الثقافة خارج الكتب والبحث عن الإيمان بالله خارج المحراب

الثقافة خارج الكتب والبحث عن الإيمان بالله خارج المحراب

مشاهدة

10/06/2020

أكثر ما يتضح معنى الثقافة في السلوك؛ بمعنى أنّ أكثر تعريفات الثقافة صدقية ووضوحاً هو ذلك التعريف الذي يأتي من أثر الثقافة، وتتبع هذا الأثر في السلوك والعلاقات التي ينشئها المجتمع كأفراد ومؤسسات، وهو تماماً ما خلصت إليه أفكار "ريموند ويليامز"، في كتابه المهم "الثورة الطويلة" باعتبار الثقافة "العلاقات القائمة بين العناصر في طريقة حياة بأكملها"، والعناصر هي المجتمع والأحداث والأدوات والاختراعات، وكل إنجازات الإنسان في العلوم والعيش والحياة.

المجتمعات الحية قادرة على اختبار ثقافتها باستمرار في اللحظات الصعبة وأوقات المحنة

هنا اشتباك موضوعي بين ويليامز وابن خلدون، في تعريف الثقافة، وباعتقادي أنّ ويليامز، تجاوز ابن خلدون في تقديم معنى دقيق وواقعي للثقافة؛ ففي الوقت الذي اعتبر فيه ابن خلدون الثقافة هي كل ما أنجزه الإنسان من معارف وعلوم وأدوات وأفكار وقيم وعادات، وغير ذلك، قال ويليامز بأنّها تلك العلاقة التي تحكم ذلك كله وتربطه، وباعتقادي لا يوجد معنى ثقافي في صناعة السيارات مثلاً ما لم يكن هنالك قيمة مثلى تحكم علاقة الإنسان بالسيارة أو باستخدامها وتوظيفها توظيفاً حقيقياً ونافعاً.
وتأكيداً لذلك، أو زيادة عليه، فقد اعتبرت الكتابات المبكرة عن النظرية الثقافية أنّ الثقافة نفسها يمكن أن تتحول إلى مؤسسة اقتصادية تتضمن عمليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، ويتم التعامل معها باعتبارها، كما تقول خالدة حامد في ترجمتها لكتاب "غبش المرايا": "ظاهرة من ظواهر السوق التي تتجلى فيها أشكال الهيمنة الثقافية.. في فرض وعي زائف على الجماهير".
كل ما سبق كان مقدمة لا بد منها كمدخل معرفي للكتابة الموجزة حول الظاهرة الثقافية في زمن الأزمات، كالحروب والجوائح والأوبئة التي تضرب البشرية بلا هوادة أو رحمة؛ إذ إنّ تداعيات هذه الأزمات لا تقتصر على مستوى الصحة على سبيل المثال، بل على مستويات متعددة منها العلاقات والإنتاج والاستهلاك، ومنها الوعي والدين والسياسة، فضلاً عن القيم والأخلاق والأعراف والعادات، وغير ذلك.

حالات التدين وأنماطه المختلفة، ليست قواعد دينية مطلقة ولا تقبل الرأي والخلاف والاختلاف عليها أو حولها

أسئلة كثيرة متصلة بالمعنى الثقافي للعلاقات والإنتاج والسلوك والاستهلاك، تتطلب الإجابة عن كل منها كتابة مستقلة، لكن ما ألح علي كسؤال من أسئلة محنة كورونا، سؤال ديني بامتياز، نشأ بعد أن لجأت السلطات والحكومات إلى إغلاق دور العبادة إغلاقاً مؤقتاً، ومنعت ممارسة الشعائر فيها لأسباب مبرَّرة طبياً، نشأت عنه حالة من الجدل والتعاطي الاجتماعي غير الثقافي مع الموضوع باعتباره يمس اعتقادات الناس وقناعاتهم، ويمس الحالة الوجدانية التي يصطبغ بها السلوك الديني، لدى المجتمعات التي يمكن تصنيفها على أنها مجتمعات دينية.
لم يختبر المجتمع العربي ولا المجتمع المسلم ثقافته الدينية في هذه الصورة التي بدت قاسية وحادة تجاه العلاقة مع المساجد ودور العبادة بشكل عام؛ إذ إنّ الأجيال الحالية كلها على اختلاف أعمارها لم تعش لحظة تاريخية سابقة مماثلة، أغلقت بسببها المساجد والمعابد في وجوه المصلين والمؤمنين، فبدت وكأنما هي إجراء استفزازي، لم تتقبله شريحة واسعة من الناس، حتى تكفل الوقت، وتكفلت سلطة الدولة الرادعة بتكريسه كإجراء حاسم لا بد منه، عززت ذلك فتوى رجال الدين الرسميين وغير الرسميين بضرورة الالتزام بقرارات الدولة والابتعاد عن المساجد مؤقتاً، مسلحين باستنادات شرعية وقواعد فقهية معتبرة.
ومع ذلك بقيت هنالك قلة من الناس ترفض الانصياع للقرار الحكومي والديني، معتمدة فقط على أنّ وعيها الديني الخاص متقدم على ما سواه، بعض أسباب ذلك يعود إلى حالة عدم الثقة بين الحكومات والسلطة والدولة من جهة والمجتمع من جهة أخرى، وهي حالة تاريخية ممتدة من تاريخ الدولة الإسلامية ما بعد الراشدين، وتاريخ الدولة العربية المعاصرة منذ بدايات وجودها على شكل دول وممالك.

لم تختبر المجتمعات العربية والإسلامية ثقافتها بهذه الصورة تجاه العلاقة مع المساجد ودور العبادة عموماً

ومن جهة أخرى ثمة سبب ثقافي، متعلق بالثقافة الدينية الضحلة والسطحية، وهي ثقافة أنانية في صورة ما، تجعل صاحبها يغلِّب فهمه الخاص ووعيه الخاص وقراراته الخاصة على الفهم العام.
يقول عبد الرزاق الجبران، في أحد كتبه، إنّ "أول خطأ المصلين هو ظنهم أنّ الإيمان بالله في المحراب فقط"، الذين ظنوا ذلك هم الذين يعبدون الله تعالى في المحراب وفي الجامع فقط، منهم من يمارسون حالة انفصال بين الجامع والمجتمع، بين الدين والسوق، هم الذين يمارسون الأنانية المفرطة في يقينياتهم الخاصة، وفهمهم الخاص للدين، وسلوكهم الخاص في التدين، فالفرق جوهري وواضح بين ما هو دين وما هو حالة تدين قد تكون حالة خاصة لفرد أو مجموعة أو طائفة أو أيديولوجيا.
يمكن الجزم بأنّ الثقافة الدينية ليست هي الدين، وحالات التدين وأنماطه المختلفة، لا يمكن أن تكون بمثابة قواعد دينية مطلقة ولا تقبل الرأي والخلاف والاختلاف عليها أو حولها، إنما الثقافة الدينية هي الأثر الذي يخلقه الدين في كل شيء فينا وحولنا؛ الأثر الإيجابي الذي يحبه ويريده الله تعالى، الأثر الذي يجعل المسلم يقبل أن يصلي في بيته مخافة أن يؤذي نفسه أو جاره، وهو الأثر الذي يخلق توازناً معرفياً بين الواجب الديني والضرورة الطبية على سبيل المثال.
المجتمعات الحية قادرة على اختبار ثقافتها باستمرار في اللحظات الصعبة وأوقات المحنة وخلال الأزمات، وأيضاً، الثقافة ليست كتابة ولا كتباً ولا مؤلفات ومحاضرات، والدين ليس طقوساً وشعائر تعبدية فحسب، إنّ الثقافة والدين هما الأثر الذي يصنعانه في الحياة، من أجل الحياة ومن أجل الله سبحانه وتعالى.


الصفحة الرئيسية