الثورة السورية في عامها التاسع: حصاد مرّ من درعا إلى عفرين

سوريا

الثورة السورية في عامها التاسع: حصاد مرّ من درعا إلى عفرين

مشاهدة

29/03/2020

في الذكرى التاسعة للثورة السورية، ما تزال حلقات النقاش السياسي والثوري تتسع وتتباين إثر جملة التحولات الجارية في سوريا على عدة مستويات، سياسية وميدانية، وكذا الجغرافيا السياسية للبلد بين الأطراف الإقليمية والدولية، ممن تمكنوا من فرض هيمنة سياسية وعسكرية، استمدّ منها الرئيس السوري بشار الأسد شرعيته؛ إذ إنّ من بين النقاشات الدائرة، ما يشير بيأس وإحباط شديدين إلى أنّ الثورة قد فشلت، وتمكّن الأسد من الانتصار عليها.
الاستعصاء الثوري
الشكل الكلاسيكي للثورة الشعبية، العفوية، التي تندلع دون مقدمات وتنظيم، سوف تكون مآلاتها أمام عنف السلطة هو الانحسار والضعف، كما لن تقود إلى إسقاط النظام أو هدمه وتفكيك أركانه، وهو ما يمكن رصده في حالة الاستعصاء الثوري، بالصورة التي مثلتها الثورة السورية؛ حيث تحولت الثورة إلى عمل مسلح، بفعل وحشية النظام، أو بالأحرى بسبب ما يمكن تسميته بـ "صدام الهمجيات"، بتعبير المفكر اللبناني، جلبير الأشقر، بعد أن تورّط النظام السوري في تدشين مجازر عديدة، أبرزها الهجوم الكيماوي على الغوطة، فضلاً عن الهمجية القصوى التي اتّبعها الأسد أثناء قمع الانتفاضة في مراحلها المختلفة، فترتبت عليها أن تكون النواة الرئيسة التي خلفت معها الشروط الكاملة لظهور تنظيمات جهادية وأصولية، استولت على الوضع الثوري.

وبحسب الأشقر؛ فإنّ نظام الأسد هو المستفيد الرئيس من وجود العناصر الجهادية، باعتبارها العنصر الأسهل لممارسة العنف السلطوي ضدّهم، واستغلال وجودهم الميداني لدعايته السياسية، والتغطية على جرائمه، وممارسة أقصى وسائل القمع الوحشية، بدلاً من مواجهة الثورة بشعاراتها الديمقراطية، ومطالبها المدنية والحقوقية والاجتماعية، كما أنّ النظام الطائفي في سوريا هو كذلك أحد العناصر الذي يشكّل جاذبية أخرى لجماعات متطرفة كجبهة النصر وداعش.

الثورة التي انطلقت في آذار العام ٢٠١١ لم تعد موجودة، وكل المعطيات تغيرت على الأرض

بالتالي؛ أضحى العمل المسلح بمثابة الشكل الوحيد تقريباً. بيد أنّ العمل المسلح يفرض الحاجة إلى التسلح، وإلى المال، وبهذا كان في حاجة ملحّة وضرورية إلى التواصل مع معارضة الخارج التي تمتلك المال، خصوصاً الإخوان المسلمين، ومع الدول التي تزعم دعمها الثورة (قطر وفرنسا وتركيا خصوصاً)، حسبما يوضح المفكر السوري، سلامة كيلة، في كتابه: "التراجيديا السورية".
ومن هنا، تبدى مأزق الثورة التي وقعت في حالة من اللاحسم العسكري، والذي لن يفضي إلى أية نتائج؛ حيث إنّ الأفق العسكري للثورة فاشل، طالما لم يرافقه خبرة سياسية، بحسب كيلة، واعتماده فقط على الدعم الإقليمي والخارجي عبر التمويل؛ إذ ليس هناك دعم خارجي وتسليح كافيين يمكنهما أن يتوفرا في هذه المواجهة غير المتكافئة، كما انحصر العمل العسكري على التنازع المناطقي ولحساب المنطق الدفاعي.

هزائم الثورة
ومن جهة أخرى؛ فإنّ "أسلمة" الثورة، بحسب صاحب "الثورة ومشكلات التنظيم"، عملية مقصودة ومتعمدة، كما أنّها كانت مدخلاً للسيطرة السياسية، بغية تحقيق أغراض السلطة؛ حيث تماهت الأصولية الدينية مع خطاب النظام "الاتهامي"، فيما يتصل بعلاقة الثورة بالخارج.

اقرأ أيضاً: "كورونا" سوريا.. هل يكون الوباء فصلاً آخر من المأساة؟
وفي ظلّ تكريس الصورة الأصولية المتشددة حول المشهد الثوري، أضحى الصراع الميداني صراعاً مسلحاً، وانتهى النشاط الشعبي تقريباً، ومن ثم، فرضت القوى الأصولية هيمنتها على مستوى الخطاب والأيديولوجيا، بينما تضخمت دعايتها السياسية لتصبح هي التي تنفرد بقتال النظام، وتحديداً الجماعات والتنظيمات المنتمية لتنظيم القاعدة، والأخيرة كان بمقدورها حشد وتعبئة الجهاديين في العالم إلى سوريا.
ومن ثمّ؛ تجلّت الصورة بتناقضاتها الفجة على هذا النحو، فالبلدان الإمبريالية والدول الرجعية هي التي تدعم الثورة، في حين تدعم روسيا وإيران و"قوى المقاومة" (حزب الله) النظام؛ وأمست القوى الدولية هي التي تتحكم في الصراع.

اقرأ أيضاً: الإمارات تعلن دعمها للشعب السوري في مواجهة كورونا
في حديثه لـ "حفريات"، يرفض الناشط والكاتب السياسي، يسري الدروبي، الإقرار بأنّ الثورة تعرضت للتغيير أو الانحراف عن مسارها، إنما يرى أنّها مرّت بأطوار ومراحل؛ فمن مرحلة السلمية إلى العسكرة ثم هيمنة الإسلاميين والإرهابيين، واليوم، يدور النزاع الدولي والإقليمي بين الوكلاء المحليين لخدمة مصالحهم، وعليه؛ تتحدّد فرص استقرار النظام الذي يضمن لتلك المصالح الاستمرار، سواء في سوريا أو مناطق النزاع الأخرى في الإقليم، بيد أنّ مضمون الثورة السورية واحد يتمثل في "إسقاط نظام الاستبداد العائلوي، والانتقال إلى نظام مدني ديمقراطي تعددي".

اقرأ أيضاً: أردوغان والمستنقع السوري: أسئلة المستقبل
ويضيف: "دعنا نلاحظ أنّ هناك من يعيش في مخيم اسمه الركبان، الموجود على الحدود السورية الأردنية، وهو محاصر من الجهات كافة، ولا يجد الذين يعيشون فيه رغيف خبز يأكلونه، ورغم هذا فالجميع يرفضون العودة إلى مناطق سيطرة النظام، وهؤلاء يقدرون حالياً، ويزيد عددهم عن خمسة آلاف نازح، كما أنّ هناك من يعيش في مخيمات عرسال بلبنان، يتحملون ضغوط الحكومة اللبنانية الحليفة لنظام الأسد، وممارسات مليشات حزب الله، والبرد والصقيع ويرفضون العودة إلى نظام الأسد".

هل انتصر الأسد؟
كما أنّ هناك أكثر من مليون سوري تركوا منازلهم في مناطق ومدن وأرياف محافظتي حماه وإدلب، مؤخراً، واتجهوا إلى شمال وشرق سوريا، يفترشون العراء ويعيشون تحت أشجار الزيتون، بينما يرفضون العودة إلى مناطق سيطرة نظام الأسد، بحسب الدروبي.

نظام الأسد هو المستفيد الرئيسي من وجود العناصر الجهادية، باعتبارها العنصر الأسهل لممارسة العنف السلطوي ضدهم

وبسؤاله عمّا هو رائج بين الأوساط السياسية والإعلامية حول انتصار الأسد وهزيمة الثورة، وكيف يمكن تأويل ذلك سياسياً، يجيب: "الثورة السورية جاءت نتيجة مطالب وحاجات حقيقية ينوء بأعبائها الشعب السوري؛ حيث لم تتبدل طبيعتها الوطنية والديمقراطية، رغم كلّ محاولات الإساءة والتشويه المستمرين، فضلاً عن محاولات استثمار الثورة من قبل أصحاب الأجندات غير الوطنية، سواء كانت قوى متأسلمة محلية أو قوى إقليمية ودولية، بيد أنّ الحديث عن انتصار الأسد، يمكن أن نقول عنه: "لقد انتصرت سيدة بشار الأسد "روسيا البوتينية"، وهذا لا علاقة له بسيادة سوريا المنتهكة من تلك الأطراف والقوى الخارجية، ولا علاقة له بالثورة السورية من قريب ولا من بعيد".

اقرأ أيضاً: يوم تنتهي مسيرة الشقاء السوري
وفيما يتصل بالانتصار على داعش وبعض التنظيمات الجهادية، يرى المصدر ذاته، أنّ هذا النصر لا ينسب للأسد، بل للتحالف الدولي لمحاربة داعش، ولروسيا التي تستخدم الإرهاب شعاراً زائفاً لقتل الناس، وتدمر بنية الدولة التحتية، طمعاً بأموال إعادة الإعمار؛ إذ إنّ بشار الأسد، عملياً، لم يعد يحكم سوريا، بل هي مزرعة ملحقة بملكية بوتين، كما لاحظنا عدة مرات الإهانات المتكررة التي وجهت للأسد من قبل بوتين وموظفيه، حيث تعكس ضآلة حجمه في ظلّ تبعيته المريرة.

نهاية الثورة..؟
الصحفي السوري، علي المأمون، والذي انتقل لخارجها قبل شهور قليل، يؤكد أنّ الحراك السلمي ضدّ ظلم النظام السوري وقمعه انتهى مع بدء الصراع المسلح؛ حيث لم تبقَ هناك ثورة في شوارع المدن، وتحولت لحرب بين السلطة، من جهة، ومسلحي المعارضة المسلحة، من جهة أخرى.
ويضيف لـ "حفريات": "تغيرت أشكال الصراع المسلح، وكذا، أسماء المجموعات على مدى الأعوام السابقة؛ كتنظيم داعش، وجبهة النصرة، والجيش الحر، وأحرار الشام، فداعلش دخل الصراع بهدف تشكيل دولته المزعومة، وعلى المنوال نفسه، انخرطت باقي التنظيمات المتشددة في الصراع، وفق مصالحها ومصالح الدول الراعية لها".

اقرأ أيضاً: خطوات أردوغان القادمة في سوريا؟
ويردف: لقد فشلت المعارضة السورية بشقيها المسلح والسياسي في الانتصار على نظام الأسد، بل تفوق الأخير بقدراته العسكرية ونظام تسليحه المدعوم من روسيا وإيران، فضلاً عن أساليب القمع والظلم الوحشيين، بينما باتت تعمل بعض قوى وفصائل المعارضة التي سقطت في فخ التبعية للقوى الإقليمية الراعية لها، وفق أجنداتها، لا سيما التحالف مع تركيا، في مناطق الشمال السوري، خوفاً من وجود كيان كردي في المنطقة.
ويختتم الصحفي السوري، بأنّ "الثورة، التي انطلقت في آذار (مارس) العام ٢٠١١، لم تعد موجودة، وكلّ المعطيات تغيرت على الأرض؛ حيث تحول الصراع على مناطق النفوذ بين الدول التي دخلت إلى سوريا، والخاسر الأكبر هم الأبرياء الذين فقدوا حياتهم على كامل الجغرافيا السورية من درعا إلى عفرين، في ظلّ تواطؤ الجماعات المسلحة التي تعمل لخدمة الأجندات الخارجية".

اقرأ أيضاً: تركيا ومأساة اللاجئين السوريين: "الأنصار" يتاجرون بـ "المهاجرين"
ورغم أعوام الحرب إلا أنّ النظام لم ينتصر أيضاً، لكنّه حقّق بعض المجازر، وبثّ الرعب في الآخرين، وعمد إلى تهجير السكان وتشريدهم، بالنزوح والقتل واللجوء، في ظلّ حصوله، هو الآخر، على الدعم العسكري واللوجستي من إيران وروسيا.


الصفحة الرئيسية