
الطيب ولد العروسي
في قلب غزة، وفي مركزها التاريخي الممتد عبر قرون، حث تداخل الحرب مع أدق تفاصيل الحياة اليومية، يعيش المدنيون لحظات لا يمكن تصورها من الألم والرعب والخوف المستمر. هناك، لا تُقاس الأيام بالزمن، بل بعدد الغارات، ولا تُحفظ الذاكرة بالصور العائلية، بل بأصوات الانفجارات وصرخات الفقد.
في هذا السياق القاسي، يأتي كتاب الصحافي الفلسطيني رامي أبوجاموس"غزة، حياة: رحلة أب وابنه بين القصف والخوف"، الصادر في باريس عن منشورات "ستوك" في 208 صفحة، بوصفه شهادة إنسانية حيّة، تتجاوز التوثيق الصحافي إلى سرد تجربة وجودية عاشها الكاتب مع زوجته وطفله الصغير وليد، خلال واحدة من أكثر موجات النزوح مأساوية منذ بداية التصعيد العسكري الأخير على قطاع غزة.
بين اللعب والخطر
لا يقدّم أبوجاموس في كتابه رواية سياسية تقليدية، ولا تقريرًا إخباريًا جافًا، بل يحبك سردًا إنسانيًا نابضًا بالتفاصيل اليومية، حيث تتجاور الأبوة مع الخوف، واللعب مع القصف، والأمل الهش مع تهديد الموت في كل لحظة. إنّه كتاب عن الحياة في أقسى تجلياتها، وعن محاولات التمسك بالمعنى وسط عالم يتداعى.
يحاول رامي أبوجاموس، بصفته أبًا قبل أن يكون صحافيًا، أن يصون طفولة ابنه وليد، الذي لم يتجاوز الثالثة من عمره، في بيئة تعجز اللغة نفسها عن وصف فظاعتها. في مواجهة واقع لا يرحم، يلجأ الأب إلى أبسط الوسائل وأكثرها إنسانية: الكلمات. يقول له: "أحسنت! الآن ارسم لي دائرة"، محاولًا أن يخلق فقاعة أمان صغيرة وسط الانفجارات المتتالية، وأن يحوّل المنزل، ولو مؤقتًا، إلى مساحة آمنة.
في عالم الطفل الصغير، تتحوّل الطائرات المسيّرة إلى طيور تحلق في السماء، والانفجارات إلى ألعاب نارية، بينما يحاول الأب والأم الحفاظ على بقايا البراءة وسط الخراب والدمار. هذه المقاربة في التعامل مع الخوف لا تهدف فقط إلى حماية الطفل جسديًا، بل تسعى قبل كل شيء إلى وقايته نفسيًا من رعب يومي يهدد بتشويه وعيه المبكر بالعالم.
في التاسع من نوفمبر 2023، كان من المفترض أن تحتفل العائلة بعيد ميلاد صباح، زوجة رامي، مع الجيران. لم يكن الاحتفال يتجاوز وجبة ساخنة في زمن الندرة، غير أن الواقع فرض مساره الدموي. بعد استهداف الطابق الأرضي من البناية التي يقطنونها، وجد الحي نفسه محاصرًا بالدبابات، فيما كانت أصوات القصف والطائرات المسيّرة تطوق المكان من كل جانب.
اختبأت العائلة داخل شقة أحد الجيران، في ليلة تحوّلت إلى اختبار قاسٍ للبقاء. انفجارات تتكرر كل ثلاث دقائق، الأرض تهتز تحت جنازير الدبابات، وأزيز الطائرات المسيّرة يملأ الفضاء، إلى جانب رشقات نارية متقطعة. يصف أبوجاموس هذه الليلة بوصفها مواجهة مباشرة مع تهديد غير مسبوق، خصوصًا مع استخدام طائرات صغيرة مسلحة، بعضها مزوّد بمكبّرات صوت لبث رسائل ترهيب ودفع المدنيين إلى الخروج من مخابئهم.
رحلة محفوفة بالمخاطر
مع بزوغ الفجر، بدأت العائلة، بالتنسيق مع الجيران، البحث عن خطة خروج قد تضمن الحد الأدنى من النجاة. تلقّوا إشعارًا من ضابط مخابرات إسرائيلي يُعرف باسم «أبو عدي»، يطالبهم بمغادرة الحي فورًا، مؤكدًا أن الجيش سيقوم بتدمير المباني في المنطقة.
ارتدت العائلة ملابس فاتحة، وحملت رايات بيضاء في إشارة إلى أنها تضم مدنيين غير مسلحين، وتحركت ضمن مجموعة واحدة. حمل رامي ابنه وليد بين ذراعيه، محاولًا تهدئة زوجته صباح، فيما كانت أصوات الرصاص والطائرات المسيّرة تحيط بهم من كل جانب. في تلك اللحظات، تحوّلت كل خطوة إلى مغامرة وجودية، وكل متر يُقطع إلى مسافة فاصلة بين الحياة والموت.
خلال رحلة النزوح، توالت المآسي أمام أعين العائلة: جيران يسقطون برصاص القناصة، مصابون يُتركون على الأرض دون إسعاف، وفوضى تعمّ نقاط الإخلاء. ومع ذلك، لم يتوقف رامي عن محاولاته المستميتة لحماية ابنه من استيعاب حجم الكارثة. كان يتحدث إليه بنبرة مرحة، محوّلًا الخطر إلى لعبة، والخوف إلى وهم آمن.
شهادة وسط الحرب
في إحدى أكثر اللحظات مأساوية، اخترقت رصاصة رأس جارهم أحمد الأطبش، بينما كان والده يصرخ ويحمل الراية البيضاء. ومع ذلك، واصل رامي توثيق كل شيء بالصوت والصورة، مدفوعًا بإحساسه العميق بالمسؤولية، ليس فقط كصحافي، بل كشاهد مباشر على الجريمة، حاملًا الرواية الفلسطينية إلى وسائل الإعلام العالمية.
بعد ساعات طويلة من السير والتنقل، وصلت العائلة إلى رفح، حيث استأجرت شقة صغيرة وفّرت لها قدرًا نسبيًا من الأمان. هناك، تمكّنت صباح من التواصل مع ابنها الأكبر، فيما واصل رامي عمله التوثيقي، ساعيًا إلى تقديم شهادة حيّة عن الحياة اليومية في غزة، في ظل حرب إعلامية لا تقل شراسة عن الحرب العسكرية على الأرض.
لا يمثّل كتاب «غزة، حياة» مجرد سرد لتجربة شخصية، ولا يقتصر على توصيف الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بل يشكّل شهادة إنسانية عميقة عن قدرة المدنيين، وخصوصًا الأطفال، على الصمود في مواجهة العنف والتدمير اليومي. من خلال التفاصيل الصغيرة واليومية، يرسم رامي أبوجاموس صورة واقعية للحياة في قطاع غزة، حيث يمتزج الخوف بالأمل، والمأساة بالإصرار على النجاة والحفاظ على الكرامة الإنسانية.
يثبت هذا الكتاب أن الإعلام الإنساني، حين ينبع من التجربة المباشرة، قادر على أن يكون أكثر تأثيرًا وصدقًا من أي خطاب رسمي، وأن الرواية الشخصية قد تتحوّل إلى أداة مقاومة بحد ذاتها، في مواجهة آلة عسكرية لا ترحم، عبر تثبيت الذاكرة، وحفظ صوت الضحايا، ومنحهم حق الحكاية.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%AC%D9%88%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D9%85%D8%A3%D8%B1%D8%A8.jpg.webp?itok=vEDPj7id)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D9%8A%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=IZGOGP9L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D9%88%D9%85_0_0_0_0.jpg.webp?itok=m_GnUzM6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_1_0_12.png.webp?itok=NlkJmy2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_0.jpg.webp?itok=bE2_Ah-g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%B9%D9%8A%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%81%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A.jpg.webp?itok=rZesXfQv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1_5_4.jpg.webp?itok=xDBDAPfP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8_77_0_0_4.jpg.webp?itok=6-C-ifoA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_8_1_0.jpg.webp?itok=ROuWl0it)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22.jpg.webp?itok=d0zAs0_H)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9.jpg.webp?itok=sYmdnbQa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%B9%D8%AF_4_0_1.jpg.webp?itok=z0NH8KoL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%A9.jpg.webp?itok=waHcFty-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1mpDtUyNuppx5wA4RLM50kLzs-N3DVqtOFyLTsKQNOfdoNI0SXRL41L4TalauhrWnJzqNeiqiO19JLllbIww_gs_Xbex6oxfXqqIunFxOaVjs5bblfAvwHVGIYs2GvUiK1Vlz9__xWFQ-OlxXYWNN2bh4KIE6hZR9C1VX4TG5UdHmS6xMn0k_qyTLoEXU6Io.jpg.webp?itok=4u-QQL8o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_2.jpg.webp?itok=6xnH0ImP)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%81%D9%88%D8%B1_3.jpg.webp?itok=wrsAg3D5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)