
ظهرت جماعة الإخوان المسلمين في بدايات القرن العشرين كأوّل حركة إسلامية تبعها العديد من الحركات والتيارات الأخرى فيما بعد، كجماعة مندمجة في المجتمع إلى حد كبير معبرة عن العديد من فئاته وطبقاته الاجتماعية، على الرغم من وجود نظرة استعلائية راسخة لديها تجاه المجتمع نابعة من تصور أنّها الجماعة التي جاءت لتعيد الناس إلى الإسلام مرة أخرى بعد أن ابتعدوا عنه؛ ممّا جعلها تشعر بأفضليتها تجاه الآخرين.
لكن مع مرور الوقت ودخول الجماعة في صدام الخمسينات وما بعدها مع السلطة وتعرضها لعدد من الأزمات والممارسات داخل السجون وخارجها، وظهور سيد قطب بسماته الشخصية المختلفة؛ بدأ يظهر مفهوم داخل الجماعة من خلال كتابات قطب وهو "العزلة الشعورية"، هذا المفهوم أسهم في صياغة عقل الجماعة لفترة من الزمن، وتأثر به عدد من الجماعات التي ظهرت خلال مرحلة الستينات وما بعدها، وكان له دور في انعزال هذه الجماعات عن المجتمع وتكوينها مجتمعات مغلقة عاشت فيها رافضة للاندماج.
ومع تغير الظروف بعد نهاية حقبة الحكم الناصري وفتح المجال أمام التيار الديني للعمل خلال مرحلة حكم السادات وبعدها بصورة أقل؛ بدأت هذه الجماعات في الخروج من عزلتها جزئيًا وبشكل محسوب، ثم بعد الربيع العربي زادت درجة هذا الاندماج بسبب تغير الطروف واستجابة لتحديات المرحلة ومقتضياتها.
والسؤال المطروح هنا هو: لماذا تغير أسلوب الجماعات الجهادية من العزلة إلى الاندماج، وهل هذا الاندماج يعكس تغير في نظرة الجماعات إلى نفسها والمجتمع، أم أنّه تغير اقتضته ضرورات الاستقطاب والرغبة في الانتشار والتأثير، وما الأثر الذي أحدثه هذا الاندماج في المجتمع؟
مفهوم العزلة الشعورية
طرح سيد قطب من خلال العديد من كتاباته مثل "معالم في الطريق"، و"في ظلال القرآن" مفهوم العزلة الشعورية، ويعني هذا المفهوم الاندماج المحسوب في المجتمع بشكل يحقق التأثير والتغيير المطلوب وفي الوقت نفسه لا يؤدي إلى التأثر بما في المجتمع من أفكار وعادات، وهو مفهوم ناتج عن رؤية قطب للمجتمع الذي وصفه بـ "الجاهلية" واعتبره قد ابتعد عن الإسلام منذ قرون، ممّا خلق شعورًا بالرفض داخل قطب تجاه المجتمع، وجعل ينظر إليه مكونًا من فئتين؛ الأولى تمثل الشريحة الكبرى منه التي لا تُعتبر مسلمة سوى بالاسم فقط، والثانية تمثلها تلك "العصبة المؤمنة" التي تسعى إلى إعادة بناء المجتمع المسلم مرة أخرى، وقد عزز من الشعور بالرفض ذلك الصدام الذي وقع بين جماعة الإخوان والسلطة في المرحلة الناصرية وما ترتب عليه من تداعيات، وأسهم في تعميقه طبيعة قطب الشخصية الحالمة الحادة المتقلبة، وممّا كتبه قطب في هذا الإطار: "ليس لنا أن نجاري الجاهلية في شيء من تصوراتها، ولا في شيء من أوضاعها، ولا في شيء من تقاليدها، مهما اشتدَّ الضغط علينا، حين نعتزل الناس؛ لأننا نحسّ أننا أطهر منهم روحًا، أو أطيب منهم قلبًا، أو أرحب منهم نفسًا، أو أذكى منهم عقلًا، لا نكون قد صنعنا شيئًا كبيرًا، اخترنا لأنفسنا أيسر السبل وأقلها مؤونة"، إنّ العظمة الحقيقية أن نخالط هؤلاء الناس، مُشْبَعين بروح السماحة، والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم، ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع، إنّه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا، ومثلنا السامية، أو أن نتملق هؤلاء الناس ونثني على رذائلهم، أو أن نشعرهم أننا أعلى منهم أفقاً... إنّ التوفيق بين هذه المتناقضات، وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد هو العظمة الحقيقية". ويقول في موضع آخر: "كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ماضي المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه، تنشأ عنها عزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية، فهو قد انفصل نهائياً من بيئته الجاهلية واتصل ببيئته الإسلامية".
وقد تأثر بكتابات قطب وأفكاره ومفاهيمه التي طرحها حول الجاهلية، والحاكمية، والعزلة الشعورية... إلخ، العديد من الأفراد الذين شكّلوا عددًا من التنظيمات خلال حقبة الستينات وما بعدها، واتجهوا إلى الانزواء بعيدًا عن المجتمع الذي شعروا بداخله بالغربة نتيجة الاعتقاد بأنّه مجتمع غير مسلم ويحارب الإسلام، وأنّه يجب عليهم الابتعاد لفترة يقومون خلالها بإعداد أنفسهم إيمانيًا وثقافيًا وبدنيًا وتنظيميًا حتى يستطيعوا تحقيق هدفهم بإقامة ذلك المجتمع المنشود وفق الصورة المتخيلة لديهم، ومن هذه الجماعات "جماعة المسلمين" التي عُرفت إعلاميًا بـ "جماعة التكفير والهجرة"، حيث اتجه أعضاء هذه الجماعة إلى العزلة وعاشوا فترة من الزمن في الجبال وداخل الكهوف بهدف الإعداد والتدريب والابتعاد عن مجتمع لا يتوافقون مع قيمه وثقافته بشكل عام.
التحول نحو الاندماج تدريجيًا
مع وصول السادات إلى الحكم بداية السبعينات وإتاحته الفرصة أمام التيار الديني للعمل وإزالة الكثير من العقبات من أمامه؛ بدأت التنظيمات الإسلامية تنتشر في المجتمع بصورة أكبر سعيًا نحو تحقيق الانتشار والتأثير فيه وتوسيع القاعدة التنظيمية بضم أعضاء جدد إليها، فخرجت هذه التنظيمات تدريجيًا من عزلتها نتيجة اعتقادها بأنّ المناخ العام قد أصبح مهيئًا لتحقيق هدفها في استعادة المجتمع المسلم وإقامة الدولة الإسلامية المنشودة، لكنّه في الوقت نفسه لم يكن اندماجًا حقيقيًا يعكس تغيرًا في نظرة هذه التنظيمات إلى المجتمع، حيث كانت النظرة إليه ما تزال كما هي من أنّه مجتمع بعيد عن الإسلام وأنّه بحاجة إلى تلك "الفئة المؤمنة" التي تفهم الإسلام على الوجه الصحيح والقادرة على إنقاذ المجتمع.
واستمرت الجماعات الجهادية في ذلك الاندماج المحسوب في المجتمع، والناتج عن طبيعة السياق السياسي في المراحل التالية لحكم السادات الذي لم يسمح لها بالعمل بحرية، والناتج أيضًا عن شعور الرفض تجاه المجتمع والاستعلاء عليه والشعور بالأفضلية.
لكن مع أحداث الربيع العربي والتحولات التي صنعها والمساحة الكبيرة التي وجدتها هذه التنظيمات أمامها خلال العامين التاليين؛ بدأت التنظيمات والتيارات الجهادية في الخروج من العزلة بشكل أكبر والاندماج داخل المجتمع، مع استمرارها على استراتيجية الاندماج المحسوب نفسها الناتجة عن الصورة الذهنية الراسخة لديها عن ذاتها وعن الآخر، وساعد هذه التنظيمات في الانتشار ذلك الاستخدام المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت هذه التنظيمات قادرة على الوصول إلى شريحة أكبر من المجتمع والتأثير فيه ونشر أفكارها وتصوراتها بين أفراده من خلال هذه الوسائل، وازداد اعتمادها علىيها بعد سقوط الإخوان من الحكم وعودة القيود الأمنية والسياسية على أغلب التنظيمات الدينية وخاصة الجهادية، لكن تظل قدرة التنظيمات الجهادية على الوصول إلى عدد كبير من الأفراد مستمرة، وفي بعض الأوقات لم يكن هذه الانتشار من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ولا من خلال الفضاء الإلكتروني بشكل عام فحسب، ولكن كان من خلال الواقع الفعلي، حيث كان ينشط بعض أعضاء التنظيمات والتيارات الجهادية من خلال بعض الأنشطة مثل صالات الألعاب الرياضية التي يوظفونها في نشر الأفكار واستقطاب الأعضاء الجدد، وكان يقوم البعض منهم بإقامة معسكرات رياضية خارج مصر يشترك فيها العديد من الشباب المصري المقيم هناك لتحقيق الأهداف نفسها؛ ممّا يكشف عن الأثر السلبي لتحول التنظيمات الجهادية من العزلة إلى الاندماج والمتمثل في اكتسابها القدرة على الانتشار والتأثير في المجتمع بصورة أكبر من تلك المرحلة التي كانوا منعزلين فيها ومنغلقين على أنفسهم.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=X-uAZrAT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%84_1_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=fIc2oEiA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_3_4.jpg.webp?itok=qhzGZcvc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ql_0_0_1.jpg.webp?itok=TEKQFDFD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/20211025075728reup-2021-10-25t075412z_1321030761_rc2vgq9nn0v4_rtrmadp_3_sudan-politics-scaled-730x438_0.jpeg.webp?itok=kcxDVFSt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/2025_8_23_18_46_48_187.jpg.webp?itok=WO_EJx5i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_2_4_0_2.png.webp?itok=Q2mQIaO9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0_0.jpg.webp?itok=tveF5mr8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5ef6434f-60b5-4d8e-9e50-0c7205d9ae75.png.webp?itok=hjYIPSiB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%88%D9%8A_0_1_0.jpg.webp?itok=xC3mf9Aj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f9cff6a2-2049-4205-9923-d468d751c5de.png.webp?itok=CFcv08yD)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/2d527aec-b2f5-4225-9259-bd9488ac3272.png.webp?itok=Xegu8X6Y)






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)