"أخوّة السلاح...مذكرات الثورة السورية": سردٌ عميق يثير الأوساط الأمريكية

الإرهاب

"أخوّة السلاح...مذكرات الثورة السورية": سردٌ عميق يثير الأوساط الأمريكية

مشاهدة

21/10/2018

"قراءة هي الأكثر وضوحاً وضرورةً على واحدة من أكثر الحروب تدميراً في عصرنا"، هكذا كتبت الأكاديمية  والناشطة الأمريكية الشهيرة أنجيلا ديفيز، عن كتاب "أخوة السلاح.. مذكرات الثورة السورية"، الصادر حديثاً في الولايات المتحدة، وهو "مذكرات فورية قوية من قبل شاب بلغ سن الرشد خلال الحرب السورية، توفر عدسة حميمة لأشد نزاع دموي في هذا القرن، وتمنح الفرصة للتأمل العميق في معنى الأخوة، الوطن والحرية".

هذه المذكرات القوية، المضاءة برسوم استثنائية من الفنانة والصحافية الأمريكية، موبي كرابابل، التي غطت الصراعات على امتداد الشرق الأوسط "توفر عدسةً نادرةً يمكننا من خلالها رؤية منطقةٍ في صراع مميت" يكتب، بريان ستيفنسون، مؤلفُ كتاب "الرحمة العادلة".

 كتاب "أخوة السلاح.. مذكرات الثورة السورية"

بدايات التوثيق

تبدأ المذكرات بانضمام مروان هشام ورفيقاه في الدراسة (نائل وطارق) العام 2011، إلى الاحتجاجات الأولى لـ "الربيع العربي" في سوريا، رداً على مجزرة وقعت في مدينتهم (الرقة)، ساروا بأذرع متشابكة، وسكبوا من مشروب "كوكاكولا" في أعين بعضهم، لتخفيف آثار الغاز المسيل للدموع، والهروب من قوات الأمن، والهتاف ضدّ رئيس البلاد، بشار الأسد.

صار الأصدقاءُ الثلاثة على مفترقِ طرق: أحدهم إسلاميّ متمرد، وآخر قتله جنود النظام، وثالثهم صار صحافياً في تركيا

لقد شعروا بالنشوة؛ كانت الثورةُ المضمرة في النفوس قد اندلعت أخيراً، ويبدو أنّ التحررَ من الدكتاتور كان وشيكاً على النصر، لكن بعد خمسة أعوام؛ صار الأصدقاءُ الثلاثة على مفترق طرق: أحدهم إسلاميّ متمرد، وآخر مات على أيدي جنود النظام، وثالثهم صار صحافياً مقيماً في تركيا، هو المؤلف مروان هشام، الذي يحاول أن يجدَ طريقاً للعودة إلى مدينته، وإن صارت أنقاضاً.

بقي مروان هناك، ليشهد ويوثق مباشرة الحرب السورية، منذ نشأتها وحتى اليوم، شاهد من فوق أسطح المنازل قصف الطائرات الحربية لمجموعات الناشطين المنتفضين، الذين عاشوا حلماً بالحرية لبضعة أيام، مات أصدقاء المؤلف الشاب، أو انضم بعضهم إلى "الجهاديين الإسلاميين"، فيما صار مروان هشام صحافياً، بتغريداته الشجاعة، من مدينته الواقعة تحت الحصار من قبل داعش والروس والأمريكيين في آن واحد، ورأى أنّ البلد الذي دخل عروقه، البلد الذي يحمل آماله وأحلامه ومخاوفه، يتم تدميره أمامه، وفي النهاية؛ انضم إلى اللاجئين الذين يخاطرون بحياتهم في موجات الهروب.

المؤلف مروان هشام

عام 2014، جمع لقاء على "تويتر" هشام وكرابابل، أسفر عن خطة لتعاونهما الأول: هو يأخذ صوراً للحياة في ظلّ داعش، وتقوم هي برسمها؛ حيث نشرا المجموعة الأولى من الأعمال في مجلة "فانيتي فير" المشهورة، واستمرّا بنشر مشروعات مماثلة من الموصل (عاصمة داعش في العراق) وحلب (معقل للمتمردين في شمال سوريا).

اقرأ أيضاً: من مستنقع "الرذيلة" نعطي دروساً بـ "الفضيلة"!

