دور شبكات الإخوان في استمرار الصراع العسكري في السودان لإعادة إنتاج شبكات النفوذ

دور شبكات الإخوان في استمرار الصراع العسكري في السودان لإعادة إنتاج شبكات النفوذ

دور شبكات الإخوان في استمرار الصراع العسكري في السودان لإعادة إنتاج شبكات النفوذ


28/06/2026

تبرز اتهامات متزايدة للتنظيم الإخواني في السودان، ممثلاً في حزب المؤتمر الوطني المنحل والحركة الإسلامية وشبكاتهما السياسية والتنظيمية، بالاضطلاع بدور محوري في تغذية الصراع وإطالة أمده. إذ يرى مراقبون أنّ هذه القوى اعتمدت مقاربة تقوم على إدارة الأزمات لا حلها، وعلى تدوير الصراع بدلاً من إنهائه، عبر تعطيل مسارات التسوية السياسية الجادة، والحيلولة دون تشكل توافق وطني واسع يفضي إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

وتستند هذه المقاربة إلى خبرة طويلة راكمتها الحركة الإسلامية السودانية خلال عقود من العمل داخل مؤسسات الدولة. فمنذ اندلاع الحرب أعادت هذه الشبكات تنشيط حضورها داخل عدد من المؤسسات النظامية ومراكز النفوذ التقليدية، مستفيدة من حالة الفراغ السياسي والأمني التي صاحبت انهيار مؤسسات الدولة. ووظفت أدواتها الإعلامية والتنظيمية لإعادة إنتاج خطاب تعبوي قائم على الاستقطاب والتخويف، بما يضمن استمرار حالة الاستنفار المجتمعي ويحول دون نشوء بدائل سياسية قادرة على منافستها.

ويلاحظ أنّ هذه الاستراتيجية لا تقتصر على البُعد السياسي فحسب، بل تمتد إلى المجال الاجتماعي أيضاً، من خلال توظيف الانقسامات المناطقية والقبلية وتحويلها إلى أدوات ضغط داخل مسرح الصراع. فقد شهدت السنوات الماضية تصاعداً في محاولات استقطاب المكونات المحلية ودفعها إلى اصطفافات حادة عبر خطاب يقوم على التخويف المتبادل وإعادة إنتاج الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة. وأسهم هذا المسار في تعميق الانقسامات المجتمعية وتآكل الثقة بين المكونات السودانية، بما يزيد من تعقيد فرص الوصول إلى تسوية مستقرة حتى في حال توقف العمليات العسكرية.

استمرار الحرب كآلية للمناورة السياسية وإعادة تشكيل التحالفات

استمرار الحرب يوفر لهذه القوى هامشاً واسعاً للمناورة السياسية. فوقف القتال وبدء مرحلة انتقالية مستقرة من شأنه أن يعيد إلى الواجهة ملفات المساءلة السياسية والقانونية المتعلقة بمسؤولية انهيار الدولة، وتفكيك مؤسساتها، والفساد الذي ارتبط بسنوات حكم الإسلاميين. ولذلك تبدو إدامة الصراع بالنسبة إلى بعض هذه الأطراف وسيلة لتأجيل الاستحقاقات السياسية والقضائية، ومحاولة فرض نفسها طرفاً لا غنى عنه في أيّ ترتيبات مستقبلية تخص الحكم وإعادة بناء الدولة.

ومن زاوية أخرى، تتيح حالة الحرب إعادة تشكيل التحالفات التقليدية بين شبكات المصالح الاقتصادية والسياسية التي تضررت بفعل الثورة السودانية. إذ وفرت الفوضى الأمنية والاقتصادية بيئة مناسبة لعودة بعض مراكز النفوذ القديمة إلى المشهد، سواء عبر النشاط الاقتصادي غير الرسمي أو عبر التغلغل مجدداً داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، مستفيدة من تراجع سلطة القانون وضعف الرقابة المؤسسية. وتكمن خطورة هذا المسار في أنّه لا يهدد بإطالة أمد الحرب فحسب، بل يهدد أيضاً بتحويلها إلى نزاع ممتد متعدد المستويات، تتداخل فيه الأبعاد السياسية والعسكرية والقبلية والاقتصادية، بما يجعل تكلفة إعادة بناء الدولة أكثر تعقيداً بعد انتهاء القتال. فكلما طال أمد الصراع، ازدادت فرص ترسخ اقتصاد الحرب، وتعمقت الانقسامات الاجتماعية، واتسعت شبكات المصالح المرتبطة باستمرار الفوضى.

لذلك، فإنّ أيّ مقاربة جادة لإنهاء الأزمة السودانية لا يمكن أن تقتصر على وقف العمليات العسكرية وحده، بل تستلزم معالجة البنى السياسية والتنظيمية التي أسهمت في إنتاج الصراع وإدامته. ويشمل ذلك تفكيك شبكات التحريض والتعبئة، وتجفيف مصادر النفوذ غير الرسمي داخل مؤسسات الدولة، وإطلاق مسار شامل للعدالة الانتقالية والمساءلة وجبر الضرر، بما يضمن عدم إعادة إنتاج القوى التي لعبت أدواراً في إشعال الحرب أو الاستفادة من استمرارها.

وفي المحصلة، تبدو معركة السودان الحقيقية اليوم أبعد من مجرد إنهاء المواجهات المسلحة؛ فهي معركة تتعلق بطبيعة الدولة التي ستنبثق بعد الحرب، وبقدرة السودانيين على بناء نظام سياسي جديد يقوم على المواطنة والمؤسسات وسيادة القانون، ويحول دون عودة شبكات النفوذ التي أسهمت في إدخال البلاد في دوامة الصراع والانهيار.

العلاقات المتنامية بين الجيش وإيران والإخوان

يمكن القول إنّ العلاقة المتنامية بين القوات المسلحة السودانية وإيران والإخوان هي علاقة تحكمها اعتبارات براغماتية فرضتها ظروف الحرب أكثر ممّا تستند إلى تحالف استراتيجي قائم على تقارب إيديولوجي أو توافق سياسي طويل الأمد. فهذه العلاقة تبدو أقرب إلى ترتيب اضطراري فرضته التحولات الميدانية والاحتياجات العسكرية المتزايدة للجيش السوداني في مواجهة قوات الدعم السريع، ضمن بيئة إقليمية مضطربة تتسابق فيها القوى المختلفة إلى تعزيز نفوذها عبر أدوات الصراع المحلي.

ومنذ اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023 وجدت القيادة العسكرية السودانية نفسها أمام تحديات متصاعدة تتعلق بتأمين مصادر التسليح والتكنولوجيا العسكرية، في ظل القيود الدولية وتراجع قنوات الدعم التقليدية. بالتبعية برزت إيران باعتبارها أحد الأطراف القادرة على توفير احتياجات نوعية، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة والأنظمة المرتبطة بالحرب غير التقليدية، وهو ما منح الجيش السوداني هامشاً إضافياً لتعزيز قدراته العملياتية في عدد من الجبهات. غير أنّ هذه العلاقة لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الأوسع الذي يحكم السياسة الخارجية الإيرانية في المنطقة. فطهران تنظر إلى مناطق الاضطراب والصراعات الممتدة بوصفها فرصاً لإقامة نقاط ارتكاز جديدة تسمح لها بتوسيع مجال نفوذها الاستراتيجي خارج نطاق الشرق الأوسط التقليدي. ومن هذه الزاوية يكتسب السودان أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه الجغرافي المطل على البحر الأحمر وقربه من خطوط الملاحة الدولية، فضلاً عن موقعه الحيوي في معادلات الأمن الإقليمي في القرن الافريقي.

وخلال العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الخرطوم وطهران أمراً مستجداً، فقد شهدت فترة حكم الرئيس المعزول عمر البشير مستويات متقدمة من التعاون العسكري والأمني بين الجانبين، شملت مجالات التدريب والتصنيع العسكري وتطوير البنية الدفاعية، قبل أن تتراجع هذه العلاقة بصورة ملحوظة عقب التحولات السياسية التي أعقبت عام 2019، إلا أنّ الحرب الحالية أعادت فتح قنوات التواصل مجدداً، مدفوعة بحاجات الميدان وحسابات البقاء أكثر من أيّ اعتبارات أخرى.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية