
بعد عقود من الصراع السياسي المباشر مع الدول الوطنية العربية، وفقدان جماعة الإخوان المسلمين الكثير من أوراق قوتها وقدرتها على تقديم برامج سياسية واقتصادية مقنعة للجماهير، طرأ تحول بنيوي عميق على أساليب عملها الإعلامي والدعائي. لم يعد الخطاب التقليدي المرتكز على الهجوم المباشر على السلطة ومؤسسات الدولة قادراً على حشد فئات جديدة خارج القواعد المؤدلجة سلفاً، خاصة بعد تراجع صدقية الجماعة وتكشف براغماتية أطروحاتها للرأي العام.
في مواجهة هذا الانسداد، اتجهت منصات الجماعة الإعلامية إلى تبنّي استراتيجية بديلة، يمكن تسميتها بـ "الاستقطاب الناعم"، عبر توظيف القضايا الاجتماعية والثقافية الحساسة كواجهات أخلاقية تخفي خلفها أهدافاً سياسية.
في هذا الإطار، تأتي الدراسة الصادرة عن "مركز رع للدراسات الاستراتيجية" للباحثة الدكتورة أسماء دياب، المديرة التنفيذية للمركز ورئيسة برنامج دراسات التطرف والإرهاب، التي حملت عنوان: "سيداو نموذجاً... كيف توظف المنصات الإخوانية القضايا الثقافية سياسياً؟"
تقدّم الدراسة تفكيكاً معرفياً للآليات الفكرية والإعلامية التي تعتمدها المنصات الإخوانية في استغلال ملفات المرأة والأسرة كمعابر خلفية لزعزعة الاستقرار الاجتماعي وهز ثقة المواطن في دولته الوطنية.
مُنطلق الدراسة: تفكيك خطاب "قناة وطن" الإخوانية
تتخذ الباحثة د. أسماء دياب من حلقة بثتها قناة "وطن" الإخوانية ضمن برنامج "بوضوح" نموذجاً تطبيقياً للدراسة، حملت الحلقة عنوان "نظرية موت الرجل والصراع مع المرأة"، وعملت على توليد حالة من الذعر الأخلاقي والاجتماعي عبر خلط للحقائق وسوق سياقات في غير موضعها.
سعت المنصة الإخوانية في هذه الحلقة إلى إقامة ربط قسري بين توقيع عدد من الدول العربية على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو"، وبين الحركات النسوية الراديكالية الغربية، وصولاً إلى استدعاء مقولات فلسفية غربية تتعلق بالحرية الجنسية لتقديمها كأنّها التفسير الرسمي للاتفاقية.
وتشير الدراسة إلى أنّ خطورة هذا الطرح لا تكمن في محتواه الاجتماعي الظاهري فحسب، بل في دلالاته السياسية أيضاً، إذ جرى تقديم الحلقة في قالب اتهامي صريح يزعم أنّ الحكومات العربية وقعت على هذه الاتفاقية الدولية مقابل مكاسب مادية ومساعدات خارجية، وبموجب هذا الخطاب التعبوي، يتم تصوير الدولة الوطنية كشريك فاعل في مشروع غربي يستهدف تقويض الدين، وتفكيك الأسرة، وهدم القيم والأخلاق الحاكمة للمجتمعات العربية.
مفهوم "الاستقطاب الناعم": نقل المعركة إلى داخل البيوت
تطرح الدراسة مفهوماً تحليلياً دقيقاً هو "الاستقطاب الناعم"، لتوضيح كيف أنّ النقاش الإخواني المثار حول "سيداو" والنسوية والجندر ليس معزولاً عن الأجندة السياسية الأساسية للجماعة، فالجماعة، بإدراكها تراجع زخم هجومها السياسي المباشر، قررت نقل ساحة المعركة من الميادين العامة ومؤسسات الحكم إلى الفضاء الشخصي والعاطفي للمواطن العادي.
فعندما تهاجم المنصات الإخوانية السياسات الاقتصادية أو الهياكل الدستورية، فإنّ خطابها يظل محصوراً في استقطاب فئات نخبوية أو جماهير مسيسة بالفعل، أمّا حين تقتحم ملفات الأحوال الشخصية، والأسرة، والعلاقات الزوجية، فإنّها تخاطب الدائرة الأكثر حميمية وحصانة في الثقافة العربية: دائرة الدين والعرف والسلطة الأبوية.
هنا، يصبح الخوف أداة تعبئة جبارة؛ لأنّ ربّ الأسرة لا يشعر بأنّ الخطر يهدد كياناً سياسياً مجرداً يسمى "الدولة"، بل يشعر بتهديد مباشر يمس بيته، وزوجته، وأبناءه، ومن خلال هذا التخويف الممنهج، تُحوّل الجماعة القلق الاجتماعي الطبيعي إلى غضب سياسي عارم موجه ضد النظام القائم، مستغلة الفئات المحافظة التي لا تهتم بالعمل السياسي في الأحوال العادية.
"بوابة التأثير" واستراتيجية التضليل المزدوج
تقف د. أسماء دياب في دراستها عند ما تصفه بـ "بوابة التأثير"، شارحة الطريقة التضليلية التي يتبعها الإعلام الإخواني، فالمنصات التابعة للجماعة لا تناقش نصوص اتفاقية "سيداو" نقاشاً موضوعياً يبرز تحفظات الدول أو يطرح زوايا فقهية أو قانونية حقيقية، بل تلجأ إلى حيلة "التركيب العضوي الزائف"، إذ تستدعي أقوالاً منسوبة إلى مفكرين غربيين (مثل فلاسفة اليسار الراديكالي كـ "هربرت ماركوز") وتجاور بينها وبين نصوص الاتفاقية، موحية للمشاهد بأنّ تلك الأفكار التحررية المتطرفة هي التفسير الرسمي والوحيد لنصوص "سيداو".
هذا الخلط المتعمد يكشف عن براغماتية مفرطة وازدواجية فجة تطبع سلوك جماعات الإسلام السياسي، ففي الوقت الذي يُقدّم فيه اليسار والأفكار الليبرالية الغربية في الخطاب الإخواني الموجه للمجتمعات العربية بوصفها "مؤامرة أخلاقية كبرى لتدمير الدين"، نجد أنّ الجماعة تسعى في عواصم الغرب إلى التقارب مع المنظمات اليسارية والحقوقية ذاتها، متخذة منها حليفاً سياسياً وإعلامياً للدفاع عن وجودها وحمايتها تحت غطاء "مناهضة الإسلاموفوبيا" وحقوق الإنسان، الأفكار هنا لا تُحترم لذاتها، بل تُستدعى وتُقصى بنفعية محضة تخدم المصلحة التنظيمية المباشرة.
الجذور الإيديولوجية والصلة بأدبيات التطرف
تؤصل الدراسة لهذا التحول الإعلامي باعتباره امتداداً واعياً لأدبيات التنظيمات المتطرفة التي تحرص على تقسيم المجتمعات وفق ثنائية حادة: "نحن" الصالحون حماة الدين، مقابل "هم" الأشرار المتآمرون والوكلاء للمشاريع الغربية، هذا التبسيط يجرّد المتلقي من مهارات التفكير النقدي والمُركّب ويغرقه في صراع وجودي وهمي.
وتتقاطع هذه الآليات، كما تذكر الباحثة، مع النظريات التكتيكية في الفكر الجهادي الحديث؛ حيث تؤكد أدبيات بارزة، مثل كتاب "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية" لأبي مصعب السوري، على محورية "الحرب الفكرية والدعائية" كأداة لا غنى عنها لإعادة تشكيل الإدراك العام وصناعة حالة مستدامة من السخط والاحتقان الشعبي ضد النظم الحاكمة، تمهيداً لإسقاط شرعيتها النفسية والأخلاقية في قلوب الجماهير.
معركة الوعي النقدي في مواجهة التزييف
تخلص الدراسة إلى تحذير مهم للشارع العربي والنخبة التنويرية: إنّ مكمن الخطر الحقيقي في هذه الأطروحات ليس السجال الدائر حول بنود الاتفاقيات الدولية أو حقوق المرأة بحد ذاتها، بل هو الأثر الذي يتركه هذا الخطاب في العقل الجمعي العربي.
حين يتحول كل خلاف فكري إلى معركة وجودية، وكل تعديل تشريعي للأحوال الشخصية إلى مؤامرة كبرى، وكل تعقيد اجتماعي إلى قصة مبسطة تبحث عن "عدو"، تفقد المجتمعات قدرتها على التمييز بين الحقيقة والتأويل، وبين النقد البناء والإثارة الرخيصة.
لذلك، المواجهة الحقيقية هي "معركة الوعي النقدي" القادر على قراءة النصوص والقوانين في سياقاتها الصحيحة، وحماية العقل من التلاعب، ورفض تحويل القيم الأخلاقية والأسرية النبيلة إلى وقود لمعارك سياسية وتصفية حسابات تنظيمية ضيقة.












![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_2.jpg.webp?itok=6xnH0ImP)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1mpDtUyNuppx5wA4RLM50kLzs-N3DVqtOFyLTsKQNOfdoNI0SXRL41L4TalauhrWnJzqNeiqiO19JLllbIww_gs_Xbex6oxfXqqIunFxOaVjs5bblfAvwHVGIYs2GvUiK1Vlz9__xWFQ-OlxXYWNN2bh4KIE6hZR9C1VX4TG5UdHmS6xMn0k_qyTLoEXU6Io.jpg.webp?itok=4u-QQL8o)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)