الإخوان تحت المقصلة القضائية.. أحكام الجهاز السري تعيد رسم نهاية نفوذ النهضة في تونس

الإخوان تحت المقصلة القضائية.. أحكام الجهاز السري تعيد رسم نهاية نفوذ النهضة في تونس

الإخوان تحت المقصلة القضائية.. أحكام الجهاز السري تعيد رسم نهاية نفوذ النهضة في تونس


04/06/2026

لم تعد القضايا المرتبطة بحركة النهضة في تونس مجرد ملفات سياسية تخضع للتجاذبات الحزبية أو للمواقف الأيديولوجية المتباينة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مسار قضائي متشعب يلامس قضايا الأمن القومي ومؤسسات الدولة. وبينما كانت الحركة لعقود تقدم نفسها باعتبارها أكبر قوة سياسية ذات مرجعية إسلامية في البلاد، أصبحت اليوم تواجه سلسلة من المحاكمات والتحقيقات التي تستهدف أبرز قياداتها وتعيد فتح ملفات ظلت لسنوات محل جدل واسع داخل الأوساط السياسية والقضائية.

وجاءت الأحكام الصادرة في قضية ما يعرف بـ«الجهاز السري» لتمنح هذا المسار القضائي بعداً جديداً وأكثر حساسية، باعتبار أن القضية ترتبط باتهامات تتعلق بوجود شبكات وهيكل تنظيمي موازٍ عمل خارج الأطر الرسمية للدولة. 

وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء التونسية الرسمية، فقد أصدرت الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب أحكاماً تراوحت بين السجن لسنوات عدة والسجن مدى الحياة بحق عدد من المتهمين في الملف، في خطوة اعتبرها متابعون من أبرز المحطات القضائية المرتبطة بحركة النهضة منذ عام 2011.

ولا تنبع أهمية القضية من الأحكام الصادرة فقط، بل من طبيعة الاتهامات التي يتضمنها الملف، ومن ارتباطه بواحد من أكثر المواضيع إثارة للجدل في تونس خلال العقد الماضي. فالقضية تعيد إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول علاقة الحركة بمؤسسات الدولة، وحول حقيقة الاتهامات التي رافقتها بشأن بناء شبكات نفوذ موازية خلال فترة صعودها السياسي، كما تفتح الباب أمام قراءة أوسع لمستقبل الإسلام السياسي في تونس في ظل المتغيرات التي شهدتها البلاد منذ عام 2021.

 

أحكام ثقيلة تكشف حجم الملف

 

وقد أظهرت الأحكام الصادرة عن الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس حجم الخطورة التي تعامل بها القضاء مع ما يعرف بقضية «الجهاز السري» لحركة النهضة. فقد تراوحت العقوبات بين السجن عشر سنوات والسجن مدى الحياة، وشملت عدداً من أبرز قيادات الحركة وأشخاصاً متهمين بالارتباط بالهيكل السري المنسوب إليها. 

وجاء الحكم الأثقل بحق زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، حيث قضت المحكمة بسجنه مدى الحياة مع ثلاثين سنة إضافية. ويعد هذا الحكم من أقسى الأحكام التي تصدر بحق شخصية سياسية لعبت دوراً محورياً في الحياة العامة التونسية خلال العقود الأخيرة. 

كما أصدرت المحكمة حكماً بالسجن مدى الحياة مع 96 سنة إضافية بحق مصطفى خذر، الذي تصفه جهات عديدة بأنه المشرف على الجهاز السري. كذلك قضت بالسجن مدى الحياة مع 76 سنة سجناً بحق رضا الباروني والطاهر بوبحري وكمال العيفي وسبعة متهمين آخرين في القضية نفسها. 

وشملت الأحكام أيضاً السجن مدى الحياة مع 50 سنة إضافية بحق فتحي البلدي، والسجن مدى الحياة مع 37 سنة بحق عبد العزيز الدغسني، والسجن مدى الحياة مع 32 سنة بحق كمال البدوي، فيما نال سمير الحناشي حكماً بالسجن مدى الحياة مع 30 سنة إضافية. 

أما القيادي البارز في النهضة ورئيس الحكومة الأسبق علي العريض فقد صدر بحقه حكم بالسجن 42 سنة، بينما قضت المحكمة بالسجن 48 سنة بحق قيس بكار و46 سنة بحق بلحسن النقاش و34 سنة بحق علي الفرشيشي. كما صدرت أحكام أخرى تراوحت بين 10 و18 سنة سجناً بحق عدد من المتهمين الآخرين. 

ووفق المعطيات القضائية، فقد أدين المتهمون بجرائم تتعلق بتكوين وفاق إرهابي والانضمام إلى تنظيم ذي صبغة إرهابية ووضع كفاءات وخبرات على ذمة عناصر مرتبطة بجرائم إرهابية، إضافة إلى تهم أخرى واردة في قانون مكافحة الإرهاب التونسي. كما شملت الأحكام إخضاع المحكوم عليهم للمراقبة الإدارية لمدة خمس سنوات بعد انتهاء فترة العقوبة السجنية. 

 

الجهاز السري.. الملف الذي طارد النهضة لسنوات

 

ظهر مصطلح «الجهاز السري» بقوة في الحياة السياسية التونسية منذ عام 2018، عندما بدأت جهات سياسية وهيئات دفاع تتحدث عن وجود بنية تنظيمية موازية مرتبطة بحركة النهضة. ومنذ ذلك التاريخ تحول الملف إلى محور رئيسي في النقاشات السياسية والإعلامية داخل البلاد.

وكانت الاتهامات تتمحور حول امتلاك هذه الشبكات لوثائق ومعطيات حساسة تتعلق بمؤسسات الدولة وأجهزتها، فضلاً عن اتهامات بوجود أنشطة غير معلنة جرت بعيداً عن الرقابة الرسمية. ورغم أن الحركة نفت مراراً كل تلك الاتهامات، فإن الجدل لم يتوقف بل ازداد اتساعاً مع مرور السنوات.

وتعزز الاهتمام بالقضية بسبب ارتباطها بملفات أخرى شديدة الحساسية، على غرار قضايا الاغتيالات السياسية التي شهدتها تونس بعد الثورة، والتي ما تزال إلى اليوم من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الرأي العام التونسي.

كما ساهمت التطورات السياسية التي عرفتها البلاد بعد 25 يوليو 2021 في إعادة إحياء الملف، بعدما أصبحت مؤسسات الدولة أكثر اندفاعاً نحو مراجعة عدد من القضايا التي ظلت عالقة خلال السنوات السابقة. وهو ما منح التحقيقات زخماً جديداً وأعاد القضية إلى واجهة الأحداث.

وبمرور الوقت، لم يعد الحديث عن «الجهاز السري» مجرد اتهام سياسي تتداوله الأحزاب المتنافسة، بل تحول إلى ملف قضائي كامل الأركان تتولاه جهات مختصة في مكافحة الإرهاب، الأمر الذي زاد من ثقله وأهميته داخل المشهد التونسي.

 

راشد الغنوشي والأحكام المتراكمة

 

يشكل اسم راشد الغنوشي محوراً أساسياً في أي نقاش يتعلق بمستقبل حركة النهضة، باعتباره الشخصية الأكثر تأثيراً في تاريخ الحركة منذ تأسيسها. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً جذرياً في وضعه السياسي والقانوني بعد انتقاله من موقع صانع القرار إلى دائرة الملاحقات القضائية.

فالغنوشي يواجه سلسلة من القضايا التي تتعلق بملفات متعددة، بعضها مرتبط بتهم إرهابية وأخرى بقضايا تتعلق بالتآمر على أمن الدولة أو باستغلال النفوذ السياسي. وقد أفضت هذه القضايا إلى صدور أحكام متفاوتة بحقه، ما جعله أحد أكثر الشخصيات السياسية التونسية مواجهة للملاحقات القضائية في المرحلة الحالية.

ويرى مراقبون أن أهمية هذه الأحكام لا ترتبط فقط بشخص الغنوشي، بل بما تمثله من ضربة رمزية للتنظيم بأكمله. فالرجل الذي قاد النهضة لعقود طويلة ونجح في تحويلها إلى القوة السياسية الأولى بعد عام 2011، أصبح اليوم يواجه واقعاً مغايراً تماماً.

كما أن تراكم الأحكام ضد الغنوشي ينعكس بصورة مباشرة على الحركة التي تعاني أصلاً من تراجع كبير في حضورها الشعبي والسياسي. فكل تطور قضائي جديد يزيد من صعوبة محاولات إعادة بناء صورتها أو استعادة جزء من نفوذها السابق.

وتشير تقديرات عديدة إلى أن التأثير المعنوي لهذه الأحكام قد يكون أشد وطأة من تأثيرها القانوني المباشر، لأنها تضرب القيادة التاريخية للحركة وتضعها في موقع الدفاع المستمر أمام الرأي العام التونسي.

 

سقوط مشروع التمكين الإخواني

 

على امتداد سنوات ما بعد الثورة، اتهمت أطراف سياسية عديدة حركة النهضة بالسعي إلى التمكين التدريجي داخل مؤسسات الدولة. وكانت هذه الاتهامات تستند إلى ما اعتبره خصومها محاولات لبناء شبكات نفوذ داخل الإدارات والهيئات العمومية ومفاصل القرار.

ورغم أن الحركة كانت تنفي هذه الاتهامات وتؤكد التزامها بقواعد العمل الديمقراطي، فإن الملفات التي ظهرت لاحقاً أعادت إحياء النقاش حول طبيعة المشروع الذي كانت تسعى إلى تنفيذه خلال فترة وجودها في السلطة.

ويعتبر عدد من المحللين أن قضية الجهاز السري تمثل أخطر اختبار لهذا الجدل، لأنها تتعلق مباشرة بمسألة العمل خارج المؤسسات الرسمية للدولة. وإذا ما ثبتت كل الوقائع التي تناولتها المحاكم، فإن ذلك سيعني أن الاتهامات المتعلقة بالتمكين لم تكن مجرد صراع سياسي بين الخصوم.

كما أن التطورات القضائية الأخيرة تأتي في سياق إقليمي أوسع يشهد تراجعاً ملحوظاً لنفوذ جماعة الإخوان في عدد من الدول العربية، حيث تعرضت التنظيمات المرتبطة بها لضربات سياسية وأمنية متلاحقة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا السياق، تبدو تونس اليوم جزءاً من مشهد إقليمي يتجه نحو مزيد من التضييق على الحركات ذات المرجعية الإخوانية، خاصة في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالأمن والاستقرار ومواجهة التنظيمات العابرة للحدود.

تداعيات سياسية تتجاوز قاعات المحاكم

 

ولا تقتصر آثار الأحكام الصادرة في قضية الجهاز السري على الجانب القضائي فحسب، بل تمتد إلى المجال السياسي بصورة واضحة. فالقضية تمثل حلقة جديدة في مسلسل تراجع حركة النهضة الذي بدأ فعلياً منذ سنوات وتسارع بشكل كبير بعد إجراءات 25 يوليو.

ومن المرجح أن تؤثر هذه التطورات على قدرة الحركة على إعادة التموضع داخل الساحة السياسية، خاصة أن الرأي العام بات يتابع أخبارها من زاوية القضايا والمحاكم أكثر مما يتابع برامجها أو مواقفها السياسية.

هذا وتبدو الحركة أمام تحدٍ وجودي يتعلق بقدرتها على الحفاظ على تماسكها التنظيمي في ظل الضغوط المتزايدة على قياداتها التاريخية. فالتنظيمات السياسية غالباً ما تواجه صعوبات كبيرة عندما تفقد رموزها المركزية أو تدخل في دوامة من الملاحقات القضائية المستمرة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية