الحلم بإمكانية القضاء عليه”.

التنظيمات القاعدية “الجهادية” توجد دائماً في الدول الفاشلة أو تلك الدول التي تعيش تحت معدلات الفقر، يُعتبر العراق، على سبيل المثال، من الدول الغنية، لكنه يصنّف بين قائمة الدول الفاشلة بسبب التراجع الذي شهدته الدولة العراقية في المجالات كافة، وأبرز الأسباب هي الفساد والتسييس والتناحر الطائفي.

العراق، بعد تحرير الموصل، خطا خطواتٍ ايجابية بالانفتاح الإقليمي والدولي، وأعطى نموذجاً في مكافحة الإرهاب، وهناك مساعيَ حقيقية للخروج من دوامة الفشل، لكنه يبقى مقيداً بدستور قائم على المحاصصة.

أما اليمن وأفغانستان فربما ظروفهما الاقتصادية تختلف، ويمكن تصنيفهما بأنهما من الدول الفقيرة بالإضافة إلى الصومال، ليكون الفقر إلى جانب الفشل السياسي أبرز الأسباب التي تعمل على ظهور التنظيمات “الجهادية” والمتطرفة.

فراغ السلطة

هذه التنظيمات تستغل فراغ السلطة، بفرض سيطرتها وتعاليمها الإسلاموية على المجتمعات وتطرح نفسها في البدء مدافعاً عن حقوق الضعفاء، وتستقطب المقاتليين الجدد، لتتحول بعد ذلك إلى مركز للحوكمة والسيطرة والتسلط عليها وهذا ما كان واضحاً بانتشار طالبان في أفغانستان والتنظيمات القاعدية الأخرى في الدول المذكورة.

وبالتوازي مع هذه التنظيمات "الجهادية" تظهرالمجموعات الصغيرة أو الكبيرة على شكل مجموعات مسلحة، بعد أن تحصل على التمويل والدعم والتدريب بالإضافة إلى تعاظم سطوة العشائر.

فعندما تفقد الدولة سلطتها على المدن والبلدات، تعطي فرصة لترعرع تلك الجماعات المسلحة و"الجهادية" بكل درجاتها وأنواعها في النمو، وتدريجياً تستقوي على سلطة الدولة والقانون، لتتحول المناطق التي تقع تحت سيطرتها إلى حواضن وملاذات آمنة تتكاثر فيها.

يشار إلى أنّ تنظيم القاعدة و داعش يعتمدان في عملهما على الحواضن، وكثيراً ماتقوم هذه التنظيمات بالمصاهرة والتجانس والتعايش، هذه السياسة تؤمّن لها التخفي والحماية، ولتكون قياداتها غير ظاهرة على السطح مما يعطيها حماية اكثر.

الجماعات “الجهادية” تقفز على مشاكل المجتمعات، لتضع نفسها بديلاً، وتستغلّ سياسات التهميش والإقصاء والسياسات الخاطئة لنشر ايديولوجيتها “الجهادية” لذلك هنالك إجماع عند المعنيين في مكافحة الإرهاب وسيكولوجية الإرهاب وأسبابه، بأنّ السياسات الخاطئة تلعب دوراً رئيسياً في تحول الفرد إلى هذه الجماعات بالإضافة إلى العوامل الدافعة الاخرى.

الجيل الرابع من الحروب

يقول الدكتور نصيف جاسم في إحدى دراساته حول الجيل الرابع من الحروب:

إنّ توظيف تنظيم داعش لمفهوم (حروب الجيل الرابع) يهدف إلى إعادة رسم خرائط دول الشرق الأوسط وعلى أساس حروب طائفية وعرقية، وهذا التوظيف يمثل جزءاً وآلية من آليات مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي قدمته (كوندليزا رايس) في حزيران /2006، والذي تضمن خلق قوس من عدم الاستقرار والفوضى التي تبدأ من لبنان وفلسطين ، فسوريا والعراق ، فالخليج فإيران وصولاً إلى أفغانستان.

أما اللواء الركن ماجد القيسي فيعرف الجيل الرابع من الحروب كما يلي : أطلق اسم حرب الجيل الرابع (4GW) على الحرب على المنظمات الإرهابية حسب المفهوم الأمريكي والتي يكون طرفا الحرب فيها جيش نظامي لدولة ما مقابل لا دولة أو عدو أو خلايا خفية منتشرة في أنحاء العالم.

الجيل الرابع من الحروب Fourth-Generation Warfare) أو اختصاراً (بالإنجليزية: 4GW) أو “الحرب اللامتماثلة” هو الصراع الذي يتميز بعدم المركزية بين أسس أو عناصر الدول المتحارَبة من قِبل دول أخرى .

استخدم هذا المصطلح لأول مرة في عام 1989 من قبل فريق من المحللين الأمريكيين، من بينهم المحلل الأمريكي ويليام ستِرگِس ليند لوصف الحروب التي تعتمد على مبدأ اللامركزية ولو دققنا كثيراً في هذا المصطلح لوجدنا أنها نوع من الحروب ، وأنّ الحروب لا توصف بالأجيال ، وأن الأجيال توصف بها الأسلحة وليس الحروب بل إن الحروب هي علم عسكري يتطور مع المتغيرات الحربية  وفق الباحث وليام ليند.

ويضيف الدكتور نصيف جاسم، معظم الدول التي شهدت الربيع العربي، باتت في صراع داخلي تنوع بين الطائفي والقبلي والسياسي، وهنا تداعت إلى الأذهان، بل الواقع نظرية "الفوضى الخلاقه" تلك النظرية التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "كونداليزا رايس" ثم تم تداولها على نطاق واسع في أعقاب الحرب على العراق عام 2003، حيث رأت الإدارة الأمريكية آنذاك أن "الشرق الاوسط الجديد" الذي تحلم به يمكن أنْ يولد من رحم تلك الحرب.

العنف المضاد

ومن الأخطاء الظاهرة في مكافحة الإرهاب في هذه الدول أنها تستخدم القوة، أي العمل العسكري بمفرده، لمواجهة هذه الجماعات وهي ترتكب خطأ كبيراً في معالجة الارهاب بالعنف. العمليات العسكرية لوحدها لا تستطيع مواجهة الارهاب دون وجود حل او خيار سياسي يتركز على فصل الحواضن عن هذه الجماعات وان لاتؤخذ الحواضن والملاذات بجريرة التنظيمات والجماعات “الجهادية”.

لذا ينبغي أنْ تقوم الاستراتيجية العسكرية والأمنية على الممارسات العقلانية، لا على الثار والانتقام، التي يذهب ضحيتها الكثير من الأبرياء خلال عمليات المداهمة والتحقيق. لذا بات ضروريا تجنب استخدام العنف المضاد لأنّه يزيد من الكراهية والثأر.

هذه الجماعات تستغل سلوك وممارسات القوات النظامية في مناطق الفوضى، هي تبحث عن المواجهة لتضع نفسها بديلا عن المجتمعات وتحصل على متطوعين جدد. التقارير والتحقيقات كشفت إن الجماعات “الجهادية” ابرزها النصرة والقاعدة وداعش رغم حصولها على التمويل، لكنها تراهن على المواجهة مع خصومها.

وكلما اشتدت المواجهة كلما يصعد رصيد هذه الجماعات بتدفق المقاتلين والأموال. اليوم الإرهاب أصبح كرة ثلج ماعاد ينتهي في منطقة إلا أن يظهر في منطقة اخرى، رغم أنّ هذه التداعيات لم تكن بعيدة أبداً من أطراف دولية وإقليمية لاعبة في تحريك هذه الجماعات وإشعال المنطقة.

بعض الطروحات والدراسات النظرية تقول "المجتمع الديمقراطي في البلدان المتقدمة يأتي مكمّلاً، وامتداداً للدولة التي كانت في أصل نشوئه بالعكس من ذلك ياتي الحديث المتزايد عن المجتمع المدني في البلاد النامية كتعويض عن غياب المجتمع تماماً وكردّ على الفراغ الذي أحدثه في الفضاء العمومي تفسخ الدولة وتحلل السلطة العمومية إلى سلطة أصحاب مصالح خاصة وانهيار القاعدة القانونية والمؤسساتية للدولة والمجتمع معاً.”

المواجهة الفكرية

إن التنظيمات ألجهادية تقوم أساساً على “العقيدة الجهادية” أوالأيديولوجية في كسب المقاتليين وتبرير عملياتها التي تقوم في الغالب على استثمار الصور المروعة في أماكن النزاع من خلال إعلاميات جهادية مرئية ومسموعة، لذا يتطلّب مواجهتها فكرياً ايضاً، بالحجة، من خلال التعاون مع مشايخ الوسطية، وإعداد وتأهيل معنيين في الشريعة والفقه، تقوم بزيارة بعض المعتقليين المتورطين في عمليات إرهابية، وعرضها على الجمهور.

وينبغي ايضاً اتّباع الطرق الإستخبارية في إخضاع مَن تمّ إطلاق سراحه من المعتقلات للمراقبة مع توفير المساعدة له في إعادة التاهيل مهنيا واجتماعيا، المواجهة الفكرية ربما تأتي بنتائج إيجابية أكثر من المواجهة العسكرية مع تقليل نسبة خلق الخصوم المحتملة في أعقاب أيّ عملية في المجتمعات الحاضنة للإرهاب.

المواطن أحياناً يعيش مابين إرهاب الدولة وإرهاب المجموعات المسلّحة و"الجهادية" فالدولة ربّما تكون هي المسؤولة عن فراغ السلطة وترك المجال للإرهاب، لذا لا خير في حكومة أو دولة لا تستطيع حماية مواطنيها.

إن استمرار الفوضى ومثلما تسمّيها تللك الجماعات "الجهادية" بـ "التوحش" من شأنه أن يخلق دولة مفككة يقاتل أبناؤها بعضهم البعض بالوكالة لصالح أطراف إقليمية ودولية لتتحول سلطة الدولة إلى مجموعات "جهادية" ومسلحة وأمراء حرب مناطقية.

عن "المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب"

اقرأ المزيد...

الوسوم: