أحكام "الجهاز السري" تهزّ تونس: إدانات ثقيلة تضع مستقبل الإخوان السياسي على المحك

أحكام "الجهاز السري" تهزّ تونس: إدانات ثقيلة تضع مستقبل الإخوان السياسي على المحك

أحكام "الجهاز السري" تهزّ تونس: إدانات ثقيلة تضع مستقبل الإخوان السياسي على المحك


04/06/2026

تمثل الأحكام الصادرة في قضية "الجهاز السري لحركة النهضة" ضربة غير مسبوقة للحركة التي هيمنت على جزء مهم من المشهد السياسي التونسي منذ عام 2011، إذ أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية في تونس أحكامًا مشددة تراوحت بين السجن عشر سنوات والسجن المؤبد بحق عدد من المتهمين، من بينهم رئيس الحركة راشد الغنوشي ونائبه علي العريض.

وبحسب الجهات القضائية، فقد أُدين المتهمون بجرائم تتعلق بتكوين وفاق إرهابي والانضمام إليه، ووضع خبرات وكفاءات على ذمة أشخاص وتنظيمات مرتبطة بجرائم إرهابية، إلى جانب جرائم أخرى ينص عليها قانون مكافحة الإرهاب التونسي. وتكتسب هذه الأحكام أهمية استثنائية لارتباطها بواحدة من أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل في تاريخ الحركة، ممّا يجعلها محطة مفصلية قد تنعكس على مستقبل النهضة وموقع تيار الإسلام السياسي في المشهد التونسي خلال المرحلة المقبلة.

في هذا السياق، قالت فاطمة المسدي، عضو مجلس النواب: إنّ الحكم الصادر في قضية "الجهاز السري" لا يُعدّ مجرد قرار قضائي، بل يمثل حدثًا دالًا ولافتًا في تاريخ تونس الحديث.

وأضافت المسدي في تصريحاتها لـ (حفريات) أنّ ملف "الجهاز السري" ظلّ لسنوات محل إنكار وتشكيك وتبادل للاتهامات، في مقابل مطالب متواصلة من عائلات الشهداء والضحايا بكشف الحقيقة كاملة.

واعتبرت المسدي أنّ أهمية هذه الأحكام لا تقتصر على العقوبات الصادرة، بل تمتد إلى الرسائل التي تحملها، وفي مقدمتها تأكيد عدم إمكانية التعايش مع أيّ تنظيم موازٍ لمؤسسات الدولة أو هياكل تعمل خارج إطار القانون والرقابة الديمقراطية، وأنّ تونس ستظل عصية على أيّ تيار تكفيري أو متشدد أو يحمل راية العنف.

خطورة التنظيم الموازي

وشددت النائبة التونسية على أنّ العنف السياسي، بأيّ شكل كان أو تحت أيّ غطاء إيديولوجي أو حزبي، لا يمكن أن يكون وسيلة للعمل السياسي في تونس، معتبرة أنّ البلاد دفعت كلفة باهظة نتيجة الاغتيالات والتوترات الأمنية، وأنّ من حق التونسيين معرفة الحقيقة كاملة ومحاسبة كل من يثبت تورطه في المساس بأمن الدولة أو سلامة المواطنين.

وخلصت إلى القول: إنّ ما ينتظر اليوم لا يقتصر على صدور الأحكام، بل يشمل كشف الحقيقة كاملة للرأي العام، بما في ذلك ملفات التسفير والشبكات التي يُشتبه في تورطها، وكل ما يتعلق بمحاولات التغلغل داخل مؤسسات الدولة أو توظيفها سياسيًا.

وأكدت في ختام تصريحاتها أنّها، رغم ما تعرّضت له من ضغوط وتشويه، تعتبر أنّ الحقيقة لا تسقط بالتقادم، وأنّ حق التونسيين في معرفة ما جرى يظل حقًا ثابتًا، وأنّ الدعوة إلى حل حركة النهضة ينبغي أن تظل قائمة وفاعلة. 

وتعود جذور قضية "الجهاز السري لحركة النهضة" إلى مطلع عام 2022، إثر شكوى تقدمت بها النيابة العمومية وهيئة الدفاع عن السياسيين الراحلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا عام 2013. واتهمت هيئة الدفاع ما وصفته بـ"الجهاز السري" التابع لحركة النهضة بالتورط في عمليتي الاغتيال، فضلاً عن ممارسة أنشطة تجسس واختراق مؤسسات الدولة، ووجهت اتهامات إلى عدد من قيادات الحركة، وفي مقدمتهم راشد الغنوشي، بالإشراف على هذا الجهاز وإدارته. وقد تولت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بأريانة النظر في الملف في بدايته، قبل أن تقرر في أيلول/سبتمبر 2023 إحالته إلى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب باعتباره الجهة المختصة بالنظر في القضية.

من جانبه، قال الكاتب التونسي منذر بن ثابت في حديثه لـ (حفريات): إنّ التنظيم السري لحركة النهضة تشكّل في سياق صعود الحركة إلى الحكم خلال ما عُرف بالربيع التونسي، موضحًا أنّ تلك المرحلة اتسمت بحالة من الاحتراز والريبة تجاه الجهاز الأمني الرسمي ومؤسسات الدولة الصلبة، بما في ذلك المؤسسة العسكرية.

هل تفتح الأحكام الباب لحل حركة النهضة؟

ولفت إلى أنّ هذا التوجس ظهر بوضوح في الفيديو المسرّب الذي جمع رئيس الحركة راشد الغنوشي بعدد من رموز التيار السلفي، معتبرًا أنّ مخاوف حركة النهضة من احتمال التعرض لانقلاب أو لاستهداف سياسي دفعتها إلى تشكيل تنظيم موازٍ والعمل على اختراق الأجهزة الأمنية بهدف التحوّط وحماية وجودها السياسي.

وتابع أنّ الأحكام القضائية الصادرة خلال بداية شهر حزيران/يونيو الجاري كانت متوقعة إلى حد كبير، مشيرًا إلى أنّ غالبية التشكيلات السياسية التونسية الحالية، بما فيها أطراف كانت متحالفة سابقًا مع حركة النهضة، دعت إلى محاسبة الحركة وملاحقتها، واعتبارها طرفًا مشبوهًا في عدد من ملفات الإرهاب.

وأوضح أنّه حتى حلفاء حركة النهضة الحاليين سبق أن طالبوا بمحاسبتها على خلفية الاغتيالات السياسية، ولا سيّما اغتيال كّل من شكري بلعيد ومحمد البراهمي، فضلًا عن تنامي ظاهرة الإرهاب خلال فترة حكم الترويكا وصعود حركة النهضة إلى السلطة.

وأشار إلى أنّ التنظيمات الأكثر تطرفًا تمكنت خلال تلك المرحلة من التمركز داخل الساحة التونسية، ومن بينها تنظيم "أنصار الشريعة" وتنظيمات أخرى مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش.

وأكد أنّ الأحكام الصادرة ستعزز الموقف الداعي إلى حل حركة النهضة، موضحًا أنّ الأحكام المرتبطة بملفات الإرهاب والتآمر تؤكد ضرورة الحسم مع هذا التنظيم، باعتباره واجهة سياسية لمشاريع عنف سياسي أو لممارسات مشابهة.

واستدرك بالقول إنّ هذا الموقف لا يحظى بإجماع جميع العائلات السياسية التونسية، وإنّما تتبناه أطراف تعتبر أنّ هذا الخيار هو الوحيد الممكن في التعامل مع تنظيم تحوم حوله شبهات التورط في الإرهاب، سواء خلال حكم الحبيب بورقيبة أو زين العابدين بن علي أو بعد 14 كانون الثاني/يناير 2011.

وأضاف أنّ هذا التقييم لا يقتصر على الحالة التونسية، إذا ما أُخذت في الاعتبار تجارب أخرى شهدتها مصر وعدد من الدول العربية.

وفي المقابل، لفت إلى وجود طرح آخر يرى أنّ المقاربة الأمنية وحدها لا تمثل الخيار الأنسب أو الأنجع لحسم مصير الحركات الإسلامية في المنطقة العربية، لأنّ الإجراءات الأمنية قد تنهي تنظيمًا، لكنّها لا تقضي على الأفكار التي يمكن أن تجد طريقها إلى فئات من الشباب والطلبة وغيرهم.

وأوضح أنّ ذلك قد يفضي إلى ظهور تنظيمات سرّية جديدة، كما جرت العادة لدى بعض التنظيمات الإسلامية، بما قد يشكل تهديدًا للاستقرار بصورة أو بأخرى.

وأكد  الكاتب التونسي منذر بن ثابت في ختام حديثه لـ (حفريات) أنّ جميع مكونات المشهد السياسي ينبغي أن تُواجَه بالحجة والقانون، وأنّه متى تمرد أيّ طرف على القانون فإنّ الردع القانوني يصبح السبيل المناسب والوحيد لمواجهة مثل هذه الانحرافات، بغضّ النظر عن الخلفية الفكرية أو السياسية للجهة المعنية، سواء كانت يسارية أو يمينية أو دينية.

وتعود جذور قضية "الجهاز السري لحركة النهضة" إلى مطلع عام 2022، إثر شكوى تقدمت بها النيابة العمومية وهيئة الدفاع عن السياسيين الراحلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا عام 2013. واتهمت هيئة الدفاع ما وصفته بـ"الجهاز السري" التابع لحركة النهضة بالتورط في عمليتي الاغتيال، فضلاً عن ممارسة أنشطة تجسس واختراق مؤسسات الدولة، ووجهت اتهامات إلى عدد من قيادات الحركة، وفي مقدمتهم راشد الغنوشي، بالإشراف على هذا الجهاز وإدارته. في المقابل، نفت حركة النهضة هذه الاتهامات واعتبرتها ذات دوافع سياسية. وقد تولت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بأريانة النظر في الملف في بدايته، قبل أن تقرر في أيلول/سبتمبر 2023 إحالته إلى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب باعتباره الجهة المختصة بالنظر في القضية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية