كيف عكس حزب التحرير أزمة الإسلام السياسي؟

كيف عكس حزب التحرير أزمة الإسلام السياسي؟

مشاهدة

27/07/2019

يمثّل الإسلام السياسي أزمة الدولة والمجتمعات في سعيها إلى الشرعية والحداثة والانسجام مع الشريعة الإسلامية، لكنّ حزب التحرير يعكس أزمة الإسلام السياسي، في تصدّعه وتكيّفه مع أهدافه المثالية ومتطلبات المشاركة والبقاء والمكاسب السياسية والاجتماعية.

اقرأ أيضاً: حزب التحرير: الخلافة الإسلامية والأسطورة المهدوية

ففي تعاملها الواقعي مع الأفكار والأهداف التي وضعتها لنفسها، جماعة الإخوان المسلمين، وجدت أنّها في حاجة إلى أن تكيّف نفسها جماعة دعوية وتأثيرية وأن تتحايل بالمرحلية والواقعية للتخلّي عن الأهداف الكبرى التي بدت مستحيلة؛ حيث تتكرس الدولة الحديثة، وتختفي الإمبراطوريات، ومنها بالطبع الخلافة الدينية، التي رأت الجماعة نفسها محاولة لاستئنافها، ثم -وفي حاجتها للمشاركة مع السلطة السياسية وحماية نفسها أيضاً من بطشها- فإنّ الجماعة اختارت مجموعة من المحددات والحدود لعملها، بحسب القوانين المتبعة وقدرتها العملية على التأثير والتحرك، وهكذا فقد تحوّلت جماعة الإخوان المسلمين من مشروع كبير جداً، في بعده النظري إلى مشروع عملي واقعي، لا يتجاوز كونها جماعة دعوية وتأثيرية تعمل من خلال القوانين والأنظمة المتبعة باعتبارها جزءاً من الدولة والمجتمع.

نجح حزب التحرير الناشئ في الانتشار وسط شباب الإخوان المسلمين في فلسطين وفي دول عربية كثيرة

وبالطبع؛ لا بدّ من أنّه تحوّل أنشأ أزمة لدى كثير من المتعلقين بهدف الخلافة المركزية للمسلمين، والذين شاركوا في جماعة الإخوان المسلمين لأجل هذا الهدف، فنهضت مجموعة من الشباب، في أوائل الخمسينيات، لاستعادة الرواية الأصلية المنشئة للجماعة، وهي إقامة الدولة الإسلامية في هيئة الخلافة التي كانت الطابع العام والشكلي غالباً للأمة الإسلامية في تاريخها.

اقرأ أيضاً: حزب التحرير: شعارات عالية السقف لتعويض الحضور الخافت
لقد تحوّل النظام الاجتماعي السياسي السائد في العالم (الإمبراطوريات) إلى مسألة دينية لدى معظم المسلمين، فقد كرّست السلطة السياسية، على مدى القرون، فكرة الحكم على أنّها أمر إلهي، وأنها تستمدّ واجب الولاء والطاعة من التكليف الديني للمسلمين، لكنّه واقع لم ينشئه الفهم الديني المجرد، بل العكس؛ فإنّه فهم ديني ناشئ عن الواقع السياسي والاجتماعي الذي انهار ولم يعد قائماً، منذ الحرب العالمية الأولى، وفي جميع أنحاء العالم، لتحلّ محله دول مركزية قائمة على المواطنة والحدود الجغرافية والإقليمية، وبدأ الإخوان المسلمون بالفعل ينسون فكرة الخلافة، لينشغلوا بتطبيق الشريعة على مستوى الدول والمجتمعات التي ينتمون إليها ويعملون من خلالها.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي
ويعتقد بعض الباحثين؛ أنّ سيّد قطب ألهم بكتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام" والذي صدر عام 1947، مجموعة من شباب الإخوان المسلمين، وغيرهم، من أجل بناء نموذج عصري جديد للإسلام، يستوعب الاشتراكية التي بدأت تصعد وتؤثر في عالم العرب، ثم ألقت حرب 1948 بظلال كثيفة على الشباب والأجيال، في فلسطين والدول العربية المحيطة على نحو خاص، وفي عالم العرب والمسلمين بعامة، وصارت فكرة تحرير فلسطين قضية تشغل الشباب، وتهيمن على تفكيرهم، وامتدّ ذلك إلى تقييم الأنظمة السياسية السائدة والعلاقة معها.

اقرأ أيضاً: كيف صار الإخوان المسلمون حزب التحرير الإسلامي؟
نجح حزب التحرير الناشئ في الانتشار وسط شباب الإخوان المسلمين، في فلسطين خاصة، وفي دول عربية كثيرة، وفي الانتخابات النيابية، التي جرت عام 1956، نجح أحمد الداعور، أحد مرشحي الحزب للانتخابات، وكان النائب الوحيد الذي حجب الثقة عن حكومة سليمان النابلسي، ثم دخل الحزب في مرحلة من الانحسار والتراجع، ربما بسبب الصعود والديناميكية الجديدة لجماعة الإخوان المسلمين، منذ أوائل السبعينيات؛ حيث أصبح حزب التحرير تقريباً تياراً رئيساً في الجماعة، وإن كان الأمر تنظيمياً، يبدو غير ذلك، وإن استمر حزب التحرير في انتقاده للجماعة ووصفها بالنكوص عن المشروع الإسلامي للخلافة، ولكن على نحو عمليّ؛ فإنّ جماعة الإخوان المسلمين، في استيعابها لفكر سيد قطب، وإعادة توليفه مع اعتبارات الواقعية والمرحلية والتدرّج، سحبت البساط من تحت أقدام حزب التحرير، الملاحق أمنياً، والمنهَك تنظيمياً وفكرياً.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار
لكن، وفي تحوّلين مفاجئين بالنسبة إلى مسار حزب التحرير، فقد عاد الحزب الى واجهة التأثير في المشهد الإسلامي الجهادي والاحتجاجي، في أوروبا وإندونيسيا وآسيا الوسطى، وفي ظهور داعش بدا الحزب مزوداً فكرياً وتنظيرياً، وخزاناً بشرياً للتنظيم.
بدأ حزب التحرير في كسب أنصار ومؤيدين بأعداد كبيرة في أوساط المسلمين في أوروبا في مرحلة الصعود الديني، في تسعينيات القرن العشرين، المصاحب لموجة العولمة والبحث عن الهويات والجذور التي اجتاحت المجموعات الثقافية والإثنية في أوروبا، ووجد المسلمون -خاصة الأجيال الشابة في حزب التحرير- ملاذاً للبحث عن هويتهم التي تمنحهم التميز والخصوصية في وسط مجتمعات ودول وضعتهم في مركز ثانوي وهامشي، ويمكن الملاحظة؛ أنّ حزب التحرير لم يتقدم في الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث تشكلت المجتمعات من أفراد وجماعات من المهاجرين، في حين وضعت التشكلات الاجتماعية المتراكمة والتاريخية في أوروبا المسلمين في حالة شعور قوي بالاغتراب، وعدم القدرة على الاندماج.

بدأ حزب التحرير في كسب أنصار ومؤيدين بأعداد كبيرة في أوساط المسلمين في أوروبا في مرحلة الصعود الديني

وفي حالة شبيهة بأوروبا، على نحو ما، فإنّ صعود الهوية الدينية في دول آسيا الوسطى، التي استقلت حديثاً عن الاتحاد السوفييتي، وفي إندونيسيا، التي خرجت من مرحلة طويلة من العزلة والاستبداد؛ فإنّ حزب التحرير وجد نفسه مرشحاً قوياً وملاذاً مناسباً للمجتمعات الإسلامية المتشكلة والباحثة عن هويتها ومستقبلها.
لكنّ هذا الصعود الكبير لحزب التحرير يفوق قدرته على الاستيعاب، ولن يظل بطبيعة الحال قادراً على الاحتفاظ بروايته النقية والمثالية، ويجد نفسه على الأرجح في مواجهة الاحتواء، ليختفي، أو يكيف ويعيد إنتاج نفسه، ليتحول إلى نسخة جديدة من الإخوان المسلمين.
وهكذا فإنّها أزمة مركبة تنشئ حلقة مغلقة، تؤدي نهايتها إلى بدايتها، وكأنّها لعنة لا تتوقف، فالفشل والأحلام والهزائم الكبرى تُنشئ رواية حالمة مثالية تتعلق بها الجماعات والأفراد، لكنّها في تقدمها العملي تتحول إلى جماعات وأفكار واقعية مشوهة، فلا هي تنتمي إلى أيديولوجيات سياسية واجتماعية واقعية مستمدة من احتياجات وتطلعات الأمم إلى النهضة والإصلاح بمفهومهما العلمي المحدد بالازدهار والكرامة، ولا تظلّ فكرة وجماعات دينية دعوية ترتقي بالأفراد وتطلعاتهم الروحية والدينية، فتنشأ السلفيات والمثاليات من جديد مرة أخرى، تعبيراً عن أزمة المجتمعات والأمم، وأزمة الجماعات الدينية السياسية نفسها.

الصفحة الرئيسية