"حفريات" ترصد محطات التطبيع السياحي بين تونس وإسرائيل

التطبيع

"حفريات" ترصد محطات التطبيع السياحي بين تونس وإسرائيل

مشاهدة

20/06/2019

تناقضات حادّة ما تزال تحكم الوضع التونسي، الذي بقي يتأرجح منذ عقود بين شارع رافض للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وتوجهات رسمية لا تجد حرجاً في الاستفادة من علاقات تحت الطاولة، وتستثمر فيها لغايات سياسية وانتخابية غير معلنة. 
ولم ينفك موضوع التطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، يشكّل مصدراً للجدل الدائم والصراع بين القوى السياسية، والشخصيات الرسمية في البلاد؛ حيث أثارت زيارة وفودٍ يهوديةٍ، مؤخّراً إلى جزيرة "جربة" لأداء طقوس دينية تُقام كلّ عام في "معبد الغريبة"، شرق البلاد، انتقادات واسعة؛ بسبب دخول إسرائيليين ضمن الوفود إلى التراب التونسي، في وقت يرفض فيه الشعب التونسي أيّ تعاملٍ مع الاحتلال الإسرائيلي.

اقرأ أيضاً: على خُطى تشاد.. مالي في سبيل تطبيع علاقاتها مع "إسرائيل"
وقد شهد عدد الزوار اليهود لكنيس "الغريبة" هذا العام ارتفاعاً ملحوظاً، مقارنةً بالأعوام السابقة، غير أنّه أيقظ جدلاً قديماً حول استغلال هذه الاحتفالية لاستقبال الحاملين للجنسية الإسرائيلية.
اتهامات للحكومة التونسية بالسماح لدخول حاخامات إسرائيليين إلى تونس

التونسيون يطالبون بتجريم التطبيع
وتداول ناشطون تونسيون وفلسطينيون تقريراً بثّته "قناة 12" الإسرائيلية، بعنوان "العودة إلى تونس"، حول جولات أجراها وفدٌ إسرائيلي على هامش زيارة المعبد، أظهر زيارة إسرائيليين إلى المنزل الذي اغتيل فيه القيادي الفلسطيني "أبو جهاد" على يد قوة إسرائيلية خاصة، في الضاحية الشمالية للعاصمة التونسية، في 16 نيسان (أبريل) 1988.

النائبة منية إبراهيم عن حركة النهضة الإسلامية: لتونس مواقف تاريخية رافضة للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي المجرم

كما ظهرت في التقرير سيدة إسرائيلية قامت بالدعاء للجنود الإسرائيليين، قبل أن تردّد عبارة "تحيا إسرائيل... تحيا تونس"، وهو ما أثار حفيظة التونسيين الذين احتجوا مجدّداً، رفضاً للتطبيع، ومطالبة بإرساء قانونٍ كانت قد طالبت الجبهة الشعبية المعارضة (إئتلاف يساري يضم 11 حزباً) بتمريره، ينصّ على تجريم التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.
وشدّدت في هذا السياق، منية إبراهيم، النائبة عن حركة النهضة الإسلامية (شريكةٌ في الحكم)، في تصريحها لـ "حفريات"، على أنّ حركتها ترفض أي عملٍ أو قولٍ يندرج في إطار التطبيع مع الكيان الإسرائيلي المجرم في حقّ الشعب الفلسطيني، وفي حقّ الأمة العربية، أو التعامل معه.
وأضافت: "تونس لها مواقف تاريخية في هذه المسألة، منذ عهد الزعيم الراحل، الحبيب بورقيبة، وقراراتها الرسميّة كانت دائماً ضدّ التطبيع مع إسرائيل"، داعيةً الحكومة إلى الالتزام بهذه القرارات كما فعلت كلّ الحكومات التي سبقتها.

اقرأ أيضاً: زيارة بن علوي للقدس: دعم للفلسطينيين ووساطة أم تطبيع؟
وكان المئات من اليهود من أنحاء العالم قد بدؤوا، في 22 أيار (مايو) الماضي، بالتوافد على كنيس "الغريبة"، أقدم معبدٍ يهودي في إفريقيا، في موسمٍ سنوي يشهد مظاهر احتفالية في جزيرة جربة.
واستمرت الفعاليات ليومين، بحضور عددٍ من الوزراء التونسيين، من بينهم وزير السياحة روني الطرابلسي (يهودي الديانة)، وشخصياتٍ دينية وثقافية من تونس وخارجها، في حين تواصلت الزيارة السنوية لليهود إلى الغريبة على مدى أسبوع، وسط إجراءات أمنية مشدّدة.
جدل حول زيارة وفود إسرائيلية إلى تونس

الحكومة متورّطة
هذا وقد اتّهم سياسيون تونسيون الحكومة بالتطبيع مع كيان العدو الصهيوني، مطالبين بالتحقيق في زيارة حاخامات "متطرّفين" إلى كنيس الغريبة، وتداولت وسائل إعلام صوراً قالت إنّها لحاخامات شاركوا في موسم حجّ الغريبة.
ودان المرصد المغاربي لتجريم التطبيع ودعم المقاومة في تونس، الزيارة التي قام بها وفد صهيوني إلى جزيرة جربة التونسية، تحت شعار الحجّ اليهودي، وعدّها تطبيعاً مضراً بأمن تونس والدول المجاورة لها، محمّلاً السلطات التونسية المسؤولية الكاملة عن الجرائم التي اقترفتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين ودول المنطقة، وطالب بسنّ قانونٍ يجرّم التطبيع.

زهير حمدي، نائب عن الجبهة الشعبية: تونس أصبحت مرتعاً للعصابات الإسرائيلية وهذا مؤشر خطير على انتهاك السيادة الوطنية

وكشف رئيس الهيئة التونسية لدعم المقاومة العربية ومناهضة التطبيع والصهيونية، أحمد الكحلاوي، في تصريح لـ "حفريات"؛ أنّ "الأمر لا يتعلّق فقط بتطبيع سياحي، بل هو تطبيع شاملٌ، وأنّ الأخطر من ذلك توجه الحكومة التونسية نحو التطبيع في المجال الاقتصادي عبر ارتهانها إلى بنوكٍ ومؤسساتٍ أجنبيّةٍ".
ولفت الكحلاوي إلى أنّ "زيارة وفودٍ إسرائيلية تتكون من أكثر من ألفيْ إسرائيلي، للمرّةٍ الأولى في تاريخ تونس، هو أبرز دليلٍ على أنّ حكومة يوسف الشاهد الحالية تحاول تهيئة الظروف اللازمة من أجل التطبيع العلني مع الكيان الإسرائيلي، والتخلّي عن القضية الفلسطينية".
من جانبه، رأى زهير حمدي، عضو الجبهة الشعبية المعارضة التي تطالب بإحداث قانون يجرم التطبيع؛ أنّ تونس تجاوزت مرحلة التطبيع إلى شبه الغزو الإسرائيلي لها، وذلك عبر سياسةٍ ممنهجةٍ لفرض الأمر الواقع على الشعب التونسي الذي يعدّ من أكثر الشعوب الرافضة للتعامل مع هذا "الكيان الغاصب" لأرض فلسطين.

اقرأ أيضاً: الإسرائيليون "سعداء" ببداية التطبيع القطري!
وعدّ ذلك مؤشراً خطيراً على انتهاك السيادة الوطنية للبلد الذي قال إنّه "أصبح مرتعاً للعصابات الصهيونية"، لافتاً إلى أنّ "الائتلاف الحزبي المشارك في الحكومة، وكلّ مَن يشاركون رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، السلطة، ضالعون في التطبيع مع العدو الإسرائيلي، وأنّهم يعملون على أن يصبح التطبيع مسألةً عاديةً، وأن يتقبّله الرأي العام التونسي".
ودعا حمدي الشعب التونسي إلى معاقبة الطبقة الحاكمة، التي تسعى إلى مخالفة إرادته، بضرورة إدراج القضية الفلسطينية كأولوية خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية، خريف العام الحالي.
هذه الاتهامات فنّدتها وزارة الداخلية التونسية؛ إذ نفت قطعياً دخول سياح بجواز سفر إسرائيلي، وأوضحت في بيانٍ لها؛ أنّ "المنزل الذي تمّ تداوله على أنّه المكان الذي اغتيل فيه "أبو جهاد"، هو في الحقيقة ملك لرجل أعمالٍ تونسي، مضيفةً أنّه يبعد قرابة 4 كيلومتراتٍ عن المنزل المعنيّ".

اقرأ أيضاً: مثقفون يدعون إلى محاكمة سعد الدين إبراهيم: التطبيع جريمة
وكان الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر المنظمات النقابية التونسية، قد كشف النقاب في وقتٍ سابقٍ، عن أنّ وكالة الأسفار التونسية "تونيزيا باي ترافل" (Tunisia Bay Travel) تنظّم منذ أشهر رحلاتٍ سياحيةٍ إلى الكيان الصهيوني، عبر الأردن والقدس المحتلة، بالتنسيق مع قوات الاحتلال.
وطالب الاتحاد بفتح تحقيق حول الوكالة وأنشطتها التطبيعية، وسحب رخصة النشاط من هذه الوكالة المطبّعة، ومن كلّ وكالات السفر التي يثبت تورّطها، مؤكّداً تجنّده لمنع هذه الأنشطة ومتابعة القائمين عليها.
 مراسم الحج اليهودي إلى جزيرة جربة التونسية

تونس وإسرائيل عبر التاريخ
وبحسب تقارير ودراسات؛ فإنّ العلاقة بين تونس والاحتلال الإسرائيلي قد مرّت بمراحل مختلفة، بداياتها كانت أثناء نشأة الكيان الصهيوني؛ حين شهدت تونس حراكاً صهيونياً تمثل في وجود جمعيات تُعنى بالحركة الصهيونية، ليتطوّر لاحقاً إلى إصدار صحفٍ يهوديةٍ تعبّر عن مواقف وخيارات المؤتمرات الصهيونية التي كانت تحصل آنذاك، وتواصلت إلى حدود عام 1967، مع النكسة وهجرة معظم يهود تونس إلى إسرائيل، وفق ما ورد في كتاب الدكتور الهادي التيمومي "الحركة الصهيونية في تونس".
كما شهدت فترة التسعينيات، تحديداً عام 1996 من القرن الماضي، نقلةً نوعيةً، أثناء فترة حكم زين العابدين بن علي، حين فُتحت مكاتب تمثيل بين الطرفين، حينها بدأت مرحلة "ربيع التطبيع والانفتاح على إسرائيل"، غير أنّ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، عام 2000، أفشلت ذلك، وعقّدت لقاءاتٍ رسميّةٍ بين تونسيين وإسرائيليين إلى حدود عام 2005، تاريخ احتضان تونس للقمة العالمية، لمجتمع المعلومات، والتي استدعى لها بن علي إسرائيليين، وشهدت رفع العلم الإسرائيلي.

المؤرخ رياض مرابط: يوسف الشاهد اتّجه فعلياً نحو إعلان التطبيع منذ عيّن اليهودي روني الطرابلسي وزيراً للسياحة

من جهةٍ أخرى؛ يرى المؤرّخ التونسي، رياض مرابط، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ "الدولة تبرّر زيارة وفود إسرائيلية إلى تونس باحترام الأقليات، والحال أنّ أقليّات تونس ليسوا يهوداً فقط، خاصّةً أنّها لا تتعامل مع باقي الأقليّات كما تتعامل مع اليهود"، مؤكّداً أنّ "الحكومة تتّجه نحو التطبيع مع إسرائيل عبر القطاع السياحي، وعبر وكالات الأسفار".
ولفت إلى أنّ رئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد، اتّجه فعلياً نحو إعلان التطبيع؛ منذ عيّن اليهودي، روني الطرابلسي، وزيراً للسياحة، رغم مواقفه العلنية الداعمة للكيان الصهيوني والداعية إلى المصالحة معه، وأرجع محاولات الشاهد هذه إلى ارتباطات تونس المالية والاقتصادية مع قوى أجنبيّةٍ.

اقرأ أيضاً: قناة الجزيرة: التطبيع باسم حرية التعبير
وكشف مرابط؛ أنّ "الرئيس التونسي الأسبق، زين العابدين بن علي، كانت له علاقاتٍ غير مكشوفةٍ مع سلطات الاحتلال، كان يستثمر فيها من أجل إطالة أيام حكمه، لكن لم تكن له رغبةً حقيقيةً في ربط علاقاتٍ مباشرةٍ معهم".
ورفضت منظمات وأحزاب، إضافةً إلى نوّاب وناشطين، تعيين روني الطرابلسي وزيراً للسياحة في التحوير الوزاري، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، وذلك على خلفية شبهاتٍ عديدةٍ حول علاقاته مع الكيان الصهيوني، خاصّةً أنّه كان صاحب وكالة أسفارٍ تشرف بالخصوص على زيارة اليهود القادمين من إسرائيل إلى كنيس الغريبة بجربة، بحسب ما تمّ تداوله آنذاك.


الصفحة الرئيسية