ترميم الشتات: لماذا تفشل مبادرات المصالحة بين جبهات الإخوان المسلمين؟

ترميم الشتات: لماذا تفشل مبادرات المصالحة بين جبهات الإخوان المسلمين؟

ترميم الشتات: لماذا تفشل مبادرات المصالحة بين جبهات الإخوان المسلمين؟


04/06/2026

يبدو المشهد الداخلي لجماعة الإخوان المسلمين أشبه ببيت تداعى سقفه وتصدعت جدرانه، بينما يصر ساكنوه على الصراع حول من يملك مفتاح الباب الرئيسي.  وعلى مدار العامين الماضيين لم تتوقف المبادرات التي أطلقها ما يُسمّى "حكماء التنظيم" أو "الوسطاء المستقلون "لرأب الصدع بين جبهات الجماعة المتصارعة (لندن، وإسطنبول، والتيار الثالث)، إلا أنّ كل هذه المبادرات باءت بفشل ذريع.

يعود ذلك، بشكل جوهري، إلى أنّ الأزمة الراهنة داخل الجماعة ليست مجرد خلاف تنظيمي عابر، بل هي "انشطار بنيوي "كشف عن حقيقة أنّ الجماعة لم تعد تنظيماً واحداً، بل تحولت إلى "إقطاعيات" مالية وسياسية يتصارع قادتها على ما تبقى من إرث التمكين، ممّا يجعل من فكرة "المصالحة "مجرد سراب إيديولوجي يصطدم بصخرة المصالح والشرعيات المتآكلة.

خريطة الانقسام... جبهات بلا جسور

لفهم فشل المصالحة، يجب أولاً قراءة خريطة التشرذم التي وصلت ذروتها خلال السنوات الأخيرة، وتبرز (جبهة لندن (بقيادة صلاح عبد الحق بوصفها الوريث لما تبقى من الهيكل التقليدي والاعتراف الدولي، متبنية خطاباً "دبلوماسياً" يحاول مداهنة الغرب. وفي المقابل تستميت (جبهة إسطنبول (بقيادة محمود حسين في الدفاع عن شرعيتها التاريخية، معتمدة على سيطرتها على مفاصل إدارية ومالية حساسة في تركيا.

وبين هاتين الجبهتين، تطل "الجبهة الثالثة" و تيار التغيير، الذي يضم بقايا "اللجان النوعية "والكوادر الشبابية الناقمة على "الحرس القديم"، هذه الجبهات لم تعد تتحدث لغة واحدة؛ فبينما تبحث جبهة لندن عن "تجميد الصراع" للنجاة من مقصلة القوانين الغربية، تراهن جبهة إسطنبول على "التحريض" لاستعادة الزخم، ممّا جعل أيّ طاولة مفاوضات تتحول إلى ساحة لتبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة، بدلاً من البحث عن نقاط التقاء.

"المال "عصب الحياة وسبب الشقاق

تؤكد المعلومات المتاحة أنّ السبب الحقيقي والأكثر عمقاً لفشل كل محاولات المصالحة هو "النزاع المالي". فالجماعة تمتلك إمبراطورية مالية عابرة للقارات، تُقدّر بمليارات الدولارات، تُدار عبر صناديق وقفية وشركات "أوف شور" معقدة، والصراع بين لندن وإسطنبول هو في جوهره صراع على "حق التوقيع "والسيطرة على هذه الأصول.

خلال جولات الحوار الأخيرة اصطدمت المبادرات برفض كل جبهة تقديم كشف حساب مالي للأخرى. جبهة إسطنبول تتهم جبهة لندن بتبديد أموال التنظيم الدولي في "مغامرات إعلامية"، بينما ترى جبهة لندن أنّ محمود حسين ومجموعته يختطفون "الاشتراكات وأموال الوقف" لصالح نفوذهم الشخصي.

في منظومة الإخوان، المال ليس مجرد وسيلة، بل هو "أداة السيطرة "على القواعد والولاءات؛ لذا فإنّ التنازل عن الإدارة المالية الموحدة يعني انتحاراً سياسياً لأحد الطرفين، وهو ما يفسر لماذا تنتهي كل "مبادرة لم شمل "عند الحديث عن "وحدة الميزانية".

"أزمة المرجعية"... من يمثل "الحق"؟

يعاني الإخوان من أزمة "مرجعية فقهية وتنظيمية" غير مسبوقة، فبعد غياب الرؤوس التاريخية الكبرى فقدت الجماعة "الكلمة الفصل". لم يعد هناك "مرشد" مجمع عليه يمتلك الكاريزما الكافية لفرض المصالحة بقرار "رباني".

كل جبهة استحدثت لنفسها "مجلس شورى" خاصاً و"لجنة إفتاء" تشرعن تحركاتها وتكفر "تنظيمياً "الجبهة الأخرى. هذا التشظي في المرجعية أدى إلى "تآكل فكرة السمع والطاعة"؛ إذ بات الكادر الإخواني العادي في حيرة من أمره: من هو المرشد الحقيقي؟ ومن يملك حق إصدار "البيعة"؟ هذه السيولة في المرجعيات جعلت من أيّ اتفاق صلح مجرد "حبر على ورق"، لأنّ كل طرف يرى في نفسه "الناجي الوحيد"،  ويرى الطرف الآخر "منحرفاً عن النهج "يجب تطهيره لا التصالح معه.

 "فخ الملاذات"... الضغوط الخارجية عامل طرد

لعبت التحولات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة دوراً حاسماً في تعميق الفجوة بين الجبهات. فالضغوط التي مارستها تركيا لتحجيم النشاط الإخواني، والرقابة المالية الصارمة في بريطانيا وفرنسا، جعلت كل جبهة تحاول "النجاة برأسها "بعيداً عن أزمات الجبهة الأخرى.

في بعض جولات المصالحة اشترطت جبهة لندن على جبهة إسطنبول وقف الخطاب التحريضي لتخفيف الضغط الغربي عنها، وهو ما اعتبرته إسطنبول "خيانة وتنازلاً عن الثوابت".

إنّ "ارتهان" الجبهات لسياسات الدول المستضيفة جعل القرار الإخواني قراراً "مشتتاً "بامتياز؛ فالإخوان في لندن يخضعون لمحددات الأمن البريطاني، والإخوان في إسطنبول لتقلبات السياسة التركية. هذا "الارتهان المزدوج" يجعل من المستحيل توحيد الاستراتيجية، فما يعتبره إخوان لندن مصلحة، يراه إخوان إسطنبول كارثة، والعكس صحيح.

"الفجوة الجيلية"... كفر القواعد بالقيادات

لا تقتصر أسباب الفشل على صراع القمة، بل تمتد إلى "قواعد الجماعة "التي أصيبت بحالة من القرف السياسي. في منتصف 2026 تبرز فئة واسعة من "شباب الشتات "الذين أعلنوا كفرهم بكل محاولات المصالحة، معتبرين إيّاها "محاولات لترميم أصنام قديمة".

هؤلاء الشباب، الذين دفعوا ثمن المغامرات الفاشلة لعام  2013 وما بعدها، يرون في قادة لندن وإسطنبول "تجار دماء "يبحثون عن مكاسب شخصية. ويعود فشل المصالحة أيضاً إلى أنّ القواعد لم تعد تطالب بالوحدة، بل تطالب بـ "المحاسبة"  و"الرحيل الجماعي "للقيادات الهرمة. وبما أنّ القيادات ترفض الاعتراف بالفشل أو التنحي، فإنّ الهوة بين "القمة المتصارعة" و"القاعدة المحبطة" تزداد اتساعاً، ممّا يجعل أيّ صلح فوقي مجرد "مسرحية "لا تجد من يصدقها في القواعد.

"عقدة المظلومية"... التنافس على دور الضحية

تمثل "المظلومية" الوقود الروحي للإخوان، وفي ظل الانقسام الحالي، تحولت هذه المظلومية إلى "سلعة "يتنافس عليها القادة. كلّ جبهة تحاول إثبات أنّها الأكثر معاناة وتضحية لانتزاع الشرعية.

خلال محاولات الوساطة كانت جبهة إسطنبول تزايد بملف "المسجونين" في الداخل، بينما تزايد جبهة لندن بملف "المطاردين "في الخارج. هذا التنافس على "تاج الضحية "حال دون التوصل إلى رؤية سياسية موحدة؛ لأنّ المصالحة تتطلب تنازلات، والتنازل في العقل الإخواني يُفسر كضعف أو تخلٍ عن "دماء الشهداء".  لقد حاصر الإخوان أنفسهم داخل سردية "الابتلاء "لدرجة أنّهم أصبحوا غير قادرين على إنتاج خطاب واقعي يجمع الشتات، فصار الصدام الداخلي هو "الابتلاء "  الجديد الذي يصعب الفكاك منه.

نحو "الموت السريري" للتنظيم الواحد

إنّ فشل مبادرات المصالحة بين جبهات الإخوان في الفترة الماضية يبعث برسالة واضحة: جماعة الإخوان المسلمين بصيغتها التاريخية قد انتهت، وما نراه اليوم هو مرحلة "تفكك الكتلة الصخرية "إلى شظايا متناثرة.

الشرعية التي يحاول كل طرف انتزاعها من الآخر هي شرعية "جسد ميت"، فالتنظيم الذي لا يستطيع حسم خلاف مالي أو إداري داخلي، هو تنظيم فقد مبرر وجوده كقوة سياسية أو اجتماعية. إنّ المصالحة تفشل لأنّ الأسباب التي أدت للانقسام لم تكن سوء تفاهم، بل كانت "انكشافاً أخلاقياً ومالياً" جعل الثقة بين الرفاق مستحيلة.

وسيظل الإخوان يطلقون مبادرات المصالحة لتخدير ما تبقى من قواعد، بينما الواقع يؤكد أنّ "قطار الوحدة " قد غادر المحطة منذ زمن، وأنّ الجماعة تتجه بخطوات ثابتة نحو "تذرر شامل "ينهي أسطورة التنظيم الدولي الواحد إلى الأبد. ما يتبقى ليس "جماعة"، وانّما "مصالح" و"أفراد" يتلحفون برداء إيديولوجي ممزق.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية