
تشهد الساحة الأوروبية منذ سنوات تحوّلاً تدريجياً في طريقة مقاربة ملف الإسلام السياسي، وبالأخص الجماعات والشبكات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين. هذا التحول لم يعد محصوراً في الإطار الأمني التقليدي المرتبط بمكافحة الإرهاب، بل اتسع ليشمل قضايا أكثر تعقيداً تتصل بالتماسك المجتمعي، والاندماج، وبنية النفوذ داخل المجتمعات الأوروبية.
وتشير دراسة صادرة عن المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات إلى أن هذا الملف انتقل من كونه قضية هامشية إلى عنصر مركزي في النقاشات السياسية داخل عدد من العواصم الأوروبية، خاصة فرنسا وألمانيا، حيث بدأ التركيز ينصب على ما وصفته الدراسة بـ"النفوذ التدريجي غير المباشر" داخل بعض البيئات المحلية والمؤسسات المجتمعية.
وتلفت الدراسة إلى أن هذا التحول تزامن مع تصاعد مخاوف داخل مؤسسات القرار الأوروبية بشأن قدرة بعض التنظيمات على بناء تأثير طويل الأمد عبر أدوات قانونية واجتماعية وثقافية، دون اللجوء إلى العنف أو خرق القوانين، وهو ما جعل الملف أكثر تعقيداً من المقاربات الأمنية التقليدية.
كما تشير إلى أن التقرير الفرنسي الذي نوقش داخل مجلس الدفاع والأمن القومي عام 2025 شكّل نقطة انعطاف مهمة، إذ أعاد تعريف التهديد من "عنف مباشر" إلى "نفوذ بنيوي تدريجي"، ما وضع الإسلام السياسي ضمن نطاق الأمن القومي الواسع وليس فقط مكافحة الإرهاب.
تطور وجود الإخوان في أوروبا من الهجرة إلى التمكين المؤسسي
تشير الدراسة إلى أن جذور حضور جماعة الإخوان في أوروبا تعود إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين استقر عدد من القيادات المرتبطة بها في دول مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، لتبدأ مرحلة بناء شبكات اجتماعية وتعليمية وثقافية امتدت عبر عقود.
وخلال هذه المرحلة، حسب الدراسة، لم يكن الظهور السياسي المباشر هو الهدف الأساسي، بل التركيز على بناء قاعدة مجتمعية عبر مؤسسات تعليمية وجمعيات دينية ومراكز ثقافية، شكلت لاحقاً البنية التحتية لنفوذ ممتد داخل بعض الجاليات.
وتوضح الدراسة أن هذا النمط من الانتشار لم يعتمد على التنظيم السياسي التقليدي، بل على ما وصفته بـ"العمل المجتمعي طويل الأمد"، وهو ما سمح ببناء حضور تدريجي دون إثارة ردود فعل أمنية حادة في البداية.
كما تشير إلى أن مرحلة ما بعد 11 سبتمبر 2001 مثلت نقطة تحول، حيث ركزت الحكومات الأوروبية على التنظيمات الجهادية العنيفة، بينما بقيت الشبكات غير العنيفة خارج دائرة الاهتمام المكثف لفترة طويلة نسبياً.
في المقابل، بدأت الأجهزة الأمنية لاحقاً، حسب الدراسة، بإعادة تقييم هذا النوع من النفوذ باعتباره شكلاً من "التأثير الأيديولوجي طويل الأمد" الذي قد يكون أكثر تعقيداً من التهديدات المباشرة.
فرنسا.. من ملف اجتماعي إلى قضية أمن قومي
تؤكد الدراسة أن فرنسا تمثل النموذج الأكثر وضوحاً في التحول نحو اعتبار الإسلام السياسي قضية أمن قومي. فقد نقلت السلطات الفرنسية الملف من المستوى الإداري إلى مجلس الدفاع والأمن القومي، في إشارة إلى حجم الأهمية الاستراتيجية التي أُعطيت له.
وترى الدراسة أن جوهر المقاربة الفرنسية لا يرتبط بوجود تهديد إرهابي مباشر، بل بوجود ما تصفه بمحاولات "تأثير تدريجي" داخل بعض البيئات المحلية، خصوصاً في ما يتعلق بقضايا الاندماج والعلمانية والمساواة.
وتشير إلى أن المخاوف الفرنسية تركزت على إمكانية بناء نفوذ اجتماعي عبر الجمعيات المحلية والمراكز الدينية، بما يسمح بتشكيل مساحات تأثير داخل المجتمع على المدى الطويل.
كما توضح أن الاستراتيجية الفرنسية اتجهت نحو أدوات متعددة، تشمل تعزيز سياسات الاندماج، وتكثيف الرقابة على التمويل، ودعم الخطاب المدني والعلماني، في محاولة للحد من أي تأثير غير مباشر على البنية المجتمعية.
وتضيف الدراسة أن هذا التحول يعكس انتقالاً من منطق "المواجهة الأمنية" إلى منطق "الحماية المجتمعية الشاملة".
ألمانيا.. الأمن الداخلي يركز على التغلغل البطيء
هذا وتوضح الدراسة أن ألمانيا تتبنى مقاربة أمنية أكثر تقنية، عبر هيئة حماية الدستور، التي تركز على ما تصفه بـ"التهديدات غير العنيفة طويلة الأمد".
وتشير التقييمات الألمانية، حسب الدراسة، إلى أن التحدي لا يتمثل في الإرهاب المباشر، بل في قدرة بعض الشبكات على بناء نفوذ داخل الجاليات المسلمة والمؤسسات الاجتماعية عبر أدوات قانونية بالكامل.
وتلفت الدراسة إلى أن الأجهزة الألمانية باتت ترى أن هذا النوع من النفوذ قد يشكل خطراً أكبر من التنظيمات العنيفة، بسبب صعوبة رصده واستمراريته عبر الزمن.
كما تشير إلى أن الاستراتيجية الألمانية تعتمد على المراقبة الدقيقة، وتحليل الشبكات الاجتماعية والدينية، وفهم البنية التنظيمية غير الرسمية التي قد تدعم هذا النفوذ، فيما تؤكد الدراسة أن ألمانيا تنظر إلى الإسلام السياسي كظاهرة اجتماعية – سياسية ممتدة، وليست مجرد تهديد أمني تقليدي.
الاقتصاد والتمويل.. البعد الأكثر حساسية
تلفت الدراسة إلى أن أحد أكثر الأبعاد حساسية في النقاش الأوروبي يتمثل في علاقة التمويل الأجنبي بالمؤسسات الدينية والاجتماعية، وتشير إلى أن الأجهزة الأوروبية لا تتحدث عن شبكة مالية مركزية، لكنها تراقب ما تصفه بـ"بيئة اقتصادية موازية" تشمل جمعيات ومراكز تعليمية ودينية وأنشطة خدمية.
وتوضح الدراسة أن القلق الأوروبي يتمحور حول قدرة التمويل الخارجي على خلق استقلالية مالية لهذه المؤسسات، ما يمنحها قدرة على الاستمرار والتوسع وبناء نفوذ اجتماعي طويل الأمد.
كما تشير إلى أن التركيز الأوروبي انتقل نحو تعزيز الشفافية المالية، ومراقبة التحويلات العابرة للحدود، وفرض معايير صارمة على الجمعيات غير الربحية، مؤكدة أن الاقتصاد أصبح أحد أهم أدوات فهم النفوذ الأيديولوجي في أوروبا، وليس مجرد ملف إداري أو مالي.
الاتحاد الأوروبي.. غياب الإجماع وتعدد المقاربات
تؤكد الدراسة أنه لا يوجد حتى الآن موقف أوروبي موحد تجاه جماعة الإخوان المسلمين، إذ لا يتم تصنيفها كمنظمة إرهابية على مستوى الاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، تشير إلى أن النقاش داخل البرلمان الأوروبي تصاعد خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً حول قضايا التمويل الخارجي والتأثير الأيديولوجي داخل المجتمعات، وتوضح أن بعض الدول تدفع باتجاه تشديد الرقابة، بينما تفضل دول أخرى الحفاظ على مقاربة حذرة تحترم التوازن بين الأمن والحريات.
وتلفت الدراسة إلى أن هذا التباين يعكس طبيعة النظام الأوروبي القائم على التعددية القانونية والسياسية، ما يجعل الوصول إلى سياسة موحدة أمراً معقداً.
بين الأمن والحريات.. معادلة أوروبية مفتوحة
تخلص الدراسة إلى أن أوروبا باتت أمام مرحلة جديدة في التعامل مع الإسلام السياسي، تقوم على مزيج من الرقابة، والشفافية، والتحليل الأمني المتقدم، بدل المواجهة المباشرة أو الحظر الشامل.
كما تشير إلى أن التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين حماية الأمن القومي والحفاظ على الحريات الديمقراطية، في سياق تتزايد فيه تعقيدات النفوذ غير التقليدي داخل المجتمعات الأوروبية.
وتؤكد الدراسة أن ملف الإسلام السياسي، وفي مقدمته شبكات الإخوان، سيبقى أحد أكثر الملفات حساسية وإثارة للنقاش داخل أوروبا خلال السنوات المقبلة، مع استمرار إعادة تعريف مفهوم "التهديد" نفسه في السياسات الأمنية الأوروبية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_178_1_0.jpg.webp?itok=cuNspvB2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_2_1_1.jpg.webp?itok=A4Q46mn_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_1_1.jpg.webp?itok=SehCh_I6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0.jpg.webp?itok=YV4_lHmb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9_10_0.jpg.webp?itok=bfSSMhOR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_13_0.jpg.webp?itok=6Lx94TRE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=rFxaYlH2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%83_1.jpg.webp?itok=YPGQ60Qj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1%20%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1%D9%8A_1.jpg.webp?itok=XGvLgfPl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187_0.png.webp?itok=j1w4rlKQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1.jpg.webp?itok=DLZsQQh7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9_3.png.webp?itok=By5KgSz2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5_0_1.jpg.webp?itok=z-4b6aCD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31.png.webp?itok=3fQUQuIy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)