
ممّا يُميز جماعة الإخوان قدرتها على الجمع بين المتناقضات، ففي حين تقدّم نفسها على أنّها جماعة دينية تسعى إلى إعادة الناس إلى الإسلام الصحيح الذي تحمل مفاتيح فهمه، وفي حين تصف نفسها دومًا بأنّها "الجماعة الربّانية"، في إشارة إلى أنّها تستمد منهجها من الله، وأنّها تتميز بالنقاء والطهر، فإنّها، من خلال العديد من الشواهد عبر تاريخها، تقوم بالعديد من الممارسات غير الأخلاقية، ومنها الكذب الذي تستخدمه بصور مختلفة لتحقيق مصالح تنظيمية وسياسية ودعوية. فكيف تكذب جماعة الإخوان، ولماذا؟
للكذب صور كثيرة
يتخذ الكذب عند جماعة الإخوان صورًا متعددة، يبدأ مع خطوات الفرد الأولى نحو التنظيم، فمنذ البداية وعندما تعمل الجماعة على نسج خيوطها حول من ترى فيهم أهليتهم لأن يكونوا أعضاء محتملين وهي تمارس الكذب، فالطريقة التي يتعرف الفرد فيها على الجماعة يلفها الغموض ويغلفها الكذب، فالعضو المحتمل يجد من يتقرّب إليه ليتعرف عليه ويطلب صداقته ويمدّ إليه يد المساعدة في المواقف المختلفة، ثم يشاركه بعض الأنشطة، ويدخله بشكل متدرج إلى مجتمع جديد، حتى يجد نفسه مع الوقت منعزلًا عن عالمه السابق ومندمجًا في عالم جديد له حدوده الخاصة وسماته التي تميزه عن الآخرين، ثم بعد فترة يدرك أنّ هذا المجتمع هو مجتمع الإخوان، وأنّه أصبح أحد أعضائه دون مصارحة من البداية بأفكار التنظيم وأهدافه، ودون حرية في الاختيار سواء بالرفض أو القبول، وهذه أولى صور الكذب داخل الجماعة.
ومع الأيام الأولى داخل الإخوان يتدرب الفرد على ممارسة الكذب كأسلوب حياة وطريقة للتكيف مع الواقع الذي يعيش فيه، فيبدأ في إخفاء هويته وانتمائه عن أقرب الناس إليه، ويختلق المبررات والحجج والأعذار لأسرته حتى يستطيع أن يمارس الأنشطة الخاصة بالجماعة ويؤدي التكليفات والالتزمات الناتجة عن عضويته بها، فيتعلم الكذب في العديد من المواقف، ويحسن إخفاء الحقيقة، ويجيد التظاهر بأمور على خلاف الواقع، من أجل الحفاظ على سرّية التنظيم وعلى مصلحته الخاصة وأمنه، حتى يتحول الأمر إلى سمة أصيلة تظهر في العديد من المواقف وعند الحاجة.
ولا يقتصر الكذب على إخفاء الانتماء وتداعياته، ولكنّه ينتقل إلى الأفكار، فمن الممكن أن تجد تصريحًا أو حديثًا لأحد قيادات الجماعة ورموزها يخالف بعض الأفكار الواردة في أدبياتها، أو يقول أحدهم رأيًا في سياق ما أو في وقت معين، ثم يغيره في سياق آخر دون الاستناد إلى مراجعة، ولكن استجابة للسياق فقط، كما أنّ أفراد الجماعة لا يعلنون عن أفكارهم بوضوح أمام الناس بالشكل الذي يتوافق مع القناعات الداخلية، ولكن يحكمه أيضًا السياق والمصلحة، وهذا الأمر ليس جديدًا أو طارئًا على الجماعة، فالبنا هو من أسس لهذا السلوك، فقد كان لا يعلن عن أفكاره وتفاصيل مشروعه ومراحل العمل والأهداف دفعة واحدة، ولكنّه كان يعلن عن ذلك حسب الظروف، وإذا توفرت الشروط اللازمة والوقت المناسب، ولذلك لم يكن يعلم الكثير من الإخوان في حياة البنا، حتى القيادات، تفاصيل كثيرة عن مشروع الجماعة وأهدافها ومراحلها، ولا معلومات كثيرة عن أنشطة الجماعة المختلفة، وكان البنا يتمتع بالقدرة على المراوغة التي تسمح له باتخاذ مواقف مختلفة ومتناقضة ومخالفة لقناعته الأصيلة حسب الظروف وحسابات المصالح.
ومن صور الكذب كذلك توصيف الأمور على غير حقيقتها من أجل تحقيق مكتسبات سياسية معينة، ومثال ذلك ما كان يروّج له الإخوان في الاستفتاء على الإعلان الدستوري في العام 2011، فقد كان يتم الترويج بأنّ المسيحيين، بتوجيه من الكنيسة، يرفضون التعديلات لأنّها تعمل على ترسيخ الهوية الإسلامية، وأنّ على المسلمين أن يقوموا بالتصويت بـ "نعم" على التعديلات، والحقيقة أنّ الهدف من الدعوة إلى الموافقة على التعديلات هو رغبة الإخوان في إجراء الانتخابات التشريعية قبل صياغة الدستور ليضمنوا الحصول على نسبة كبيرة من المقاعد، ومن الأمثلة كذلك طريقة الدعاية في الانتخابات الرئاسية في العام 2012 حيث كان من بين الهتافات التي يرددها الإخوان في مسيراتهم الانتخابية "علّم على الميزان علامة تشفع لك يوم القيامة"، والميزان كان هو الرمز الانتخابي لمرشح الإخوان، ويتضح هنا التوظيف السياسي للدين وإيهام الناس بأنّ اختيارهم لمرشح الإخوان سوف يكون سببًا لدخول الجنة! ومن الأمثلة أيضًا ما ذكره عضو الجماعة السابق أبو العلا ماضي من أنّ يوسف ندا، وهو أحد رموز الإخوان، قال له إنّه هو الذي قام بتأليف كتاب "أيام من حياتي" المنسوب إلى زينب الغزالي القيادية في الجماعة، والتي ذكرت فيه مواقف عن التعذيب في السجن خلال المرحلة الناصرية، وقد كتب ندا الكتاب وبالغ في تلك المواقف بشدة، وتمّ وضع اسم الغزالي عليه من أجل تشويه جمال عبد الناصر، وذلك في إطار الصراع معه، ومن أجل كسب تعاطف شعبي توظفه الجماعة في تحقيق مكتسبات سياسية.
ومن صور الكذب أيضًا ممارسة الجماعة للعنف في بعض المراحل من تاريخها وعدم الاعتراف بذلك أمام الرأي العام، حيث تنكر دومًا، حتى أمام أفراد الجماعة، أنّها قامت باستخدام القوة أو أنّها مارست العنف قديمًا أو حديثًا، وكثير من الأفراد لا يعرفون تفاصيل الأعمال التي تم استخدام القوة فيها من جانب الجماعة في إطار صراعها مع الدولة.
لماذا يكذب الإخوان؟
هناك العديد من الدوافع والأسباب التي تقف وراء استخدام الإخوان للكذب في العديد من المواقف وعند الحاجة، ويأتي الدافع الأول والرئيس من خلال الصورة الذهنية الراسخة لدى الجماعة عن نفسها؛ فالإخوان يرون أنّهم يمثلون الإسلام، وأنّهم الجماعة التي يقع عليها عبء إعادة المجتمعات إلى الإسلام وإقامة الدولة الإسلامية كما فعل الجيل الأول من الصحابة. فالإسلام في نظرهم غائب عن الحياة ولا بدّ من فئة مؤمنة تعمل على إعادة تطبيقه بصورته الصحيحة، ويترتب على هذا نتيجة مفادها أنّ استمرار الجماعة والحفاظ عليها وحمايتها يصبح فريضة دينية وضرورة واقعية، وذلك من باب ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب، وبالتالي فإنّ ممارسة بعض الأفعال غير الأخلاقية وممارسة الكذب عند الضرورة ممكن من أجل تحقيق هذا الهدف الكبير، ويدخل في إطار الصورة الذهنية كذلك أنّ الجماعة تعتبر نفسها الحق المطلق في مقابل الباطل المطلق، وبالتالي فإنّها يمكن أن تمارس الكذب في إطار صراعها مع الخصوم/ الباطل بهدف تشويهه وكسب تعاطف شعبي أو تحقيق مكتسبات معينة.
أيضًا من الدوافع والأسباب طبيعة الجماعة التي تعتمد على العمل السرّي في أغلب الأوقات والتفاصيل، فالسرّية تفرض عليها الغموض والكذب وعدم التصريح بأمور كثيرة وإبداء أشياء عكس الحقيقة، وهذه إحدى نتائج السرّية التي تفرز العديد من العيوب والمشكلات الأخرى. أيضًا من الأسباب الطبيعة البراغماتية للجماعة، التي أسّس لها البنا منذ نشأتها، فهذه الطبيعة تجعل لديها القدرة على المرواغة وتغيير المواقف والأفكار والآراء حسب الظروف ومصلحة التنظيم.
وهكذا تأتي ممارسة الإخوان للكذب كإحدى النتائج المترتبة على طبيعة الجماعة وعلى العيوب البنيوية الكامنة فيها، فاعتقادها بأنّها تمثل الإسلام، وأنّ المجتمعات غاب عنها الإسلام، وأنّها الجماعة التي وقع عليها اختيار القدر لإنقاذ العالمين كما يقول البنا، وطبيعتها البراغماتية الانتهازية، وتنظيمها السرّي؛ كلّ ذلك أفرز العديد من العيوب والمشكلات، ومنها استحلال الكذب وتبريره واعتباره أداة لنشر الدعوة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_3_3.jpg.webp?itok=ljJYbzw3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_0.jpg.webp?itok=v2TFnTqk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/untitled-design-%288%29-xvB2M1.png.webp?itok=NCHUSu9t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_6_3_1.jpg.webp?itok=Kw4Dd8xA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/690a210f4236040ae8401d45.jpg.webp?itok=Qi1vrHID)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%82%D9%84%D8%A7%D8%A8_1.jpg.webp?itok=g550to_n)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_13_0_0.jpg.webp?itok=Z77FcuxM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B17_0.jpg.webp?itok=_NEWjZUr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_1.jpg.webp?itok=0khZilrZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1.jpeg.webp?itok=NWckZXvy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86_22_12_0.jpg.webp?itok=1Hy2d7Fm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f5293688-9864-4ce0-b5fd-1b2017e77ac2_0.png.webp?itok=DHNzQ9OE)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)