
لا تقتصر معاناة العديد من الفلسطينيين في القدس الشرقية على تلقي أوامر هدم منازلهم أو مواجهة خطر فقدان المأوى، بل تمتد إلى تجربة أكثر قسوة تتمثل في إجبارهم على هدم بيوتهم بأيديهم. وتُعدّ ظاهرة "الهدم الذاتي" واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المدينة، حيث يجد أصحاب المنازل أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر؛ إمّا تنفيذ عملية الهدم بأنفسهم، وإمّا تحمل تكاليف إضافية وغرامات مرتفعة في حال قيام السلطات بتنفيذ الهدم.
وبالنسبة إلى العائلات المقدسية، فإنّ المنزل لا يمثل مجرد بناء من الحجر والإسمنت، بل هو ذاكرة عائلية ومصدر للاستقرار ونتاج سنوات طويلة من العمل والادخار. لذلك يتحول قرار الهدم الذاتي إلى تجربة نفسية واجتماعية واقتصادية قاسية، تترك آثارًا طويلة الأمد على الأفراد والمجتمع. وتؤثر عمليات الهدم الذاتي على النسيج الاجتماعي في الأحياء الفلسطينية بالقدس، فكل منزل يُهدم لا يمثل خسارة لعائلة واحدة فقط، بل ينعكس على المجتمع المحيط بأكمله. وغالبًا ما تشهد الأحياء حملات تضامن شعبية لمساندة الأسر المتضررة، سواء عبر المساعدات المالية أو توفير أماكن إقامة مؤقتة.
تقول السلطات الإسرائيلية إنّ عمليات الهدم ترتبط بمخالفات بناء أو تشييد مبانٍ من دون تراخيص قانونية، في المقابل يؤكد فلسطينيون ومنظمات حقوقية أنّ الحصول على تراخيص البناء في القدس الشرقية يواجه عقبات كبيرة وإجراءات معقدة ومكلفة، وهو ما يدفع العديد من السكان إلى البناء لتلبية احتياجاتهم السكنية المتزايدة. ومع تزايد عدد أفراد الأسرة وارتفاع أسعار العقارات وشح الأراضي المتاحة للبناء، يجد كثير من المقدسيين أنفسهم أمام أزمة سكنية حقيقية. وفي ظل هذه الظروف تصبح أوامر الهدم تهديدًا مباشرًا لاستقرار آلاف العائلات.
ألم مضاعف
عندما تصدر أوامر الهدم يُطلب في بعض الحالات من أصحاب المنازل تنفيذ العملية بأنفسهم خلال فترة زمنية محددة. ويصف متضررون هذه التجربة بأنّها أشد قسوة من الهدم التقليدي، إذ يُجبر الأب أو الأم على إزالة الجدران التي شهدت سنوات من الحياة العائلية والذكريات. ولا تقتصر المعاناة على الجانب المادي، بل تمتد إلى الأثر النفسي العميق، فمشاهد تفكيك المنزل وتحطيم غرف الأطفال والأثاث تترك صدمة لدى أفراد الأسرة، وخاصة الأطفال الذين يجدون أنفسهم فجأة أمام واقع جديد من عدم الاستقرار والخوف من المستقبل.
ويؤكد مختصون في الصحة النفسية أنّ فقدان المنزل يمكن أن يؤدي إلى مشاعر القلق والحزن والإحباط، وقد ينعكس على التحصيل الدراسي للأطفال والعلاقات الاجتماعية داخل الأسرة. وإلى جانب خسارة المسكن، تواجه العائلات أعباء مالية كبيرة، فعملية الهدم الذاتي تتطلب في كثير من الأحيان استئجار معدات وبعض العمال المتخصصين، فضلًا عن تكاليف البحث عن سكن بديل. كما أنّ بعض الأسر تضطر إلى دفع قروض أو التزامات مالية مرتبطة بالمنزل المهدوم، ما يزيد من حجم الضغوط الاقتصادية. وتزداد الأزمة تعقيدًا بالنسبة إلى العائلات ذات الدخل المحدود، حيث يصبح تأمين مسكن جديد تحديًا كبيرًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والإيجارات.
انعكاسات سلبية
ويرى مراقبون أنّ استمرار هذه الظاهرة يسهم في زيادة الشعور بعدم الاستقرار، ويعمق التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها السكان الفلسطينيون في المدينة. ويقول المختص في الشأن الإسرائيلي عليان الهندي إنّ "سياسة هدم المنازل هي عقاب ممنهج بحق الفلسطينيين في القدس"، معتبرًا أنّها جزء من إجراءات تستهدف الوجود الفلسطيني في المدينة، ورأى أنّ الهدم يخلف آثارًا اجتماعية واقتصادية عميقة على الأسر المقدسية.
وأشار في حديث لـ (حفريات) إلى أنّ "هدم البيوت يندرج ضمن ما وصفه بالحرب الديموغرافية التي تستهدف السكان الفلسطينيين في القدس"، مشيرًا إلى أنّ أوامر الهدم تشكل إحدى الأدوات المستخدمة للضغط على المقدسيين ودفعهم إلى مغادرة المدينة.
ولفت إلى أنّ "سياسات التخطيط والبناء في القدس الشرقية تؤدي إلى تقييد البناء الفلسطيني، وأنّ هدم المنازل يرتبط بهدف الحد من التوسع السكاني الفلسطيني وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المدينة".
تفريغ السكان الأصليين
تتحدث عائلة المواطن المقدسي نادر عوض الله عن إجبار السلطات الإسرائيلية العائلة على هدم بيتها ذاتيًا، وإخطارهم أسبوعين لهدم البيت كاملًا، وفي حال الرفض يتعرض للسجن ودفع غرامة مالية تقدر بنصف مليون شيكل إسرائيلي.
وبيّن عوض الله في حديثه لـ (حفريات) أنّ "الاحتلال يهدف إلى تفريغ المدينة المقدسة من سكانها الأصليين، بالعمل على هدم البيوت وتهجير السكان، ويزداد الأمر صعوبة مع غياب الحماية العربية والدولية والتصدي لمخططات الاحتلال".
ولفت إلى أنّ "أوامر الهدم تصدر بشكل متصاعد وخطير دون إبداء أسباب مقنعة"، قائلًا إنّ هدم البيت بيده يشبه أن يُطلب من الإنسان أن يشنق نفسه، مؤكدًا أنّ الأصعب من خسارة الجدران هو رؤية سنوات التعب والجهد تتحول إلى ركام أمام أسرته.
وتمثل ظاهرة الهدم الذاتي في القدس واحدة من أكثر القضايا الإنسانية حساسية وتعقيدًا، فبعيدًا عن الجوانب القانونية والإدارية، تعكس هذه الممارسات معاناة أسر تواجه خطر فقدان منازلها، وما يرتبط بها من ذكريات وأمان واستقرار. وبين المبررات الرسمية والانتقادات الحقوقية، يظل السكان المتضررون في قلب أزمة تتجاوز هدم الجدران لتطال مختلف جوانب حياتهم اليومية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_0.jpg.webp?itok=cfMu1WMs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_5.jpg.webp?itok=4ZjqR8pK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84_10_4.jpg.webp?itok=Tb3ja79D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%85_2_1_1_0_1_3_0.png.webp?itok=B_aqJ73A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_3.jpeg.webp?itok=hc_VaQOg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_1.jpg.webp?itok=fFpTXApw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_0.jpg.webp?itok=nRwtHFUN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_1.jpg.webp?itok=ZHdchJGw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_176.jpg.webp?itok=aL0i-O1b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_1.jpg.webp?itok=l-buhOgN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86_10.jpg.webp?itok=lZKGjScW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
