
لم يعد البحر في غزة متنفساً للهاربين من أزيز الطائرات، بل تحول إلى امتداد جديد لمعاناتهم، فعلى امتداد الساحل الغربي للقطاع تنتشر آلاف الخيام المهترئة فوق الرمال، حيث تعيش عائلات نزحت مرات متتالية، بعد أن ضاقت بها مراكز الإيواء، لتجد نفسها في مواجهة حرارة الصيف اللاهبة، والرطوبة الخانقة، والحشرات، وتلوث مياه البحر، وانتشار الأمراض الجلدية والمعوية.
وفي تلك الخيام تتداخل رائحة مياه الصرف الصحي مع رائحة البحر، وتتقاسم العائلات مساحة ضيقة لا تقي حراً ولا برداً وسط نقص المياه النظيفة وغياب أبسط مقومات الحياة.
ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا": يوجد في غزة أكثر من 1600 موقع نزوح يؤوي نحو 1.7 مليون نازح، بينما لا تغطي خدمات إدارة مواقع النزوح سوى نحو 34% من هذه المواقع، ممّا يترك أعداداً كبيرة دون متابعة وخدمات منتظمة.
ويتعرض 60% من السكان لمياه الصرف الصحي أو الفضلات البشرية على بعد أقلّ من 10 أمتار من أماكن إيوائهم، ويتعرض أكثر من 900 ألف شخص لتراكم النفايات قرب مساكنهم، بما يزيد من مخاطر الأمراض والآفات.
وتحصل 63% من الأسر على أقلّ من 6 لترات من مياه الشرب للفرد يومياً، وهي كمية تقلّ كثيراً عن الاحتياجات الأساسية، وتعتمد 74% من الأسر على المياه المنقولة بالصهاريج.
وبحسب المكتب، لا تتوفر مرافق صرف صحي أساسية إلا لـ 52% من الأسر، بينما يعتمد الباقون على مرافق مشتركة أو غير آمنة أو غير ملائمة.
نزوح بين الحر والعدوى
تقول سماهر حسونة (42 عاماً)، وهي نازحة تقيم مع زوجها وأطفالها الستة في خيمة على شاطئ مدينة غزة، إنّهم اعتقدوا للحظة أنّ البحر سيمنحهم بعض الراحة، لكنّهم اكتشفوا سريعاً أنّه أصبح مصدراً جديداً للخوف والمرض.
وتروي حسونة بصوت يثقله التعب: "في النهار تتحول الخيمة إلى فرن لا يطاق، ونجلس خارجها تحت الشمس لأنّ الهواء داخلها خانق، وفي الليل لا نستطيع النوم بسبب البعوض والحشرات والرطوبة، وأطفالي يستيقظون وهم يبكون من شدة الحكة، وبعضهم أصيب بطفح جلدي لم يختفِ منذ أسابيع".
وتضيف: "لم يعد بإمكاننا الاقتراب من مياه البحر كما كنا نفعل سابقاً، فالناس يقولون إنّها ملوثة، والروائح الكريهة تؤكد ذلك، ومع ذلك، لا يجد الأطفال مكاناً آخر يلعبون فيه، فينزلون إلى الماء ثم يعودون وهم يعانون من التهابات جلدية وإسهال متكرر".
وتتابع حسونة: "أكبر مخاوفي ليست الغارات فقط، بل أن يمرض أحد أطفالي ولا أجد دواءً أو طبيباً، وأشعر أحياناً أننا نموت ببطء، ليس بالقصف وحده، بل بهذه الظروف التي تسلب الإنسان صحته وكرامته يوماً بعد يوم".
أمهات بين الخوف والمرض
وتصف حسونة يومها قائلة: "أبدأ الصباح بالبحث عن مياه صالحة للشرب، ثم أقف ساعات للحصول على قليل من الطعام، وبعد ذلك أحاول تنظيف الخيمة من الرمال والحشرات، لكنّ كل شيء يعود كما كان خلال ساعات، فأشعر أنني أدور في حلقة لا تنتهي".
وتكمل: "ابنتي الصغيرة أصيبت بحساسية شديدة في الجلد، وابني يعاني من إسهال متكرر وارتفاع في الحرارة، بسبب تلوث المياه وسوء البيئة المحيطة، لكن ماذا نفعل؟ لا نملك مكاناً آخر نذهب إليه".
وتواصل حسونة: "أصبحنا نخشى حتى هبوب الرياح، لأنّها تحمل الرمال إلى الطعام والفرش، بينما ينتشر الذباب والبعوض بشكل مرعب، ونحاول تغطية الأطفال طوال الوقت، لكنّ الحرارة تجعل ذلك مستحيلاً".
وتوضح بحزن: "كلّ أم هنا تحمل همّاً مضاعفاً، نخاف من القصف، ونخاف من الأمراض، ونخاف من الجوع، وأصبحنا نحسب أيامنا على أمل أن تنتهي هذه المأساة، لكن كل يوم يبدو أصعب من سابقه".
وتؤكد حسونة أنّ الحياة داخل المخيم فقدت كل معنى للاستقرار، مضيفة: "حتى لو حصلنا على الطعام، لا نجد ماءً نظيفاً لغسل الأواني أو الملابس، وكل شيء هنا يهدد صحتنا، وكأنّ الحرب لم تكتفِ بتدمير بيوتنا، بل تلاحقنا أينما ذهبنا".
الرمال والمرض يحاصران الخيام
هذه الحال لا تختلف لدى محمود الكردي (53 عاماً)، وهو أب لسبعة أبناء نزح أكثر من خمس مرات قبل أن يستقر في خيمة قرب شاطئ مدينة غزة. يقول: "الحياة على الساحل أصبحت حرباً يومية مع الطبيعة، بعدما كانت الحرب تلاحقهم بالقصف فقط".
ويضيف الكردي: "عندما وصلنا إلى هنا فوجئنا بأنّ الرمال تدخل إلى الطعام والماء والملابس وحتى عيون الأطفال، ولا يوجد ساعة واحدة نستطيع فيها إبقاء الخيمة نظيفة، فالرياح تعيد كل شيء كما كان".
ويتابع: "في ساعات الظهيرة تصبح أرض الخيمة ساخنة إلى درجة لا يستطيع الأطفال الجلوس عليها، أمّا في الليل، فتزداد الرطوبة بشكل خانق، وتصبح الأغطية مبللة، وكأننا ننام فوق الماء".
ويشير إلى أنّ المشكلة الأخطر تكمن في تلوث البيئة المحيطة، قائلاً: "في بعض الأيام تصل إلينا روائح مياه الصرف بقوة، خصوصاً عندما تتغير حركة الرياح، ولم نعد نستطيع تناول الطعام بسهولة بسبب الرائحة، والأطفال يسدون أنوفهم طوال الوقت".
ويكشف الكردي أنّ أبناءه أصيبوا أكثر من مرة بالتهابات في العين والجهاز التنفسي، مضيفاً: "كلما مرض طفل نحتار، هل نشتري الطعام إن وجد، أم نحاول توفير دواء قد لا يكون متوفراً أصلاً؟ وأصبح المرض جزءاً من حياتنا".
ويصف أكثر اللحظات قسوة بقوله: "حين تهب الرياح البحرية بقوة، أشعر أنّ الخيمة ستطير بمن فيها، وأقضي الليل ممسكاً بالأعمدة والحبال حتى لا تنهار فوق أطفالي، ولم أعد أنام إلا ساعات قليلة، لأنني أخشى أن أستيقظ على كارثة جديدة".
فقدان البيت والأمان
ويؤكد الكردي أنّ أكبر خسارة ليست فقط فقدان المنزل، بل فقدان الإحساس بالأمان، مبيناً: "البيت كان يحمينا من الحر والبرد والغبار، واليوم أصبحت الخيمة تكشفنا أمام كل شيء، الشمس، والرياح، والأمطار، وحتى الأمراض".
ويستطرد: "أصعب ما يواجه الرجل هنا أنّه يرى أبناءه يمرضون ولا يستطيع فعل شيء، فأشعر بالعجز عندما يسألني طفلي، متى سنرجع إلى بيتنا؟ ولا أجد جواباً سوى الصمت".
ويبين الكردي أنّ "الحصول على المياه أصبح رحلة يومية مرهقة، وغالباً ننتظر ساعات طويلة، وعندما تصل المياه لا تكفي الجميع، ونحاول الاقتصاد في كل قطرة، حتى الاستحمام أصبح رفاهية لا نملكها".
ويضيف: "قلة المياه تعني أنّ الملابس لا تغسل باستمرار، والخيام لا تنظف كما يجب، وهذا يزيد انتشار الأمراض الجلدية والروائح، فالحياة هنا ليست مجرد نزوح، بل استنزاف يومي للجسد والنفس".
ويوضح أنّ "الأطفال يعيشون حالة نفسية صعبة، لا توجد مدارس، ولا أماكن آمنة للعب، فيركضون بين الخيام وعلى الرمال لساعات، ونحاول أن نصنع لهم شيئاً من الفرح، لكنّ الواقع أقسى من كل المحاولات".
ويختم الكردي حديثه قائلاً: "لسنا بحاجة إلى الشفقة، بل إلى مكان آمن يحفظ كرامتنا، الإنسان يستطيع تحمل التعب، لكنّه لا يستطيع أن يعيش بلا أمل إلى ما لا نهاية".
كارثة صحية
بدوره، يرى اختصاصي الطب الوقائي والصحة العامة الدكتور أشرف محارب أنّ "الاكتظاظ، وارتفاع الحرارة، ونقص المياه النظيفة، وتدهور الصرف الصحي في مخيمات النزوح الساحلية، خلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض الجلدية والإسهال والتهابات الجهاز التنفسي والعين، وتبقى الفئات الأكثر هشاشة، كالأطفال والحوامل وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة، الأكثر عرضة للمضاعفات".
ويؤكد محارب "رصد ارتفاع في حالات الإسهال الحاد والأمراض الجلدية والتهابات الجهاز التنفسي والعين، محذراً من أنّ استمرار تلوث المياه والغذاء والاكتظاظ قد يحول هذه الأمراض إلى بؤر تفشٍ جماعي، وهو ما يستدعي تدخلاً عاجلاً لتحسين خدمات المياه والرعاية الصحية".
ويشير إلى أنّ "المياه النظيفة تمثل خط الدفاع الأول ضد الأمراض، وأنّ نقصها مع غياب مستلزمات النظافة يضاعف انتقال العدوى، داعياً إلى توفير مياه آمنة، وتحسين الصرف الصحي، وإزالة النفايات، وتوزيع مواد النظافة، وتعزيز التوعية والرصد المبكر للأمراض".
ويوضح أنّ "استمرار هذه الظروف خلال الصيف ينذر بارتفاع الأمراض المعدية والجلدية، وزيادة حالات الجفاف وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال، مع تصاعد الضغط على المرافق الصحية المحدودة".
ويختتم محارب بالتأكيد أنّ "تحسين خدمات المياه، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية، بات ضرورة ملحة لمنع تفاقم الوضع الصحي وحدوث أزمة وبائية واسعة في مخيمات النزوح".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/155-151042-brotherhood-hidden-tumor-spain_700x400_0_0.jpg.webp?itok=_5MluNWJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A7%D9%89%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=3tTx6BSj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D8%B1%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=LrYcCaSw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-07-23%20103729.png.webp?itok=z_xzCccA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0.jpg.webp?itok=vlRuaJ7Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%81_4_0.jpg.webp?itok=casKmhzS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_9_0.jpg.webp?itok=7HDUYZM0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ipda6PSwJpc12Xr16TZX1mxWNP9umb-NIsXB4bueunBKRFDkPJHDsKhugIOy2Q16wHVxOeWJpHSIdsDF8wzb-CVMLPKlxhrx5-x6Czw0BgtQaXMxAFg0LyhYYyLYrvDkS90c1o1QzFsmE8rBXDvrvha00yBytJWJqnGRDURjfVKHi2tVviVRInK6DReQQlHn.jpg.webp?itok=LWrCdx_a)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_8_2.jpg.webp?itok=3cGcUhzy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1.jpg.webp?itok=ZGddJ_6t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yF9sd5NmgG5_04-f-l3lKMJ8UPb56ttim4N7IhmZDdiumCSO6xd9vXthAJSP6sCMJBLL4XD0nJt72TS4WERcexiX5xgpJmvGiSPzb40nzjPImAXaEf1yIe9-2cRTEWQOqO7nEw3jHEhPMe6vv3T4zoe5cxO4zvBrv4ow5EEkNhmmWjsq8Xx85hiK54xtb6yb%20%281%29.jpg.webp?itok=K-qgx0N9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_1.jpg.webp?itok=Ph3gYkX2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_1.jpg.webp?itok=PcOhi24A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_170_0_0.jpg.webp?itok=uBanyx7g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0_dHBLQdmDsIkmNca_ufoHyKZdo8bs-rmxYa22oJTOPJIHeJrSOfGncvNUC73K-Ad0dNdEX9B8g7y4pu1J74F-b1QYvmDseESiSrdiOBezhWcanKckMhZ0MyxNMvfnQvPBEnPM2G7Pcn696o8pCF8TqtSNA7ZmzaIx5MBN7Pnb4HOqaUNzK_wn0A3zljqqsG%20%281%29.jpg.webp?itok=jsPeKV4R)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-07-22%20121756.png.webp?itok=Tg08poTc)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1DSf20GdSOuqTcb5oTVxHNrKFIBmIU31yHMRZdN9Hox6vtEIeX4Lb61Rw87zVA6_UMPtu8vNtKDK_R5jVmtCbIDJC0lX-m0GJDCrICSxKG-2CJeNxUYtlVgw3GO24AnqN5v33z7-3agYfLRVjTtRY_0DHLjSsfvJKplpLbaxIXJSXvUUfe9HDlSUNJbDQL2W%20%281%29.jpg.webp?itok=kjRp-3UQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_3_0.jpg.webp?itok=4fNjnbd7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B3%D9%8A%D9%84_0_1.jpg.webp?itok=Avz3S74g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

