أسرار محاكمة الغنوشي وتنظيم إخوان تونس

أسرار محاكمة الغنوشي وتنظيم إخوان تونس

أسرار محاكمة الغنوشي وتنظيم إخوان تونس


04/06/2026

تمت محاكمة راشد الغنوشي بتهمة رئاسته للجناح السري لحركة النهضة، وهذا الجناح هو تنظيم موازٍ، تم تفعيل عمله عقب سقوط حكم الرئيس زين العابدين بن علي.

فقد أدركت حركة النهضة أن الوصول إلى سدة السلطة في تونس أمرٌ عسير بسبب كثير من القوى الممانعة في المجتمع التونسي، فاعتمدت خيار التمكين، أو ما أطلق عليه الغنوشي (تمكين النخبة)، الذي يعني تعزيز مواقعها في مراكز القرار، ومن ثم محاولة إبعاد المناوئين لها من مراكز حساسة تُفعل أثرها على مستوى الشارع ومؤسسات الدولة في آن واحد. وهنا برز جناحها السري، الذي كان له ذراعٌ مسلحٌ متهم بارتكاب عدة عمليات تصفية ضد معارضين سياسيين بارزين، بالإضافة إلى إنشاء دولة ظل داخل تونس.

اعتمدت النهضة، لبناء تمكينها وجهازها السري، على شبكة من النشطاء والتنظيم الميداني، الذي استقبل الغنوشي بعد سنوات المنفى بنشيد (طلع البدر علينا)، لكن الحركة فوجئت بأن هناك رصيدًا شعبيًا مضادًا لتوجهاتها، فاعتمدت عدم الدخول في مواجهات مع القوى أو السلطة، وتعاونت مع بعض القوى الوطنية، كما تحالفت مع حزب المؤتمر لمنصف المرزوقي.

وبناءً على السياسة السابقة التي اعتمدتها الحركة، تقربت من رجال بن علي عبر قوانين تمنع محاكمتهم، وانسحبت من الحكم، وقامت باستكمال بناء جهازها السري، وبناء جهاز أمنٍ موازٍ، وتابعت العسكريين، وكتبت تقارير حولهم، كما تابعت أنشطة القضاة والصحفيين وتجسست عليهم.

ووفق الوثائق التي أفرجت عنها الداخلية التونسية عقب مطالبات من محامي الدفاع في قضية اغتيال بلعيد والبراهمي، فقد أشرف الجهاز السري العسكري على دورات حول التنصت والاستخبارات وكيفية كتابة التقارير.

ونسّق الجهاز السري، وفق وثائقي حول الغرف السوداء للجناح السري للحركة عرضته قناة (سكاي نيوز)، مع إخوان مصر، وشارك المصري سليمان عزمي عويس في تدريب العناصر في عدد من الدورات بالعاصمة التونسية.

كما تداولت وسائل إعلام محلية تونسية تقريرًا عن وجود 21 ألف عنصر ضمن الجهاز المذكور، تغلغلوا في كل مؤسسات الدولة.

واعترف وزير الداخلية التونسي الأسبق، لطفي بن جدو، بأن النهضة تمتلك أجهزة تنصت تفوق قدرات الجيش والأمن في تونس، وهي تجهيزات على شكل حقائب قادرة على التقاط 4000 مكالمة في الوقت نفسه، وعادةً ما تُنقل على متن سيارات مغلقة.

كما اعترف منفذ عملية باب سويقة، والعضو سابقًا في حركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حاليًا)، كريم عبد السلام، خلال لقاء في إذاعة شمس أف أم، بأنه كان وراء مقترح استهداف لجنة تنسيق التجمع الدستوري الديمقراطي بباب سويقة سنة 1991، وأنه خطط للعملية بمشاركة قياديين في الحركة الإسلامية، أمثال منجي الرعاش وعماد المغيربي والهادي السعيدي ومصطفى حسين.

وقد كانت قيادة الحركة، حسب عبد السلام، على علم بهذه العملية وغيرها من العمليات المسلحة والعنيفة، على غرار افتكاك أسلحة لأمنيين والاعتداء على مواطنين بمادة ماء الفرق في كل من جندوبة والكرم. وجاءت هذه العمليات في سياق خطة صادقت عليها هياكل الحركة في مؤتمرها، وغايتها استهداف النظام حينها. الأخطر من ذلك ما جاء في اعترافات منفذ عملية باب سويقة من أن حركة النهضة «لها جهاز خاص أمني واستخباراتي وجهاز سري مسلح، كان تحت مسؤولية وتوجيه قيادات حالية في حركة النهضة، وأن هذا الجهاز السري للحركة ما زال موجودًا».

وأفادت وثائق الجناح السري التي نشرتها وسائل إعلام تونسية بأن هناك مقربين من الغنوشي يقودون هذا الجهاز، وهم: مصطفى خضر، محيي الدين الفرجاني، علي العريض، رضا الباروني، وعبد العزيز الدغسني، صهر راشد الغنوشي.

ويعتقد كثيرون أن حركة النهضة ليست جسدًا واحدًا، وأنها أجرت مراجعات كثيرة، وبناءً عليه فإن خروجها من الحكم بهذه الطريقة يمكن أن يدفعها إلى الانكفاء على نفسها، أو الاستعانة بشرعية الانتخابات والبرلمان في مقابل شرعية الجماهير والرئيس. وهذا قد يدفع إلى حلول وسط تمكنها من البقاء في المشهد السياسي، إلا أن ذلك مرهون بالقرارات التالية من الرئاسة والجيش التونسي، الذي ألمح إلى محاكمات وفتح ملف الجناح السري للحركة، مما سيؤدي إلى القبض على عدد من عناصره وإجراء محاكمات لهم، وهو ما قد لا يكون مقبولًا في تلك الظروف، ويدفع في اتجاه رد فعل عنيف.

نشر معهد العربية للدراسات على موقعه دراسة تحت عنوان: «النهضة والخروج من حكم تونس: العوامل والسيناريوهات المحتملة»، للباحث والصحفي التونسي منذر بالضيافي، حيث لم يستبعد الباحث أن ينجح التيار البراغماتي داخل الحركة في إحداث مراجعات جذرية، وإعادة تجربة الأحزاب المسيحية في أوروبا. وهذا السيناريو مرجح جدًا، حيث يرى أن التيار الإسلامي، ممثلًا في حركة النهضة، سيحافظ على موطئ قدم داخل الحقل السياسي، إلا أنه في الوقت ذاته قد يحتشد أنصار الرئيس وأنصار النهضة في الشوارع في أنحاء البلاد، مما قد يؤدي إلى مواجهات عنيفة بين الجانبين، وقد يدفع قوات الأمن إلى التورط وبدء عهد من الاضطرابات.

عن صفحة الكاتب الشخصية في فيسبوك




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية