سرقة المواشي في الضفة الغربية: سلاح استيطاني يستهدف الوجود الفلسطيني

سرقة المواشي في الضفة الغربية: سلاح استيطاني يستهدف الوجود الفلسطيني

سرقة المواشي في الضفة الغربية: سلاح استيطاني يستهدف الوجود الفلسطيني


25/06/2026

لم تعد سرقة المواشي في الضفة الغربية مجرد حوادث جنائية متفرقة أو اعتداءات فردية تستهدف ممتلكات المزارعين والرعاة الفلسطينيين، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة متكررة وممنهجة ترتبط بشكل مباشر بالصراع على الأرض والموارد. ففي المناطق الرعوية الممتدة من الأغوار الشمالية إلى مسافر يطا وجبال نابلس ورام الله باتت قطعان الأغنام هدفاً دائماً لهجمات المستوطنين، في سياق يراه فلسطينيون ومؤسسات حقوقية جزءاً من سياسة أوسع، تهدف إلى التضييق على التجمعات البدوية والرعوية، ودفعها إلى الرحيل عن أراضيها.

وتعتمد آلاف العائلات الفلسطينية في الأغوار والتجمعات البدوية على تربية الأغنام والماشية كمصدر أساسي للدخل والمعيشة، وتمثل المواشي رأس المال الحقيقي لهذه العائلات، إذ ترتبط بها دورة اقتصادية كاملة تشمل إنتاج الحليب والأجبان واللحوم والصوف، لكنّ خسارة عشرات أو مئات الرؤوس من الأغنام في هجوم واحد، قد تعني انهيار مصدر رزق أسرة كاملة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وارتفاع تكاليف الأعلاف والرعاية البيطرية.

ويؤكد رعاة ومزارعون أنّ سرقة المواشي لم تعد تستهدف تحقيق مكاسب مالية فقط، بل تحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الاقتصادي، إلى محاولة إضعاف قدرة الفلسطينيين على البقاء في أراضيهم وممارسة نشاطهم التقليدي في الرعي والزراعة، في حين وثقت مؤسسات حقوقية وتقارير إعلامية فلسطينية عشرات حوادث سرقة المواشي خلال الأعوام الأخيرة، ووفق معطيات نشرتها منظمة "البيدر" للدفاع عن حقوق البدو، فقد تجاوز عدد رؤوس الأغنام التي سرقت من الفلسطينيين خلال عام 2025 أكثر من 12 ألف رأس، إضافة إلى مئات الحالات الأخرى المسجلة خلال عام 2026، وتحدثت تقارير ميدانية عن أكثر من 100 حادثة اعتداء وسرقة استهدفت المواشي منذ مطلع عام 2026، وتشير هذه الأرقام إلى أنّ الظاهرة لم تعد استثناء، بل أصبحت نمطاً متكرراً في العديد من المناطق المصنفة كمناطق رعوية.

ويرتبط تصاعد سرقة المواشي بما يُعرف بالاستيطان الرعوي، وهو نموذج استيطاني يقوم على إقامة بؤر ومزارع للمستوطنين في المناطق المفتوحة، ثم استخدام قطعان الأغنام للسيطرة الفعلية على مساحات واسعة من الأراضي، ويصف باحثون ومؤسسات حقوقية هذا النموذج بأنّه وسيلة منخفضة التكلفة وعالية الفعالية للتمدد الاستيطاني، حيث يتم فرض واقع جديد على الأرض، عبر منع الفلسطينيين من الوصول إلى مراعيهم، أو تخويفهم وإجبارهم على مغادرتها، وتشير تقديرات إلى أنّ البؤر الرعوية باتت تسيطر على مئات آلاف الدونمات في الضفة الغربية، خصوصاً في الأغوار والقدس والخليل ورام الله ونابلس.

في العديد من الحوادث الموثقة، لا تقتصر الاعتداءات على الاستيلاء على الأغنام، بل تترافق مع تهديد الرعاة، والاعتداء عليهم جسدياً، ومنعهم من الوصول إلى المراعي ومصادر المياه، ويقول مختصون إنّ النتيجة النهائية لهذه الممارسات تتمثل في خلق بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين، بحيث تصبح الحياة اليومية أكثر صعوبة، ويغدو الرحيل خياراً تفرضه الظروف الاقتصادية والأمنية.

من جانبه، يقول الباحث في شؤون الاستيطان رائد موقدي: إنّ "عمليات سرقة المواشي من قبل المستوطنين في الضفة الغربية تحولت إلى ظاهرة متكررة ومنظمة، وتركزت بشكل خاص في مناطق الأغوار والتجمعات البدوية، حيث تلحق هذه السرقات خسائر اقتصادية كبيرة بالمربين الفلسطينيين، وتؤثر على مصدر رزقهم الأساسي". 

ولفت في حديثه لـ (حفريات) إلى أنّ "تصاعد الهجمات على رعاة الأغنام، يأتي ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الفلسطينيين، حيث ينفذ المستوطنون عمليات سرقة واسعة النطاق لقطعان الأغنام والأبقار أثناء الرعي، بالتزامن مع اعتداءات يومية تشمل الضرب والتخريب وقطع مصادر المياه ومنع الوصول إلى المراعي".

ويؤكد موقدي أنّ "أهداف المستوطنين تتلخص في أمرين أساسيين؛ الأوّل هو بث الرعب في صفوف الرعاة والمزارعين، ومنعهم من استغلال المراعي البرية، والثاني دفعهم إلى الرحيل عبر إلحاق خسائر اقتصادية فادحة بهم، ويشير إلى أنّ عدداً من كبار مربّي المواشي اضطروا بالفعل إلى نقل قطعانهم إلى مناطق بعيدة، أو استئجار حظائر مغلقة، وهو ما يرفع تكاليف التربية، ويهدد استمرار هذا القطاع الحيوي".

وتكشف ظاهرة سرقة المواشي في الضفة الغربية عن جانب أقلّ ظهوراً من الصراع الدائر على الأرض، لكنّه لا يقلّ تأثيراً عن غيره من أشكال السيطرة، فحين تستهدف الأغنام، لا يكون الهدف مجرد قطيع أو مصدر دخل، بل نمط حياة ارتبط بالأرض لعقود طويلة، وبينما تتكرر الحوادث وتتسع رقعتها، يرى الفلسطينيون أنّ المعركة لم تعد تدور فقط حول ملكية الأرض، بل حول القدرة على البقاء فيها وممارسة أبسط مقومات الحياة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية