أمٌّ في الذاكرة: كاظم الساهر يراجع شريط العمر

أمٌّ في الذاكرة: كاظم الساهر يراجع شريط العمر

أمٌّ في الذاكرة: كاظم الساهر يراجع شريط العمر


25/06/2026

حالةٌ من الحزن الشَّفيف انتابتني وأنا أتابع حوار كاظم الساهر مع أنس بوخش مؤخرًا؛ فقد تجاوزت الحلقةُ حدودَ المشاهدة العابرة، وبدا الحوار أشبه بمرآة عَبَرَ فيها شريطُ عمر كامل رأيتُ فيه شيئًا من تحوُّلاتي؛ من تلك الفتاة التي تعرّفت إلى "القيصر" في سنوات دراستها الإعدادية، فحفظت أغانيه وجمعت أشرطته وتابعت جديده بشغف، إلى هذه السيدة اليوم التي أثقلتها السنوات وخفَتَ في داخلها شيءٌ من ذلك الشغف الفتيّ؛ امرأة تراقب قطار العمر وهو يمضي متأثرًا بثقل التجارب، لتجد نفسها تواجه أسئلة كبرى عن الزمن والرّحيل والروابط العائلية... وما يبقى منّا بعد كل هذه الرحلة، حتى لتكاد تسمع صدى روحها يردّد بأسى ما غنّاه الساهر ذات يوم: "أنا متعب والعين تحتاج لغمض".  

لكنّ الشّجن الذي أثاره الحوار لم يكن حنينًا إلى الأغنيات ولا إلى مراحل العمر التي ارتبطت بها، بقدر ما كان تأمّلًا في مرور الزمن نفسه وفي ما يفعله بنا ونحن نمضي؛ إذ ظهر الساهر متخفّفًا من صورة النجم وأقرب إلى ذاته الإنسانية، وأكثر استعدادًا لكشف ما ظلّ مخبوءًا خلف الأضواء والنجاحات؛ وتحدّث بصدقٍ عن التقصير والندم، وعن أشياء يدرك الإنسان قيمتها متأخرًا، حين لا يعود الوقت قادرًا على منحه فرصة ثانية.    

ما شدّني ولامسني في هذا البوح ليس قصة الفقر التي عرفها جمهوره من قبل، ولا ينفك كثير من المشاهير يردّدونها، ولا حكايات الشهرة والمجد، وإنّما تلك المرارة التي انطوت عليها نبرة صوته ولغة جسده وهو يراجع شريطًا من عمره، وفي ثنايا هذه المراجعة استعاد الساهر صورة العائلة العراقية البسيطة؛ لَمّة الأسرة وعلاقات الجيران والعادات الاجتماعية التي نشأ عليها، وبرغم الفقر والحرمان بدت تلك الذكريات مصدرًا للدفء أكثر منها ذكرى تبعث على الألم، وكأنّ الإنسان لا يتذكر قسوة الظروف بقدر ما يحتفظ بوجوه الذين شاركوه عبورها.   

غير أنّ "الأمّ" ظلّت هي الحاضر الأكبر والركيزة الأعمق في ذاكرته، والمنبع الأول لتكوينه الإنساني والفني، لم يتحدث الساهر عن أمّ مثالية خارجة عن الواقع؛ وإنّما عن امرأة عراقية عاشت حياة شاقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ يعود بذاكرته إلى صورتها وهي تطهو لعائلة كبيرة في أجواء حارة، داخل مطبخ ضيق بلا نافذة، وتخبز متحمّلة لظى التنور بصبر استثنائي من دون أن تُشعر أبناءها بحجم ما تكابده. واليوم حين يستعيد الساهر تلك التراجيديا الصامتة لا يرى امرأة أنهكها الفقر وأثقلتها المشقة والمسؤوليات؛ بل "ملكة" واجهت قسوة الحياة بصبر وكبرياء.    

ويتوقف الساهر عند نقطة تكاد تكون مشتركة بين ملايين الأمهات؛ فالأم التي تنفق عمرها في التربية والرعاية لا تنتظر مكافأة بقدر ما يشغلها أن ترى ثمرة تعبها في أبنائها. وقد اعترف بأنّه حاول بعد الشهرة أن يعوض والدته عن سنوات الحرمان، لكنّه ظلّ يشعر أنّه لم يوفّها حقها ولو بقدر يسير ممّا بذلته من أجله ومن أجل إخوته. وحين سُئل عن الدعاء استذكر كيف كان والداه يدعوان له دائمًا، لكنّه أقرّ أنّ دعوات أمّه كانت أجمل. تُرى هل تحمل دعوات الأم، فعلًا، وقعًا مختلفًا في نفوس الأبناء؟!   

وفي معرض انحيازه العاطفي لأمّه، وحديثه الموازي عن أم أولاده، أطلق الساهر تصريحات أثارت جدلًا واسعًا حين تناول مفهوم الخيانة معلنًا أنّ "الخيانة اسمها رجل"، وأنّ الرجل بطبيعته "أقلّ التزامًا ومسؤولة، وهو قادر على تدمير أفضل امرأة في حياته"، ولعلّ هذه الأحكام التي تنطوي على تعميم قد يفتقر إلى الدقة العلمية، لم تكن وليدة تصوُّر نظري، بقدر ما بدت انعكاسًا لتجارب عاشها عن قرب، وربما لتجربته الشخصية، وظِلًّا ممتدًّا لقصة والديه؛ فالأب الذي تزوج على والدته أكثر من مرة، مخلّفًا امرأة من ألم، لم يجد في نهاية المطاف ملاذًا سوى العودة إليها، إلى حدّ أن يجثو في لحظة ندمٍ فارقة ليقبّل قدميها طلبًا للصفح، في مشهد تراجيدي أبكاهما معًا، وربما ترك في وجدان الابن أثرًا عميقًا في تشكيل نظرته تجاه علاقة الرجل بالمرأة.     

ومن الجوانب اللافتة في الحوار شجاعة الساهر في الاعتراف بأخطائه دون تجميل الماضي؛ فبينما اتهمه بعض المتابعين بـ "التنظير" و"التناقض"؛ لأنّه قصّر في حق زوجته الراحلة وأم أبنائه، لم يحاول "القيصر" التنصل من ذلك أو تبريره؛ وإنّما اعترف بأنّ الشهرة أخذته بعيدًا عن أسرته، وأنّه لو عاد به الزمن لاختار توازنًا مختلفًا بين النجاح المهني والحياة العائلية. وربما كانت من أكثر اللحظات تأثيرًا حين سُئل عن الأشخاص الذين يتمنى أن يجتمع بهم حول مائدة واحدة لو عادوا من الموت، فاختار أمه وأباه وزوجته!

وتحدث بصراحة عن شعوره الدائم بالقلق وعدم حبه لنفسه، وعن ميله إلى العزلة والاكتفاء بدائرة محدودة من العلاقات، ورغم ذلك، ما يزال متمسكًا بأصدقائه القدامى الذين يشكلون بالنسبة إليه سندًا يخفف أعباء الحياة وتقلباتها، كما لم يتردّد في التأكيد على أهمية الاستشارة النفسية واللجوء إلى المختصين عند الحاجة لمواجهة الضغوط. وعند سؤاله عن أكثر ما يصعب عليه مسامحته، وضع الغدر وكسر الثقة في المقدمة؛ فالإنسان، في نظره، يحتاج إلى أشخاص يمنحونه شعورًا بالأمان، حتى وهو مغمض العينين، ولذلك يبقى تجاوز الخذلان من أصعب التجارب الإنسانية.    

ويبرز هنا سؤال يتجاوز قصة الساهر نفسها: كم من الناس يملكون شجاعة الاعتراف بأخطائهم؟ وكم من الرجال يجرؤون على الاعتراف بما ألحقوه من أذى بالنساء اللواتي شاركنهم الحياة؟ 

ولا يتعلق الأمر بإدانة أحد أو تبرئته، بقدر ما يتعلق بقيمة إنسانية نادرة هي القدرة على المراجعة والاعتراف؛ فالساهر لم يحاول تقديم صورة مثالية عن ماضيه أو عن أسرته؛ بل تحدّث بصدق عن جوانب موجعة من تلك التجربة، وهو ما منح حديثه تأثيرًا.    

وبالمصادفة، كنتُ قد تابعتُ مؤخرًا عددًا من الحوارات مع مشاهير و"مؤثرين" عبر منصات مختلفة، ولاحظت حضور هذا الرابط القوي مع الأم لدى كثير منهم، ولست هنا بصدد المفاضلة بين الأم والأب أو ترجيح كفة أحدهما على الآخر؛ فمثل هذه القضايا تناولتها دراسات اجتماعية ونفسية عديدة، وكشفت تعقيداتها وتشابكاتها. لكن ما استوقفني في حديث الساهر هو ذلك الأثر العاطفي العميق الذي تتركه الأم في حياة أبنائها، وكيف تبقى معاناتها وتضحياتها حاضرة في ذاكرتهم وفاعلة في تشكيلهم النفسي والإنساني. 

فالإنسان لا يتذكر فقط من وفّر له الطعام أو المأوى، بقدر ما يحتفظ في ذاكرته بمن منحه الشعور بالدفء والأمان، ومن كان حاضرًا في لحظات ضعفه، ومن حمل عنه أعباء الحياة بصمت من دون أن يدرك حجم ما يبذله من أجله؛ لذلك يظل أثر الوالدين الحقيقي مرتبطًا بحجم المسؤولية التي تحمّلاها، وبالأثر العاطفي والإنساني العميق الذي تركاه في نفوس أبنائهما.  

ورغم هذا الحضور الطاغي للأم، لم يغب الأب عن المشهد؛ فقد تحدث عنه الساهر بمحبة، مستذكرًا روحه المرحة وخياله الواسع وثقافته وصوته الجميل، وكيف كانوا يستيقظون صباحًا على غنائه ودندناته.

في نهاية الحوار، ظهر كاظم الساهر أقرب إلى إنسان يراجع حصيلة العمر منه إلى نجم يستعرض نجاحاته؛ فمنذ طفولته أدرك أنّه يحمل حسًّا مبكرًا بالمسؤولية، ويملك يقينًا داخليًّا بأنّه سيكون له شأن في هذه الحياة، حلم واجتهد وتخيّل مستقبلًا مختلفًا، وحوّل الفقر والحرمان والفقد إلى طاقة إبداعية صنعت منه واحدًا من أبرز الفنانين العرب.   

غير أنّ التأمل الأعمق في هذا الحوار يفضي إلى حقيقة راسخة وهي أنّ الشهرة والنجاح، مهما بلغا، لا يمحوان أثر الأم في وجدان أبنائها، ولا يطويان ندمًا على ما فات، ولا يعوضان اللحظات التي لم تُعش؛ فبعد كل هذه الرحلة الطويلة وما حققه فيها من نجومية واسعة، يعود الساهر طفلًا مستسلمًا لذكرى امرأة وقفت يومًا أمام تنور مشتعل في مطبخ صغير، ومنحت أبناءها من عمرها وصبرها وحبها ما يكفي ليصنعوا به حياتهم كلها.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية