الفنان السوري جمال سليمان: نريد العيش في وطن لا في مزرعة

الفنان السوري جمال سليمان: نريد العيش في وطن لا في مزرعة

مشاهدة

04/08/2020

أجرى الحوار: سامر مختار

أكد الفنان السوري، جمال سليمان أنّ الثورة السورية لم تنتهِ، وهي مشروعة، وهي بالأصل بدأت بمطالب معيشية، وأنّ الناس يريدون العيش بكرامة في وطن يسوده القانون، لا في مزرعة توزَّع أرزاقها كما يريد صاحب المزرعة.

ويُعدّ سليمان، من أوائل الفنانين السوريين الذين اتخذوا مواقف سياسية مناهضة للنظام السوري، بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011، وإثر موقفه السياسي، اضطُّر لمغادرة سوريا، بعد أن تعرض لتهديدات من قبل نائب وزير الدفاع السوري السابق، آصف شوكت، الذي هدّده بابنه الذي كان يبلغ من العمر 3 أعوام آنذاك، ليبدأ جمال سليمان مرحلة جديدة من حياته.

 ورغم أنّه لم يتوقف عن التمثيل في الدارما السورية والعربية، إلا أنّه بات من الشخصيات السورية المعارضة البارزة، بوصفه أحد الأعضاء المؤسسين لـ "مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية"، الذي يشارك جمال من خلاله في أعمال "اللجنة الدستورية السورية"، لكتابة دستور جديد في سوريا تحت رعاية الأمم المتحدة.

 جمال سليمان هو أحد الأعضاء المؤسسين لـ "مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية"

في هذا الحوار، الذي جرى في مدينة الشيخ زايد بالقاهرة، تحدث جمال سليمان لـ"حفريات"، على حلقتين، عن آخر التطورات الذي وصل إليها الوضع في سوريا، كما نتناقش معه حول الفنّ والدراما السورية.

هنا نصّ الجزء الأول من الحوار:

مع دخول "قانون قيصر" حيّز التطبيق؛ كيف ترى تأثيره على سوريا، سواء من الناحية الإنسانية أو السياسية أو الاقتصادية؟

لا شكَّ في أنّ "قانون قيصر" سيكون له تأثير كبير على النظام، وعلى مصادر تمويله، وهذا الهدف الرئيس منه، لكنّ القانون سيكون له تأثير كبير أيضاً على روسيا، وعلى كلّ الجهات التي بدأت تعتقد أنّ النظام السوري كسب المعركة، بالتالي؛ لا مانع، بالنسبة إليهم، من إعادة تطبيع تدريجي مع هذا النظام.

ورغم أنّ سوريا قد أُلحق بها دمار هائل، إلا أنّها أصبحت كعكة شهية بالنسبة إلى كثير من المستثمرين والشركات ورجال الأعمال والدول، من أجل الاستثمار في سوريا لإعادة البناء، كلّ هذا قبل أن يكون هناك حلّ سياسي، بالتالي؛ قانون قيصر سيمنع هؤلاء من التحرك باتجاه النظام ودعمه.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يعتذر الممثل فارس الحلو للإخوان المسلمين في سوريا؟

وقد سمعنا كلاماً من المبعوث الأمريكي للملف السوري، جيم جيفري، وغيره، حول أنّ قانون قيصر سيجعل من سوريا لقمةً مُرَّة من الصعب على الروس أو الإيرانيين ابتلاعها.

من الناحية الإنسانية، بلا أدنى شكّ، سيكون لهذا القانون، ككلّ قوانين العقوبات الاقتصادية، انعكاس سلبي على الحياة اليومية للناس العاديين، الذين تنهار حياتهم بشكل مأساوي، منذ قرر النظام ألّا يستمع لمطالب المتظاهرين السلميين، الذين ملأوا ساحات المدن مطالبين بالإصلاح، ومنذ رفضه الدخول في أيّة مفاوضات سياسية، وقبوله بفكرة أنّ سوريا لا يمكن أن تبقى على ما هي عليه، وأنّ النظام السياسي القائم، بفساده وسوء إدارته، لا يمكن أن يبقى إلى الأبد، بالتالي؛ لا بدَّ من التغيير، وبدل ذلك، قرّر النظام انتهاج حلّ العنف الذي فتح مستقبل البلاد أمام أسوأ الاحتمالات.

رغم أنّ سوريا قد أُلحق بها دمار هائل، إلا أنّها أصبحت كعكة شهية بالنسبة إلى كثير من المستثمرين والشركات ورجال الأعمال والدول

الوضع المأساوي لحياة الناس قبل قانون قيصر رسمته فصول متتالية من الفساد وسوء الإدارة، كان آخرها الصراع الذي نشب بين بشار الأسد وابن خاله، رجل الأعمال السوري رامي مخلوف، بالتزامن مع قانون قيصر، ما أدّى إلى انهيار سعر صرف الليرة السورية، والذي انعكس بشكل كارثي على الحياة المعيشية للمواطن.

بصفتك عضواً في "منصة القاهرة" للمعارضة السورية، وهي ضمن هيئة التفاوض السورية واللجنة الدستورية؛ كيف ترى أداء اللجنة الدستورية في الوقت الحالي؟

بعد أعوام من امتناع النظام عن الدخول الجدي بمفاوضات تفضي إلى حلّ سياسي، جاءت اللجنة الدستورية، كخيار ارتأته الدول الفاعلة في الشأن السوري، وعلى رأسها روسيا، التي استطاعت أن تضمن موافقة الولايات المتحدة الأمريكية، والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، بالتالي الأمم المتحدة، على أن يكون المدخل الدستوري بوابة لتنفيذ القرار 2254، الذي ينصّ، فيما ينصّ، على الحاجة إلى إصلاح دستوري في سوريا.

اقرأ أيضاً: ياسين الحاج صالح: سوريا اليوم تحت خمسة احتلالات

بالنسبة إلينا، كمعارضة سورية، وبعد نقاشات طويلة، وبعد تقدير المخاطر ورؤية الجانب السلبي في الموضوع، في النهاية رأينا؛ أنّ ما هو إيجابي أكثر مما هو سلبي، وأنّ علينا أن نأخذ هذا الخيار لعدة أسباب، أولها؛ أنّنا نريد أن نقول للمجتمع الدولي إنّنا، كمعارضين سوريين، موجودون كطرف بنَّاء لإيجاد حلّ سياسي في سوريا، ونتمتع بمرونة فيما يتعلق بالمقاربات المختلفة للوصول إلى حلّ سياسي، على ألَّا تقودنا هذه المقاربات إلى إعادة تعويم النظام، وأن تضرب بعرض الحائط بمطالب الثورة السورية، التي رفعها الشباب والشابات، السوريون والسوريات، الذين خرجوا في المظاهرات السلمية والمدنية عام 2011.

والسبب الثاني؛ هو تعريف ما نعنيه بالانتقال السياسي المنشود؛ بسبب تعدّد الرؤى والشعارات، يجب علينا أن نعرف ما هي "سوريا" التي نريدها، وأن نحدّد بوضوح ما هو شكل الدولة وأُسسها؛ هل ستكون قائمة على نظام برلماني، أم نظام رئاسي، أم نظام مختلط؟ وهل هي دولة مركزية، أم فيدرالية، أم هي لامركزية إدارية؟ وما هو موقع الدين في الدستور؟ وكيف سيتعامل الدستور مع مسألة الأقليات، ومسألة الحريات العامة والشخصية، والقضايا التي تتعلق بحقوق المرأة؟ وكذلك شكل النظام الاقتصادي، وآليات الحكم، كلّ هذه الأشياء، في الحقيقة، كانت على الدوام قضايا ومسائل خلافية، سواء داخل المعارضة، أو بين المعارضة والنظام، بالتالي؛ لا بدّ من صياغة تصوّر مشترك يتم طرحه على عموم السوريين، وهذا هو السبب الذي دفعنا إلى قبول فكرة اللجنة الدستورية؛ لأنّه من خلال الدستور سيتم تعريف الانتقال السياسي، ورسم رؤية محصنة لمستقبل سوريا.

والسبب الثالث، وهو من أهم الأسباب حقيقةً؛ أننا كنا دائماً على قناعة بأنّ النظام سيرفض الانخراط في عمل اللجنة الدستورية؛ لأنّ موافقته رسمياً على الدخول بأعمال اللجنة الدستورية ستعني أنّه اعترف بأنّ شرعيته الدستورية القائمة ليست ذات جدوى، وأنّه لا بدَّ من البحث عن شرعية جديدة لسلطة جديدة.

كمعارضة سورية، لسنا في صراع من أجل السلطة، ولسنا في صراع نخدم من خلاله مصلحة فئة من السوريين، أياً كانت هذه الفئة، وإنما نحن في صراع مع هذا النظام

إنّ دستور 2012، مثل أيّ دستور في العالم، يُحدّد آليات تعديله في حال طرأت الحاجة إلى ذلك، والمادة (140) من دستور 2012 تقول: "في حال برزت الحاجة لتعديل الدستور فيجب أن يحظى هذا التعديل على موافقة ثُلثيّ أعضاء مجلس الشعب وموافقة رئيس الجمهورية"، إذاً؛ في حال ذهب النظام رسمياً إلى جنيف برعاية الأمم المتحدة، بعيداً عن مجلس الشعب، وبعيداً عن موافقة رئيس الجمهورية لصياغة دستور جديد، أو تعديل الدستور القائم، معنى ذلك أنّ دستور 2012 وشرعيته باتا شيئاً من الماضي، أو أنّ النظام في حدّ ذاته قد ارتكب خرقاً للدستور؛ لذلك رأينا نحن كيف أنّ النظام يناور، وهو بالأساس لم يأتِ ولم يشارك إلا بعد ضغط روسي كثيف، ويتملص من أيّ التزام بمخرجات اللجنة، وذلك من خلال رفض تسميته الوفد الحكومي بـ "وفد حكومة الجمهورية العربية السورية"، كما جاء في بيان إعلان اللجنة الدستورية من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، وإنّما أسماه في الجولة الأولى من أعمال اللجنة "وفد مدعوم من حكومة الجمهورية العربية السورية"، وحين اعترضنا، كمعارضة، على ذلك، واعتبرناه مخالفاً لنصّ إعلان اللجنة، أطلق على الوفد في الجولة الثانية اسم "الوفد الوطني".

وهذا يعني، كما هو متوقع، أنّ النظام ما يزال غير ملتزم بهذا المسار، ولا بما سينتج عنه، أضف إلى ذلك أنّ النظام لجأ فجأة إلى إحياء شيء لم يسمع به السوريون منذ عقود، وهو "المحكمة الدستورية"، فجأة قام بشار الأسد بافتعال خلاف مع مجلس الشعب، وأحال هذا الخلاف للمحكمة الدستورية، في محاولة لإزاحة الغبار عن المحكمة الدستورية وإعادتها إلى الحياة؛ فما الغاية من ذلك؟ في تقديري؛ الغاية من ذلك أنّه في حال أُجبر النظام على المتابعة في أعمال اللجنة الدستورية، ونتج عن ذلك دستور جديد، فالنظام سوف يُحيل هذا الدستور إلى المحكمة الدستورية، ليستمع إلى رأيها؛ أي "هل هذا الدستور من الناحية القانونية معتبر أو غير معتبر؟ في طبيعة الحال؛ ستقول المحكمة الدستورية إنّه غير معتبر، لأنّ المحكمة الدستورية سوف تحكم بمقتضى دستور 2012، تحديداً المادة (140)، التي حددت آليات تعديل الدستور.

الوضع المأساوي لحياة الناس قبل قانون قيصر رسمته فصول متتالية من الفساد وسوء الإدارة، كان آخرها الصراع الذي نشب بين بشار الأسد وابن خاله، رجل الأعمال السوري رامي مخلوف

كلّ ذلك يعني أنّ أعمال اللجنة الدستورية لم تبدأ بشكل حقيقي بعد، بالنسبة إلينا كمعارضة؛ الجلسة الافتتاحية كانت جيدة جداً، وقدمنا صوتنا خلالها لعموم الشعب السوري، بأنّ ما نطمح إليه هو دستور لكلّ السوريين، وسوريا لكلّ السوريين، وهذا  الدستور لا يخص المعارضة وحدها، ولا ينص على حقوق المعارضين فقط، وإنما هو دستور ينصّ على حقوق كلّ المواطنين، ودستور يسعى إلى ترسيخ حرية كلّ المواطنين وكرامتهم وحقوقهم، بمعنى أنّ نظام القضاء المستقل النزيه ليس لجزء من الشعب السوري، سواء كان معارضاً أو موالياً، أو عربياً، أو كردياً، أو مسيحياً، أو مسلماً، أو علوياً، أو سنّياً، وإنما هو نظام قضائي مستقل وقوي لخدمة السوريين جميعاً.

لقد كانت فرصة ثمينة كي نقول للسوريين إنّنا، كمعارضة سورية، لسنا في صراع من أجل السلطة، ولسنا في صراع نخدم من خلاله مصلحة فئة من السوريين، أياً كانت هذه الفئة، وإنما نحن في صراع مع هذا النظام من أجل عموم الشعب السوري على اختلاف طوائفه وانتماءاته واتجاهاته السياسية.

لكن، منذ فترة صرّح رئيس هيئة التفاوض السابق، نصر الحريري، عقب انتهاء ولايته، بأنّه يرى أنّ "اللجنة الدستورية، بصيغتها وحراكها الحاليَّين، لن تؤدي إلى نتيجة"؛ لماذا قال ذلك برأيك؟

جميعنا نرى أنّ اللجنة الدستورية لم تثمر شيئاً بعد، لنكن واقعيين، المسار الدستوري أو أيّ مسار سياسي آخر يفضي إلى حلّ سياسي في سوريا لن يحدث إلا بتوافق دولي وضغط دولي، هذا ليس جديداً؛ إنّه متضمَّن، بصيغة أو بأخرى، في كلّ الإحاطات التي تقدّم بها أربعة مبعوثين دوليين للقضية السورية، وآخرهم السيد بيدرسون، من أنّ التوافق والضغط الدولي هما المفتاح.

كيف رأيت الحراك الذي حدث في مدينة السويداء مؤخراً؛ إذ أثار هذا الحراك ردود أفعال مختلفة على مواقع السوشيال ميديا، فالبعض قلَّل من أهمية خروج شباب السويداء في مظاهرات؛ لأنّها، في رأيهم، خرجت احتجاجاً على الوضع المعيشي فقط، رغم أنّ المتظاهرين رفعوا شعار "إسقاط النظام"؟

أولاً؛ لا أفهم ما العيب إذا خرج الناس للتظاهر لأسباب معيشية، هذا شيء طبيعي، والشيء الطبيعي أنّ الناس لا يثورون، ولا يتظاهرون، إذا كانوا يعيشون حياة كريمة، حتى إن كان النظام شمولياً، أساس الحكاية في سوريا كلّها؛ أنّه عندما لم تلبَّ المطالب المعيشية، تحوّلت تدريجياً إلى مطالب سياسية، هذه سيرورة الثورات جميعها؛ فعندما يرى الناس أنّ ثروة البلاد تذهب إلى عدد محدد من الأشخاص، وأنّ هناك عمليات فساد ونهب لثروة الوطن، بينما هم يعيشون على الكفاف، تصبح لهم مطالب معيشية، يبدأون بالتحدث عنها، ثم التظاهر من أجلها؛ هذا ما يحدث في كلّ الدنيا، وحركة السترات الصفر في فرنسا مثال ساطع على ذلك، لكن في النظم الديمقراطية، هناك برلمان يناقش مطالب الناس وحقوقهم، وقد يتم فرض هذه المطالب، أو سحب الثقة من الحكومة، أو يسقط الناس الحكومة في الانتخابات القادمة، أما في الأنظمة الشمولية، إذا لم يستطع رئيس الجمهورية، الذي يملك بيده كلّ السلطات، أن يتفهّم المطالب المعيشية للناس ويستجيب لها، فالمطالب المعيشية تتحول إلى انفجار، فإذا رفض النظام الاستماع لهؤلاء الناس مرة أخرى، وأطلق عليهم النار، واعتقلهم، وأراد أن يقمعهم بأيّ ثمن، سيطالبون بإسقاطه بأيّ ثمن أيضاً، وهذا ما حصل في سوريا.

ما الذي نتعلمه من مظاهرات السويداء أولاً: أنّ النظام لم ينتصر، وأنّ القضية السورية لم تحل. وثانياً: أنّ الثورة ضدّ النظام لم تقم على قاعدة طائفية، كما أرادوا أن يروجوا

إذاً، لا يعيب أبداً، أنّ أهلنا في السويداء، أوجه لهم تحية كبيرة جداً، قد خرجوا من أجل مطالب معيشية، وهذه المطالب المعيشية تحوّلت إلى شعارات وهتافات سياسية، لكن ما الذي نتعلمه من مظاهرات السويداء؟ أولاً: أنّ النظام لم ينتصر، وأنّ القضية السورية لم تحل. وثانياً: أنّ الثورة ضدّ النظام لم تقم على قاعدة طائفية، كما أرادوا أن يروجوا بأنّ "القاعدة الشعبية السنّية الأكبر في البلاد تُعبّر عن غضبها في وجه نظام علوي"، وهذا غير صحيح، المظاهرات في السويداء أثبتت ذلك. وثالثاً: أنّه، ومع انحسار العمل العسكري والفصائل المسلحة في سوريا (وأنا لست من الحزينين على هذا الانحسار)، بدأت الثورة السورية تعود إلى صفحتها الأولى.

والحقيقية؛ أنّ وجود الفصائل العسكرية ذات الطابع الإسلاموي في سوريا، والتي مُوِّلت من دول مختلفة، حجبت الثورة السورية، ومع انحسارها، عادت الثورة إلى الظهور مرة أخرى، لكن هذه المرة من السويداء، وهذا له معنى بليغ جداً، بالتالي؛ أنا أرى أنّ أهل السويداء وجهوا رسالة كبيرة جداً، ليس للنظام فقط، وإنما للعالم أجمع، هي أنّ الثورة السورية لم تنتهِ، وهي مشروعة، وهي بالأصل بدأت بمطالب معيشية، وأنّ الناس يريدون العيش بكرامة في وطن يسوده القانون، لا في مزرعة توزَّع أرزاقها كما يريد صاحب المزرعة.

يتبع جزء ثانٍ ...

الصفحة الرئيسية