الاتفاق الإسرائيلي اللبناني... "هدنة بانتظار حسم الملف الإيراني"

الاتفاق الإسرائيلي اللبناني... "هدنة بانتظار حسم الملف الإيراني"

الاتفاق الإسرائيلي اللبناني... "هدنة بانتظار حسم الملف الإيراني"


27/06/2026

يمثل الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، الذي تم الإعلان عنه في واشنطن برعاية أمريكية، محطة سياسية وأمنية بارزة في الشرق الأوسط،ورغم أنه لا يرتقي إلى مستوى معاهدة سلام شاملة،الا انه عمليا يشكل محاولة لإدارة الصراع ومنع تحوله إلى مواجهة واسعة في ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة، خاصة وأن الاتفاق جاء الاتفاق بعد أشهر من التصعيد العسكري في الجنوب اللبناني وما خلفه من خسائر بشرية ومادية ونزوح واسع للسكان، وتزامن مع إعادة طرح قضية احتكار الدولة للسلاح ودور المؤسسات الرسمية في إدارة الملف الأمني، أما بالنسبة لإسرائيل فيشكل الاتفاق فرصة لإنتاج واقع أمني جديد على حدودها الشمالية يحد من التهديدات ربما يمهد لاحقا للدخول في تسوية سياسية شاملة، فيما ترى واشنطن أن الهدف الأساس هو إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وتقليص نفوذ الفاعلين المسلحين غير الحكوميين، في اشارة لوكلاء ايران في الإقليم.

ورغم محدودية التسريبات الخاصة ببنود الاتفاق، الا أن المؤكد أن إسرائيل ستنسحب من منطقتين في الجنوب ويتسلمها الجيش اللبناني لتنفيذ نزع سلاح حزب الله منها، مع ذلك فان التحديات التي تواجه تنفيذ الاتفاق عديدة،خاصة قضية نزع سلاح حزب الله، إذ تعتبره واشنطن وتل أبيب عائقاً أمام الاستقرار الدائم، بينما يراه الحزب جزءاً من معادلة المقاومة والدفاع عن لبنان،كما يواجه الاتفاق تحديات داخلية مرتبطة بالانقسام السياسي اللبناني، وخارجية مرتبطة بمسار التفاهمات الأمريكية الإيرانية، ويُظهر الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي تشابهاً مع تجربة واشنطن في التفاهم مع إيران، حيث سعت الولايات المتحدة إلى بناء تفاهمات مع تيار براغماتي داخل النظام الإيراني، بينما واجهت تحدياً من الحرس الثوري الذي اعتبر تلك التفاهمات تهديداً لدوره ومصالحه، وبالتزامن فإن الاتفاق مع لبنان يقوم على تعزيز دور الحكومة والجيش كجهة رسمية، لكنه يصطدم بموقف حزب الله الذي يرى نفسه جزءاً من معادلة المقاومة ويعارض أي ترتيبات تحد من نفوذه، ويعكس هذا التشابه نمطاً متكرراً في السياسة الأمريكية يقوم على دعم المؤسسات الرسمية ومحاولة تقليص نفوذ القوى غير الحكومية، مع إدراك أن نجاح أي تفاهم يبقى رهناً بقدرة هذه المؤسسات على فرض سلطتها في مواجهة القوى الموازية.

ومن المرجح أن يعيد هذا الاتفاق فتح النقاش حول دور الدولة في احتكار السلاح مقابل استمرار نفوذ حزب الله كقوة عسكرية وسياسية موازية، الأمر الذي يحتمل معه أن يتعمّق الانقسام بين القوى السياسية، فالتيار المؤيد لاستعادة سلطة الدولة يعتبر الاتفاق فرصة لتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية وإعادة الاعتبار للجيش، فيما يراه مؤيدو المقاومة تهديداً لمعادلات داخلية واقليمية، ولا شك أن هناك خشية من أن ينعكس الاتفاق على المشهد الطائفي، حيث تتباين المواقف بين مؤيد ومعارض وفقاً للانتماءات السياسية والطائفية، بما في تحركات من قبل حزب الله وأنصاره تتجاوز مجرد التعبير السلمي عن رفض الاتفاق، كما قد يواجه الاتفاق تحديات اقتصادية واجتماعية مرتبطة بمدى قدرة الدولة على استثمار الدعم الدولي وتحويله إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين، وهو ما سيؤثر على شرعية الحكومة داخلياً.

ان الحقيقة المؤكدة ان هذا الاتفاق سيبقى مرهوناً  بعاملين هما الأول : قدرة القوى اللبنانية على بناء توافق داخلي يوازن بين مقتضيات السيادة ومتطلبات الاستقرار، وهناك شكوك عميقة بامكانية انجاز هذا التوافق، والثاني: انه رغم محاولات امريكا واسرائيل التاكيد على ان ملف لبنان منفصل كليا عن ملفات ايران، الا ان المؤكد  ايضا ان موقف إيران وحلفائها سيبقى احد أبرز المحددات في التنفيذ، حيث يمكن لأي تعثر في الحوار الأمريكي الإيراني أن ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية، وهو ما يعني عمليا أن الملف اللبناني مرتبط بملفات ايران.

  وفي تقديرات مستقبل الاتفاق، يتوقع ان نكون أمام  ثلاثة سيناريوهات، وهي الأول: يتمثل في نجاح طويل الأمد يعزز دور الدولة اللبنانية ويخفض احتمالات الحرب، أما الثاني:فيقوم على استمرار الاتفاق كإطار أمني يمنع التصعيد دون الوصول إلى سلام شامل بما يشبه حالة "اللاحرب واللاسلم"، فيما يتمثل السيناريو الثالث: بفشل التنفيذ وعودة التوترات العسكرية، خصوصاً إذا تصاعد الخلاف حول سلاح حزب الله أو شهدت المنطقة مواجهات إقليمية جديدة مع ايران.

وفي الخلاصة، فان المؤكد ان الاتفاق اللبناني الإسرائيلي لا يمثل نهاية للصراع، بل محاولة لإدارته ضمن ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، وسيبقى نجاحه مرهوناً بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها، وبمواقف القوى الداخلية والإقليمية، وباستمرار الرعاية الأمريكية والدولية، وسيبقى السؤال الأساسي فيما إذا كان هذا الاتفاق يمهد لتسوية أكثر استدامة، أم أنه سيظل مجرد هدنة مؤقتة في منطقة تعيش على إيقاع الأزمات والتحولات؟وربما تكون الاجابة في الايام القادمة برصد المؤشرات التي يمكن مراقبتها حول مدى التزام الجيش اللبناني بالانتشار على الحدود، وسلوك حزب الله في الجنوب، والموقف الإسرائيلي من أية خروقات، وحجم الدعم الدولي للبنان مالياً وأمنياً، والجهود التي ستبذل لتعزيز التنسيق بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة لضمان الرقابة، بالاضافة لدعم الجهود الدولية والاقليمية للجيش اللبناني لزيادة قدرته على ضبط الحدود،وبناء جبهة سياسية داخلية داعمة للاتفاق لتقليل الانقسامات، ويرجح أنها جميعا مرتبطة بمستقبل الملف الإيراني.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية