مبدأ الوقاية عند السلفيين وفن صناعة الأعداء

مبدأ الوقاية عند السلفيين وفن صناعة الأعداء

مبدأ الوقاية عند السلفيين وفن صناعة الأعداء


11/06/2026

كان للخطاب الديني السلفي الذي ظهر منذ سبعينيات القرن الماضي وتمدد بشكل كبير في المجتمع أثر بالغ على ثقافة الناس وتصوراتهم ونمط تفكيرهم، ويبدو ذلك من خلال العديد من المواقف والأحداث اليومية التي تكشف عن طبيعة هذا التأثير وعمقه.

من هذه المواقف الدالة ما حدث تجاه أحد الأفلام السينمائية المعروضة مؤخرًا وهو فيلم "برشامة"، حيث شن التيار السلفي هجومًا حادًا على الفيلم على وسائل التواصل الاجتماعي وعدد من القنوات التلفزيونية، موجهين إلى صُنّاعه العديد من الاتهامات التي تكاد تكون متشابهة في مثل هذه المواقف مثل الحرب على الدين والاستهزاء به، كما حدثت مثل هذه الحملات السلفية تجاه شخصيات ومؤسسات أخرى من قبل، تقوم خلالها بعض الشخصيات السلفية المشهورة بعملية ممنهجة من التخويف والتحذير والتضخيم بشكل يترتب عليه تفاعل كبير من الجمهور الخاص بهم على وسائل التواصل، ويتحول الأمر إلى معركة يكون الدين فيها هو المستهدف الرئيس، ويكون التيار السلفي هو المدافع عن الدين. والسؤال هنا: ما الذي يسعى إليه التيار السلفي من وراء مثل هذه الحملات، وما أثر ذلك على الحالة الدينية في المجتمع؟

ثقافة الخوف

كل شيء في الحياة لا بدّ له من مبرر لوجوده حتى يستمر هذا الوجود ويظل له معنى وتأثير، ومن أهم مبررات وجود التيار الديني بشكل عام هو الفكرة التي تتلخص في أنّ الإسلام مهدد من الكثير من الأعداء ولا بدّ من وجود من يدافع عنه ويعمل على تمكينه بعد أن قام الأعداء بتهميشه، كان هذا مبرر ظهور هذا التيار منذ البداية، وظل هو مبرر وجوده واستمراره حتى اليوم، ويعمل هذا التيار على تغذية هذا الشعور وتأكيد هذه الفكرة وتوظيفها حتى يضمن استمرار حضوره وتأثيره في المجتمع. 

ويمثل هذا الأمر أحد أهم الدوافع التي تجعل التيار السلفي حريصًا على ترسيخ ثقافة الخوف داخل المتلقي، فطالما ظل هناك شعور راسخ بأنّ الإسلام في خطر وأنّ الهوية تتعرض للتهديد وأنّ الأعداء متربصون دومًا؛ فإنّ وجود تيار أو حركة وظيفتها الدفاع والوقوف ضد هؤلاء الأعداء يصبح أمرًا ضروريًا، ولا بدّ حينئذٍ من وجود أعداء حتى لو كانوا متوهمين، حيث يتم صناعة الأعداء من خلال وصف كل مخالف أو صاحب رأي مختلف على أنّه يحارب الإسلام، ويتم إطلاق مجموعة من التوصيفات تبعًا لذلك على هؤلاء، منها أنّهم علمانيون وملحدون، إلى غير ذلك من تصنيفات تضع كل المخالفين في مربع الباطل وتضع التيار الديني في مربع الحق. 

ومن مظاهر هذا الخوف أنّ الخطاب السلفي يتوسع في مفهوم "الشبهة" بدرجة كبيرة حتى يجعلها هي الأصل، فمن المعروف وفقًا للحديث النبوي أنّ "الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما مُشَتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقَى المشبَّهات اسْتَبْرَأَ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراعٍ رعى حول الحمى يوشك أن يواقعه"، لكنّ الخطاب السلفي يحكمه مبدأ "الوقاية خير من العلاج"؛ فيعمل على التخويف من أمور كثيرة ويطلب من الناس الابتعاد عنها لأنّ فيها شبهة، أو لأنّها تحمل بعض الجوانب السلبية بجوار جوانب أخرى إيجابية، فيركز على الجوانب السلبية ويعمل على تضخيمها ويرى أنّها تفسد الإيجابيات حتى وإن كان حجمها أقلّ بكثير.

آثار سلبية

ينتج عن هذا الخطاب عدد من الآثار السلبية؛ منها صناعة شخصية اتكالية، حيث يتحول الفرد متلقي الخطاب إلى شخص عاجز عن التفكير واتخاذ قرارات بمفرده، فهو يشعر دائمأ أنّه في حاجة إلى مرشد أو من يفتي له في كل أمر في حياته وفي كل موقف يمر به، كما يجعله هذا الخطاب في حالة تأهب وتربص بكل من يخالفه الرأي، لأنّه يرى أنّ كل رأي أو فكرة مغايرة لما استقر في ذهنه مخالفة للإسلام وأنّ صاحبها عدو له يعمل على النيل منه، ومن ثم يتحفز ويسارع إلى الهجوم في كل موقف يرى فيه طرحًا مختلفًا أو رأيًا غير مألوف بالنسبة إليه، ويوظف ما ترسخ لديه من تصنيفات وتوصيفات اكتسبها من خلال هذا الخطاب الديني.

ينتج عن هذا الخطاب أيضًا التوسع في دائرة التحريم والمنع، والتعامل مع كل الأمور على أنّ بها شبهات والأفضل الابتعاد عنها، وهذا يخلق في بعض الأحيان قدرًا من الكبت لدى الفرد، يتحول في ظروف معينة إلى نوع من التمرد والرغبة في الخروج عن الأطر المفروضة، وقد حدثت تحولات كثيرة لأفراد كانوا ينتمون إلى التيار السلفي، حيث تحول البعض منهم إلى شخص ناقم على تجربته الشخصية مع هذا التيار، ومنهم من أصابته الاضطرابات النفسية بسبب الحرمان والخوف الناتج عن هذا الخطاب وعن العيش داخل هذا الإطار، ومنهم من تحول إلى النقيض من شخص متدين إلى شخص خارج إطار التدين أو خارج إطار الدين بالكليّة في أحيان أخرى.

وينتج عن ذلك أيضًا صناعة الكثير من الأعداء، وتضييق المساحات التي يمكن أن يلتقي فيها الأفراد الذين ينتمون إلى تيارات فكرية مختلفة، وتوسيع دائرة الانقسام داخل المجتمع، حيث يعتقد أصحاب هذا الخطاب والمتأثرون به أنّ الحقيقة لها وجه واحد، وأنّ الرأي الصحيح هو ما يرونه هم فقط، وأنّ كل رأي آخر هو مخالف للدين وصاحبه يسعى إلى الإضرار به، وهو ما يخلق التطرف في المجتمع ويجعل منه ثقافة راسخة تنتج العديد من المشكلات والأزمات الأخرى.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية