الإخوان تحت المجهر: الجماعة في باكستان تتاجر بكل شيء

الإخوان تحت المجهر: الجماعة في باكستان تتاجر بكل شيء

الإخوان تحت المجهر: الجماعة في باكستان تتاجر بكل شيء


04/06/2026

كشفت تحركات الجماعة الإسلامية، "الذراع السياسية لجماعة الإخوان في باكستان"، خلال الأسبوع الفائت، عن نمط متكرر من توظيف الأزمات والقضايا العامة لخدمة أجندتها السياسية، حيث سعت إلى استثمار الملفات الخدمية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، فضلًا عن القضية الفلسطينية، في إطار حملة متواصلة لتقويض الثقة بالحكومة وتعزيز صورتها كبديل سياسي قادر على إدارة الدولة. ويعكس هذا السلوك انتهازية سياسية واضحة تقوم على استغلال معاناة المواطنين ومشاعرهم الدينية والوطنية لتحقيق مكاسب حزبية وتوسيع النفوذ الشعبي.

وبمناسبة عيد الأضحى، استغل أمير الجماعة الإسلامية حافظ نعيم الرحمن زيارته لمراكز الأضاحي الجماعية التي نظمتها الجماعة الإسلامية ومؤسسة الخدمة في منطقتي "فيدرال بي وجولبرج" بكراتشي لتوجيه رسائل سياسية تتجاوز الطابع الخيري للمناسبة. فبينما حرص على إبراز حجم البرنامج الذي نُفذ في أكثر من 150 موقعًا داخل المدينة، مشيدًا بجهود المتطوعين والعاملين ومقدمًا الجماعة بوصفها نموذجًا للخدمة العامة، استثمر المناسبة في الوقت ذاته لشن هجوم واسع على الحكومة المحلية والسلطات الإقليمية.

العمل الخيري أداة وظيفية

 انتقد حافظ نعيم الرحمن تردي خدمات الصرف الصحي وجمع النفايات، مؤكدًا أنّ مليارات الروبيات التي خُصصت لهيئة إدارة النفايات الصلبة في إقليم السند لم تنعكس على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، في حين أنّ البلديات التي تديرها الجماعة الإسلامية - بحسب روايته - تقوم بواجباتها بكفاءة أكبر. واستغل أزمة المياه المزمنة في كراتشي لتوجيه اتهامات للأحزاب الحاكمة بالفشل المتراكم على مدى عقود في توفير الاحتياجات الأساسية للسكان، محاولًا ترسيخ صورة مفادها أنّ الجماعة الإسلامية وحدها تمتلك القدرة على الإدارة الفعالة.

ولم يقتصر الخطاب على الشأن المحلي، بل امتد إلى القضية الفلسطينية، حيث تحدث عن تضحيات سكان غزة وانتقد الولايات المتحدة والدول الغربية بسبب دعمها لإسرائيل، مطالبًا رئيس الوزراء شهباز شريف باتخاذ موقف أكثر حزمًا تجاه التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وأعلن استمرار الحركة الاحتجاجية التي تقودها الجماعة ضد ضريبة البترول ومحطات الطاقة المستقلة وارتفاع معدلات التضخم.

ويكشف هذا المشهد عن محاولة متعمدة لدمج العمل الخيري بالقضايا السياسية، بحيث تتحول الأنشطة المجتمعية إلى منصات دعائية تُستخدم لتعزيز صورة الجماعة وإضعاف صورة الحكومة. فبدلًا من الاكتفاء بالجانب الإنساني للمبادرة، جرى توظيفها لتسويق خطاب سياسي يقوم على المقارنة المستمرة بين أداء الجماعة وأداء مؤسسات الدولة.

وقد وجدت الجماعة الإسلامية فرصة جديدة لتصعيد خطابها السياسي عقب مقتل أحد أعضائها، عبد الباسط سومرو، على يد مسلحين في منطقة جولستان جوهر بمدينة كراتشي. وخلال تقديمه واجب العزاء لأسرة القتيل، حمّل حافظ نعيم الرحمن حكومة إقليم السند وحزب الشعب الباكستاني مسؤولية التدهور الأمني، معتبرًا أنّ ثمانية عشر عامًا من حكم الحزب للإقليم لم تنتج سوى الخوف وانعدام الأمن وتزايد الجرائم.

وزعم أنّ حادثة مقتل عبد الباسط سومرو تمثل دليلًا على فشل الدولة في حماية المواطنين وعجز منظومة العدالة عن القيام بدورها، ودعا سكان كراتشي وإقليم السند إلى التوحد ضد ما وصفه بالظلم والفساد وسوء الإدارة، مطالبًا السلطات بسرعة القبض على الجناة ومحاسبتهم.

الجماعة سارعت إلى استثمار الحادثة الجنائية في سياق صراعها السياسي مع الحكومة، مقدمة الواقعة باعتبارها برهانًا إضافيًا على انهيار مؤسسات الدولة. ويعكس ذلك نهجًا قائمًا على توظيف الحوادث الأمنية الفردية لإعادة إنتاج خطاب التشكيك في قدرة السلطات على حفظ الأمن، بما يخدم استراتيجية تعبئة الرأي العام ضد الحكومة.

فلسطين حصان طروادة الإخواني

وفي ملف آخر، واصلت الجماعة الإسلامية توظيف القضية الفلسطينية لتحقيق مكاسب سياسية داخلية. فقد أجرى حافظ نعيم الرحمن سلسلة اتصالات هاتفية مع عدد من قادة الأحزاب السياسية بمناسبة عيد الأضحى، كان من أبرزهم رئيس جمعية علماء الإسلام مولانا فضل الرحمن وقيادات من حركة الإنصاف الباكستانية، من بينهم المحامي جوهر وأسد قيصر.

وخلال هذه الاتصالات، شدد على ضرورة تبنّي الحكومة الباكستانية موقفًا أكثر وضوحًا تجاه القضية الفلسطينية، مؤكدًا رفض اتفاقيات إبراهيم وعدم الاعتراف بها تحت أيّ ظرف. ودعا إلى توحيد مواقف القوى السياسية للضغط على الحكومة من أجل اتخاذ خطوات أكثر صرامة في هذا الملف.

ورغم أهمية القضية الفلسطينية بالنسبة إلى الرأي العام الباكستاني، فإنّ تكرار توظيفها في الخطاب السياسي للجماعة يكشف عن سعيها المستمر إلى استثمار القضايا ذات الحساسية الدينية والشعبية العالية لتعزيز حضورها السياسي وتوسيع دائرة تحالفاتها الداخلية، خصوصًا في ظل إدراكها أنّ فلسطين تمثل إحدى أكثر القضايا قدرة على استثارة المشاعر وحشد التأييد الجماهيري.

جدل الموازنة: أرقام مرسلة بلا دليل

صعّد حافظ نعيم الرحمن هجومه على الحكومة خلال مؤتمر صحفي عقده في دار نور الحق لمناقشة مشروع الموازنة العامة للعام المالي 2026-2027. وشارك في المؤتمر عدد من قيادات الجماعة ومسؤوليها المحليين، وهو ما أضفى عليه طابعًا سياسيًا وتنظيميًا واسعًا.

وخلال المؤتمر طرح سلسلة من المطالب الاقتصادية التي استهدفت استقطاب مختلف الشرائح المتضررة من الأزمة الاقتصادية. فقد دعا إلى تثبيت سعر البنزين عند 250 روبية للتر، وتوفير الكهرباء للقطاع الصناعي بسعر 9 سنتات للوحدة، وخفض أسعار الغاز بصورة كبيرة مع تجميدها مدة ثلاث سنوات على الأقل. وطالب بإلغاء ضريبة البترول بشكل كامل، معتبرًا أنّ استمرارها غير مبرر في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

زعيم الإخوان مارس هوايته في طرح أرقام دون دليل أو توثيق، ولم يكتفِ بذلك، بل أعلن أنّ الجماعة الإسلامية ستقدم مقترحاتها الخاصة بالموازنة العامة، مطالبًا بمراجعة العقود المبرمة مع منتجي الطاقة المستقلين ووقف المدفوعات التي وصفها بغير الضرورية. واتهم الحكومة بدفع 1.8 تريليون روبية خلال العام مقابل كهرباء لم تُنتج فعليًا، وطالب بمحاسبة المسؤولين عن ذلك، إضافة إلى مساءلتها بشأن تعثر مشروع خط أنابيب الغاز بين باكستان وإيران.

وعلى الصعيد الضريبي، ركز حافظ نعيم الرحمن على قضية الموظفين وأصحاب الدخول الثابتة، مشيرًا إلى أنّ هذه الفئة دفعت 605 مليارات روبية ضرائب خلال العام الماضي، في حين لم تتجاوز الضرائب المحصلة من كبار ملاك الأراضي 12 مليار روبية. وطالب بإعفاء أصحاب الرواتب التي لا تتجاوز 125 ألف روبية شهريًا من ضريبة الدخل، مع توفير حماية ضريبية أوسع لبقية الموظفين.

ويعكس هذا الخطاب محاولة واضحة لاستثمار المعاناة الناتجة عن أحداث الحرب في الشرق الأوسط. فالجماعة ركزت على طرح مطالب ذات جاذبية جماهيرية عالية، لكنّها تجنبت تقديم تصور متكامل لكيفية تمويل هذه الإجراءات أو التعامل مع انعكاساتها على الإيرادات العامة وعجز الموازنة، الأمر الذي يمنح خطابها طابعًا شعبويًا يركز على كسب التأييد أكثر من تقديم حلول اقتصادية قابلة للتطبيق.

وقد واصلت الجماعة الإسلامية استثمار معاناة الطبقة المتوسطة والموظفين من خلال مطالبتها الحكومة بإقرار حزمة إغاثة عاجلة ضمن الموازنة الجديدة. وأكدت في بيان رسمي أنّ الحكومة حصلت على مئات المليارات من الروبيات من ضرائب الدخل المفروضة على الموظفين والطبقة المتوسطة، في وقت تواجه فيه هذه الفئات ارتفاعًا غير مسبوق في تكاليف المعيشة.

وسلط البيان الضوء على ارتفاع تكاليف التعليم والرعاية الصحية وأسعار الوقود والكهرباء والغاز والمواد الغذائية، معتبرًا أنّ السياسات الحكومية الحالية جعلت الحياة اليومية أكثر صعوبة. وطالبت الجماعة بإلغاء ضريبة الدخل بالكامل على أصحاب الرواتب التي تبلغ 125 ألف روبية شهريًا، وخفض الضرائب المفروضة على الشرائح الأعلى دخلًا، وتقليص الحد الأقصى لمعدل الضريبة من 35% إلى 15%.

واستثمرت الجماعة ملف هجرة الكفاءات والخبراء، محذرة من أنّ استمرار الضغوط الاقتصادية سيدفع مزيدًا من المهنيين إلى مغادرة البلاد، وهو ما قد ينعكس سلبًا على مستقبل الاقتصاد الباكستاني. ويعكس هذا الطرح سعي الجماعة إلى مخاطبة الطبقة المتوسطة والنخب المهنية عبر تبنّي مطالبها وتقديم نفسها مدافعًا عن مصالحها في مواجهة السياسات الحكومية.

وفي السياق نفسه، شنّ حافظ نعيم الرحمن هجومًا حادًا على برنامج دعم دخل بنظير بوتو، معتبرًا أنّ باكستان لا تحتاج إلى برامج دعم نقدي بل إلى استثمارات في التعليم وتنمية المهارات والذكاء الاصطناعي. وفي منشور عبر منصة (إكس)، أكد أنّ أطفال البلاد بحاجة إلى تعليم حديث ومهارات متقدمة تمكنهم من مواجهة تحديات المستقبل.

واتهم الحكومات المحلية بالتخلي عن مسؤولياتها التعليمية، في الوقت الذي تنفق فيه مئات المليارات من الروبيات على برامج المساعدات الاجتماعية. واستشهد بأرقام للبنك الدولي التي تقول إنّ معدلات الفقر ارتفعت خلال السنوات الأخيرة، وإنّ ملايين الأشخاص انضموا إلى صفوف الفقراء رغم استمرار برامج الدعم.

ووصف برنامج دعم دخل بنظير بوتو بأنّه "برنامج احتيالي يحوّل الأمة إلى متسولين"، منتقدًا حزبي الشعب الباكستاني والرابطة الإسلامية (نواز) بسبب دعمهما له. واعتبر أنّ الموارد العامة يجب أن تُوجه نحو مشاريع تعزز الاكتفاء الذاتي وتوفر فرص العمل وتنمي الاقتصاد.

ويكشف هذا الموقف عن محاولة الجماعة استثمار الجدل الدائر حول برامج الرعاية الاجتماعية من أجل تعزيز حضورها بين الشباب والطبقة المتوسطة، من خلال تقديم خطاب يقوم على مفاهيم التعليم والتكنولوجيا والتمكين الاقتصادي. إلا أنّ الجماعة لم تقدم بدائل عملية واضحة لكيفية حماية الفئات الأكثر فقرًا في حال تقليص برامج الدعم النقدي، وهو ما يجعل خطابها أقرب إلى المزايدة السياسية منه إلى طرح سياسات اجتماعية متكاملة.

وتوضح مجمل تحركات الجماعة الإسلامية خلال هذه الفترة أنّها تتبنّى استراتيجية تقوم على استغلال كل ملف قابل للتسييس، سواء كان أزمة خدمية أو حادثة أمنية أو قضية اقتصادية أو شأنًا اجتماعيًا أو قضية خارجية. فمن الأضاحي الجماعية إلى جريمة القتل، ومن الموازنة العامة إلى القضية الفلسطينية، ومن معاناة الموظفين إلى برامج مكافحة الفقر، تحاول الجماعة تحويل كل حدث إلى منصة لتعزيز نفوذها السياسي وتقديم نفسها باعتبارها البديل القادر على إدارة الدولة.

وبينما ترفع الجماعة شعارات الإصلاح والعدالة الاقتصادية ومكافحة الفساد، فإنّ خطابها يركز بدرجة كبيرة على تأجيج السخط الشعبي وتضخيم إخفاقات الحكومة دون تقديم برامج تفصيلية قابلة للتنفيذ تتناسب مع تعقيدات الواقع الباكستاني. فالأزمات التي تواجهها البلاد، من التضخم والبطالة وأزمة الطاقة والديون الخارجية والضغوط السكانية، تتطلب إصلاحات هيكلية طويلة المدى وسياسات اقتصادية ومؤسسية معقدة، لا مجرد خطابات احتجاجية أو وعود شعبوية. ولذلك تبدو تحركات الجماعة خلال هذه الفترة أقرب إلى استثمار الأزمات والمتاجرة السياسية بها من كونها محاولة جادة لتقديم حلول واقعية ومستدامة للتحديات التي تواجه باكستان.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية