لماذا اتجه إسلاميو الأردن إلى معارك الهامش بعد فض الدورة البرلمانية؟

لماذا اتجه إسلاميو الأردن إلى معارك الهامش بعد فض الدورة البرلمانية؟

لماذا اتجه إسلاميو الأردن إلى معارك الهامش بعد فض الدورة البرلمانية؟


14/06/2026

تكشف  مضامين خطاب نواب كتلة الإصلاح  التابعة لحزب الامة في البرلمان الاردني، بعد فض الدورة البرلمانية، عن تحولات بطرح عناوين" شعبوية"، تخفي ازمة عميقة ومركبة في أوساط الحركة الاسلامية، وظهر ان هناك تبدلا في الاولويات، بالانتقال من الحديث عن القضايا الكبرى والتحديات الوطنية إلى الانشغال المتزايد بملفات جدلية وهامشية ذات طابع رمزي وهوياتي، عكست ما يمكن وصفه بـ ارتباك سياسي مع مواجهة استحقاقات داخلية،وتراجع رهانات الحركة الاسلامية الإقليمية، اثر تعرض حلفائها، لا سيما ايران لضغوط غير مسبوقة، وتصاعد التحديات الدولية التي تستهدف البنية الفكرية والتنظيمية للإخوان المسلمين في المنطقة، والتي عبرت عنها الاستراتيجية الامريكية الجديدة لمكافحة الارهاب،وتصنيف الاخوان المسلمين تنظيما ارهابيا.

أفول ورقة غزة:

فقد استثمر الحزب وغذى حالة التعبئة الشعبية المرتبطة بالحرب في غزة، وشكلت له رافعة سياسية وإعلامية مهمة ساعدت في الحفاظ على الزخم الجماهيري، لكن مع تراجع حضور الملفات الإقليمية في المشهد اليومي، وجد الحزب نفسه أمام اشكالية سياسية حقيقية تتمثل بكيفية المحافظة على حضوره الإعلامي والشعبي في ظل غياب قضية مركزية قادرة على التعبئة وحشد القواعد والانصار، ويبدو ان الحزب اجترح اجابة على هذا التساؤل بانزياحات خطابية نحو ملفات محلية ذات طابع ثقافي واجتماعي، مرتبطة بالقيم والسلوك والهوية الإسلامية للمجتمع.

لكن غزة تحولت من ورقة استثمار الى ادانة، بعد فتح ملف الملاحقات القضائية لنواب من الحركة الإسلامية في الأردن على خلفية 'ملف التبرعات' لقطاع غزة،  وهو ما يفسر انزياحات خطاب أعضاء كتلة الحزب، فقد تشابك هذا الملف بعمق مع التصعيد الخطابي والشعبي الذي تنتهجه الجماعة، فالسلطات الأردنية ترفض بشكل قاطع أي نشاط مالي خارج مظلتها الرسمية تحت لافتة العمل الإغاثي، لذا ذهب نواب الحزب لتوظيف الشارع كأداة دفاعية لرفع كلفة أية ملاحقة قضائية.

وفي السياق نفسه، اضعفت التحولات في قطاع غزة قدرة الحزب على مواصلة استثمارها، بعد نشوء واقع جديد في القطاع، فإلى جانب الخسائر البشرية والعسكرية، تتركز المناقشات الدولية والإقليمية حاليا حول: إدارة المساعدات الإنسانية والموارد المالية داخل القطاع، وتسليم حماس والمقاومة اسلحتها، وخلال ذلك برزت اتهامات لقيادات من الإخوان المسلمين في الاقليم،وقيادات في حركة حماس ب"سرقة" التبرعات التي تم جمعها في كثير من الدول لدعم صمود قطاع غزة، وبمعزل عن مدى دقة هذه الاتهامات والتي صدرت من أوساط من داخل جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس،فإن تحول هذه الملفات إلى مادة للنقاش الدولي والإقليمي أدى إلى إضعاف الصورة الأخلاقية التي سعت قوى الإسلام السياسي إلى ترسيخها حول حلفائها لعقود طويلة، وفي الأردن برزت أسئلة في أوساط الرأي العام حول فعالية الخطاب التقليدي للحركة الاسلامية، الذي اعتمد لسنوات على تقديم حلفائه باعتبارهم نموذجاً سياسياً وأخلاقياً مختلفاً عن بقية الفاعلين في المنطقة، ومع تصاعد هذه الأسئلة، شكلت قضايا داخلية جدلية بديلا سياسياً ، يغلق اية نقاشات مرتبطة بمستقبل الحرب وتداعياتها السياسية والمالية.

إن محتوى الملفات التي تبناها نواب الحزب تشكل شواهد على هذا الانزياح في الخطاب،فقد حول الحزب حفلا فنيا في البتراء إلى قضية سياسية وإعلامية كبرى، بحجة ضرب المنظومة الأخلاقية لمجتمع"مقدس" ، وبالتزامن تصاعدت الحملات المتعلقة بالفعاليات الفنية والثقافية والسياحية، وعادت إلى الواجهة بعض القضايا المرتبطة بالسلوك المجتمعي والهوية الثقافية، كما تم إعادة طرح ملف الموقوفين على خلفيات مرتبطة بدعم المقاومة" يصفهم الحزب اسرى"،  فيما كان لافتا اثارة نواب الحزب قضية رفض استقبالهم من قبل رئيس منطقة العقبة الاقتصادية، واثارة سجالات إعلامية وشعبية حولها باعتبارها قضية وطنية.

تفكيك المشروع الإيراني في الإقليم:

لا شك ان المشروع الإقليمي الإيراني، الذي شكل أحد أبرز عناصر إعادة تشكيل الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية تعرض لسلسلة من النكسات العسكرية والسياسية والأمنية، أدت إلى تراجع قدرته على فرض معادلاته السابقة في الاقليم، وبالنسبة للتيارات الإسلامية التي استفادت من حالة الاستقطاب الإقليمي أو بنت جزءاً من رهاناتها السياسية على استمرار صعود ما عرف بمحور المقاومة، فإن هذه الانتكاسات فرضت مراجعات قسرية وأفقدتها جزءاً مهماً من البيئة السياسية التي كانت تستند إليها، ومع تراجع جاذبية الخطابات الإقليمية، بما فيها غياب القضية الفلسطينية وحركة حماس عن تفاهمات واشتراطات القيادة الايرانية لخفض التوتر مع امريكا واسرائيل، أصبح التركيز على القضايا المحلية خياراً اضطرارياً أكثر منه خياراً استراتيجيا، وهو احد العوامل المفسرة لانزياح خطاب الحركة الإسلامية في الأردن لقضايا هامشية.

ويمكن التوقف عند ملاحظتين حول ايران ومواقف الحركة الاسلامية في الاردن منها، الأولى: تبني نواب الحزب رواية الحرس الثوري الإيراني باتهام الأردن باستضافة قواعد امريكية ومساهمتها في الهجمات الامريكية على ايران، واتهام الاردن بإسقاط الصواريخ الايرانية التي تستهدف اسرائيل،والدعوة للجهاد المقدس دفاعا عن الاقصى،بهدف إحراج السلطات الاردنية، والثانية: امتناع الحركة الاسلامية عن توجيه أية انتقادات لإيران لضربها أهدافا مدنية في الاردن ودول الخليج، ورفضها التعليق على عدم تضمين ايران اية اشارة لفلسطين او حماس في مفاوضاتها مع الامريكان، في الوقت الذي بادر فيه الحرس الثوري لإطلاق صواريخ على اسرائيل دفاعا عن حزب الله اللبناني.

هواجس التصنيف الأمريكي الاخوان منظمة ارهابية:

تشكل الاستراتيجية الامريكية الجديدة وما تضمنته من تصنيف جماعة الاخوان المسلمين منظمة إرهابية، وأنها اصل الارهاب بما فيه ارهاب داعش والقاعدة، وتداعيات ذلك لجهة فرض ضغوط على الأحزاب والحركات المرتبطة بالإخوان في المنطقة، احد أبرز الدوافع المفسرة لانزياح خطاب الحركة الإسلامية في الاردن، باتجاهات شعبوية، فقد دفعت هذه الاستراتيجية، بما فيها تصنيف الاخوان المسلمين منظمة ارهابية، إلى تبني خطاب أكثر حذراً وأقل ارتباطاً بالمشاريع العابرة للحدود، وأفقدها القدرة على مواصلة الاستثمار السياسي بالطريقة نفسها التي كانت سائدة خلال العقد الماضي، الأمر الذي دفع نواب حزب الامة إلى الانكفاء، وتحويل الخطاب نحو قضايا محلية ضيقة، تضمن استمرار الحضور السياسي دون إثارة حساسيات إقليمية أو دولية إضافية.

 ويعتقد ان ازمة الحركة الإسلامية ستتفاقم في حال كشف السلطات الامريكية قضايا مرتبطة بالفساد المالي في الشبكات المالية للإخوان المسلمين، تشمل أسماء قيادات من " حزب الامة" والجماعة المحظورة في الاردن، وهو سيناريو متوقع، بعد كشف ارتباطات لقيادات من الحزب والجماعة في قضايا إقليمية ودولية، تحت عناوين غسيل الأموال وإدارة واستثمار غير مشروع لاموال الإخوان المسلمين وحركة حماس.

وفي الخلاصة، فان ما ينبغي التوقف عنده ان القضايا المثارة من قبل نواب حزب الامة تشترك في قدرتها على إنشاء مشهد جدلي، يحقق اهداف الاستقطاب والانتشار الإعلامي الواسع بأقل تكلفة سياسية ممكنة، فالقضايا المرتبطة بالهوية والقيم والمظاهر الاجتماعية، بما فيها من مفردات" الاستهداف، المظلومية، امة الاسلام، الاستعلاء، الاقصى والجهاد ...الخ"  تمنح السياسي" خاصة الاسلاموي" فرصة دائمة للظهور الإعلامي، وتشكل مادة لإعادة حشد وتعبئة القواعد التقليدية، والتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، دون الحاجة إلى  لتقديم إجابات على تساؤلات أكبر وتقديم حلول عملية لملفات الاقتصاد والاستثمار والبطالة والتنمية.

ورغم ذلك، فالمؤكد ان هذه الانزياحات تكشف عن أزمة سياسية لا تنحصر بالاداء النيابي التقليدي فقط ، بل ان تراجع حضور الملفات الاقليمية والاقتصادية والتنموية المحلية، مقابل تصاعد الجدل حول القضايا رمزية و هوياتية، لم يكن عشوائيا في خطاب الاسلاميين، وجاء ترجمة لخطة مدروسة، تتضمن استبدال رهانات إقليمية كبرى وتزايد الضغوط على الإخوان المسلمين، بقضايا تحقق حضوراً إعلامياً سريعاً ومكاسب شعبوية آنية، تعفي نواب الحزب من الاجابة على سؤال المشروع الوطني الاقتصادي والسياسي الذي يمكن أن يقدمه الحزب للأردنيين في مرحلة ما بعد الشعارات، وما بعد رهانات إقليمية شكلت على مدى عقود مصدر قوته الرئيسية.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية