
تتصدر مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، المشهد العسكري والإنساني في السودان كأحد أهم المراكز الاستراتيجية والحضرية؛ حيث تمثل العصب الرابط بين العاصمة الخرطوم ووسط البلاد من جهة، وإقليمي كردفان ودارفور من جهة أخرى. ومع وجود أكثر من 600 ألف نسمة من سكانها الأصليين، مضافاً إليهم مئات الآلاف من النازحين الفارين من فظائع المعارك في ولايات غرب وجنوب كردفان ودارفور، تحولت المدينة إلى ملاذ إنساني شديد الهشاشة.
ومع تحول المدينة عقب فك حصارها مطلع العام الماضي إلى مركز قيادة متقدم للعمليات العسكرية للجيش السوداني، بدأت تتبلور استراتيجية خطيرة تقودها مجموعات "المستنفرين" ومليشيات الحركة الإسلامية المتحالفة مع الجيش. لا تقتصر هذه الاستراتيجية على العمل العسكري المباشر، بل تنبثق منها حملة بدعاية استباقية ممنهجة تهدف إلى تفخيخ المشهد الإنساني، وتوظيف معاناة المدنيين كغطاء سياسي وعسكري لتمرير أجندات ميدانية وجرائم حرب في جبهات أخرى داخل الولاية.
احتجاز المدنيين كدروع بشرية
تُجمع الشهادات والمصادر الميدانية الموثوقة على أنّ مليشيات الحركة الإسلامية والعصابات المسلحة التابعة لها، والتي أحكمت سيطرتها الفكرية والعسكرية على الأبيض منذ أواخر أيار (مايو) الماضي، فرضت طوقاً خانقاً على منافذ المدينة. ولم يكن هذا الطوق موجهاً نحو الخارج، بل استهدف بالدرجة الأولى منع المدنيين والنازحين من مغادرة المدينة.
قامت هذه المجموعات بإغلاق كافة الطرق والمسارات المؤدية إلى خارج الأبيض، ووجّهت تحذيرات مباشرة وصارمة للمواطنين، والنازحين على وجه الخصوص، من أي محاولة للفرار. وتجاوز التهديد المنع اللفظي إلى إبلاغ السكان بأن مَن يحاول الخروج سيواجه الاعتقال الفوري بتهم العمالة، أو الإعدام الميداني دون محاكمة. ترافق ذلك مع تصاعد مخيف في الانتهاكات الممنهجة داخل الأحياء، والتي شملت عمليات الاختطاف، والاحتجاز التعسفي في معتقلات سرية، فضلاً عن تسجيل حالات اغتصاب واعتداء جنسي ضد النساء، واستخدام العنف المفرط كأداة لكسر إرادة المجتمع المحلي وإجباره على البقاء.
يكشف هذا السلوك عن إصرار قيادة المليشيات الإسلامية على اتخاذ مئات الآلاف من الأبرياء "دروعاً بشرية"، ووضعهم عمداً في خطوط المواجهة المرتقبة مع قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها. الهدف من هذا الاحتجاز القسري هو استخدام الكثافة السكانية كورقة ضغط أخلاقية وعسكرية، وتحويل المدنيين إلى وقود للحرب وضحايا محتملين للاستثمار في دمائهم إعلامياً لاحقاً.
لا تتوقف الجريمة عند ترويع السكان جسدياً، بل تمتد لتشمل فرض ضغوط معيشية واقتصادية بالغة القسوة. فقد أدى إغلاق الطرق والتحكم في حركة النقل والخدمات إلى شلل شبه تام في تدفق السلع الأساسية والمستلزمات الطبية، مما نتج عنه ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية وانعدامها. تهدف هذه السياسة الممنهجة إلى خلق حالة من الذعر، الهلع، والإنهاك المعيشي المستمر بين السكان، مما يجعلهم رهائن بشكل كامل لسطوة المليشيات المسيطرة.
يأتي هذا السلوك المليشياوي في تحدٍ صارخ للتحذيرات الدولية، وعلى رأسها التحذير الشديد الصادر عن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، والذي أكد فيه بشكل حازم على ضرورة تجنيب المدنيين في الأبيض أي مواجهات وشيكة، والالتزام بفتح ممرات آمنة تضمن حريتهم الكاملة في التنقل والمغادرة؛ وهي التحذيرات التي ضربت بها الآلة العسكرية والإخوانية عرض الحائط.
التضليل الإعلامي وصناعة الروايات الاستباقية
بالتوازي مع الحصار الميداني، تدير الآلة الدعائية للإخوان المسلمين حملة تضليل إعلامي واسعة النطاق وعابرة للمنصات، صُممت بدقة لمحاكاة السيناريوهات الدعائية التي تم استخدامها سابقاً إبان أحداث مدينة الفاشر ومخيم "زمزم" للنازحين في شمال دارفور.
تعتمد الحملة الحالية على ضخ كميات هائلة من الصور ومقاطع الفيديو المفبركة والمعدلة، والترويج لروايات وسيناريوهات مسبقة الصنع حول "انتهاكات وحشية وشيكة" يزعمون أنّ قوات "تأسيس" والدول الداعمة لها تعتزم ارتكابها فور دخولها المدينة. إنّ عملية التضخيم المتعمد لخطر الهجوم على الأبيض لا تنبع من حرص على سلامة المدينة، بل هي بروباغندا استباقية تهدف إلى شحن الرأي العام الداخلي والخارجي بشعارات عاطفية تبرر العنف المفرط للجيش، وصناعة غطاء دولي يبرر العمليات العسكرية الجارية عبر استدرار إدانات مسبقة، وهو ما تجلى في استغلال البيانات المشتركة لبعض الدول لتحويل الأنظار عن الفاعل الحقيقي للانتهاكات على الأرض، وشيطنة الخصوم عسكرياً وسياسياً عبر إلصاق التهم بهم مسبقاً قبل وقوع أي حدث ميداني.
تحويل الأنظار عن جبهات شمال كردفان للتغطية على جرائم الحرب
المحرك الأساسي وراء تركيز الضوء الإعلامي الكثيف على مدينة الأبيض هو الرغبة في خلق "ستار دخاني" يحجب الأنظار عن التحضيرات العسكرية الضخمة والانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها الجيش السوداني ومليشيات المستنفرين في جبهات ومحليات شمال كردفان، وتحديداً في مناطق جبرة الشيخ، رهيد النوبة، بارا، والمزروب.
وكشفت المعلومات الميدانية الاستقصائية أنّ لواء المستنفرين الإسلامي تحرك من الأبيض مستهدفاً منطقتي أم سعدون والمُرّة (على بعد حوالي 70 كيلومتراً) بهدف إخضاع مناطق بارا والمزروب. وخلال هذه العمليات، ارتكبت هذه المليشيات جرائم حرب مكتملة الأركان شملت القصف العشوائي والعنف المفرط، مما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى بين المدنيين العزل وتدمير أحياء سكنية كاملة، والنهب والسلب المنظم، حيث تعرضت منطقة "المُرّة" لعمليات نهب واسعة النطاق لكافة ممتلكات المواطنين عقب دخول المليشيا إليها، قبل أن تضطر للتراجع تحت وطأة التصدي الميداني لها.
بعد تعثر تقدم هذه المليشيات وانحسار نطاق حركتها في محيط منطقة "أم روابة" إثر المواجهات الأخيرة، انصبت جام غضبها على القرى والمناطق المحيطة عبر ارتكاب انتهاكات واسعة بحق السكان المحليين للتغطية على إخفاقها العسكري.
وتوضح هذه الوقائع أن الصراخ الإعلامي الإخواني حول الأبيض ليس إلا وسيلة لشرعنة هذه التحركات العسكرية الدموية في الجبهات الأخرى وتوفير غطاء سياسي لها.
تترافق حملة التضليل مع سياسة "القبضة الحديدية" داخل الأبيض لإسكات أي صوت يعارض الرواية الرسمية؛ حيث تشهد المدينة عمليات ترويع وإرهاب ممنهجة تستهدف الناشطين، الصحفيين، والمدنيين الذين يطالبون بضرورة إجراء تحقيقات مستقلة ونقل الحقائق بحيادية.
وتسعى المليشيات الإخوانية بكل قوتها إلى رفض ومنع دعوات المنظمات الدولية وحقوق الإنسان الساعية للتحقق من الوقائع على الأرض قبل اتخاذ أي مواقف سياسية. إن طمس الأدلة وتكميم الأفواه يعد ركناً أساسياً في استراتيجية الجيش لضمان عدم وصول التقارير التي توثق أعمال السلب والنهب والقتل الواسعة التي يقوم بها "المستنفرون" منذ سيطرتهم على المدينة.
أمام هذا التدهور الخطير والمخطط الإجرامي لتوظيف الملف الإنساني، فإنّه ينبغي دعوة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان إلى عدم تبني الروايات الجاهزة أو المواقف المسبقة الصنع الصادرة عن الآلة الدعائية للجيش والإخوان، وضرورة إرسال لجان تحقيق مستقلة للتحقق من الصور والفيديوهات المفبركة وكشف زيفها. مع ممارسة ضغوط دولية حاسمة وفورية على قيادة الجيش والمليشيات الإسلامية في الأبيض لإجبارهم على فتح الطرق والممرات الآمنة، والسماح للمدنيين والنازحين بالمغادرة دون قيد أو شرط، والتوقف عن تهديدهم بالتصفية والاعتقال.
كذلك لابد من إلزام أطراف النزاع بعزل القضايا المعيشية وحركة نقل البضائع والخدمات الأساسية عن الصراع العسكري، ووقف فرض المعاناة الاقتصادية كأداة من أدوات الحرب ضد مواطني الأبيض. وحث وسائل الإعلام الإقليمية والدولية على تبني التوازن المستند إلى الحقائق الميدانية الموثقة، وإعادة توجيه البوصلة الإعلامية نحو الانتهاكات وجرائم الحرب الخفية التي ترتكبها مليشيات المستنفرين في جبرة الشيخ، رهيد النوبة، أم روابة، وغيرها من مناطق شمال كردفان. مع إدراج قادة المليشيات الإسلامية ولواء المستنفرين المتورطين في جرائم القصف العشوائي، النهب، والاعتداءات الجنسية، واتخاذ المدنيين دروعاً بشرية، ضمن قوائم العقوبات الدولية وملاحقتهم أمام العدالة الجنائية الدولية كمرتكبي جرائم حرب.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1_5_4.jpg.webp?itok=xDBDAPfP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%B9%D9%8A%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%81%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A.jpg.webp?itok=rZesXfQv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8_77_0_0_4.jpg.webp?itok=6-C-ifoA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_4.jpg.webp?itok=j8uCSdgw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D9%88%D9%85_0_0_0_0.jpg.webp?itok=m_GnUzM6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_0.jpg.webp?itok=bE2_Ah-g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D9%8A%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=IZGOGP9L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%AC%D9%88%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D9%85%D8%A3%D8%B1%D8%A8.jpg.webp?itok=vEDPj7id)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9.jpg.webp?itok=sYmdnbQa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22.jpg.webp?itok=d0zAs0_H)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%A9.jpg.webp?itok=waHcFty-)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%B9%D8%AF_4_0_1.jpg.webp?itok=z0NH8KoL)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1mpDtUyNuppx5wA4RLM50kLzs-N3DVqtOFyLTsKQNOfdoNI0SXRL41L4TalauhrWnJzqNeiqiO19JLllbIww_gs_Xbex6oxfXqqIunFxOaVjs5bblfAvwHVGIYs2GvUiK1Vlz9__xWFQ-OlxXYWNN2bh4KIE6hZR9C1VX4TG5UdHmS6xMn0k_qyTLoEXU6Io.jpg.webp?itok=4u-QQL8o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%81%D9%88%D8%B1_3.jpg.webp?itok=wrsAg3D5)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)