ومن خلال أكثر من ثمانين رسمةً بالحبر من كرابابل، التي تبعث الحياة في الجمال والفوضى، يقدم كتاب "أخوة السلاح" انعكاساً على مستوى الأرض حول الثورة السورية، وكيف تمزق حلمُ الحرية بين أنياب التدخل الخارجي والخلافات الدولية، "هذه هي قصة البراغماتية والمثالية، والعنف المستحيل والقمع، وحتى في خضم الحرب، نتعرف على أعمالٍ شجاعة وإبداعٍ وآمالٍ عميقة، ضمن كتاب من القوة العاطفية المذهلة والعمق الفكري"، كما يقول بانكاج ميشرا، مؤلف كتاب "عصر الغضب".

الفنانة والصحافية الأمريكية موبي كرابابل

خيارات السلاح الصعبة

وردّاً على سؤال: "ثلاثة أصدقاء ذهبوا في اتجاهاتٍ مختلفةٍ للغاية؛ ما الذي يجعل بعض الناس يحملون السلاح وغيرهم يتحولون إلى أشياء مثل الصحافة أثناء الحرب؟"، يقول المؤلف والصحافي الشاب مروان هشام: "السؤال عن وضع كهذا يبدو محقاً، لكنّني أعتقد أنه لا يوجد جوابٌ لذلك.

كان الصحافيُ الشاب يلتقط صوراً لعناصر داعش في المقهى، ويبثّ الأخبارَ من داخل الرّقة لدرجة أنه بات رافضاً للخروج من المدينة

في ذلك الوقت، كان كلّ واحدٍ منا يبحث عن معنى لدور يلعبه، لم يكن التقاعسُ عن العمل مغرياً لنا، أردنا أن نفعلَ شيئاً، هذا هو ما يحفز الشبابَ على عكس الجيل الأكبر سناً، الخطأ واضحٌ: قتل الناس خطأ، والسرقةُ خطأ، لكنّ الانضمامَ إلى جماعةٍ مسلحة أم لا، هذه أمورٌ مطروحةٌ للنقاش، أفهم بالتأكيد لماذا ذهب أصدقائي في خياراتهم، رغم أنني لا أتفق معهم".

بينما تقول المؤلفة المساعدة والرسامة، مولي كرابابل، مجيبة عن السؤال ذاته: "الموقف يعتمد على المكان الذي تجد نفسك فيه، دعنا نقول إنك في احتجاج وتعتقل وتعذب، أو إنّ شخصاً ما تحبه يتعرض للتعذيب أمامك، ويحدث شيءٌ مشابه لك، هذا قد يغيّر الطريقة التي تنظر بها إلى احتمالات الحلّ السلمي، أو المصالحة مع الحكومة.

اقرأ أيضاً: ماكغورك التائه في العراق

أو لنفترض أنّك كنت تقوم بالخدمة العسكرية أثناء الحرب، وكنت من الذين لم يرغبوا في إطلاق النار على أشخاص مدنيين، ورفضوا قتل سوريين آخرين؛ هناك خيار واحد فقط: كان عليك أن تهاجر، وبمجرد هجرتك، يعني أنك أصبحت رجلاً مطلوباً، وحين تكون في الرّقة، فسوف تحصل على قنابل تتساقط عليك، أشياءٌ خارجة عن سيطرتهم أجبرتهم على خيارات سيئة".

بات رافضاً للخروج من المدينة رغم الذعر المتواصل

نوع من الانتقام؟

في المذكرات؛ يفتتح هشام مقهى إنترنت، ليكتشف أنّ جيرانه هم من مقاتلي داعش، الذين أصبحوا عملاءه الرئيسيين، يقول: "لن يكون الوضع طبيعياً أبداً ما لم تكن واحداً منهم، أعني واحداً منهم، وليس مؤيداً لهم، بل مقاتل معهم، فهؤلاء الناس لديهم طريقة تفكير معينة، نمط حياة معين، أمزجة معينة، يجبُ عليك اتباعها والطريقةُ الوحيدة كي تستمر في حياتك إذا كان لديك اتصال معهم؛ أن تتظاهر، على الأقل، بالتوافق معهم، لا يمكنك أن تقول لهم سوى نعم، وتحاول أن تظهر لهم أنك تؤمن بما يؤمنون به، فأيّ خلاف معهم أمر خطير".

اقرأ أيضاً: فرانكشتاين يتجوّل في بغداد مرة أخرى

كان الصحافيُ الشاب يلتقط صوراً لعناصر داعش في المقهى، ويبث الأخبارَ من داخل الرّقة، لدرجة أنه بات رافضاً للخروج من المدينة، رغم الذعر المتواصل، عبر سؤال: "ماذا سأفعل لو اكتشفوا أمري؟"، هنا يسرد هشام: "كنت محظوظاً جداً، لكنّ الشيء الذي جعلني أتحمل هذه المخاطرة، وهو الأكثر أهمية بالنسبة إلي، أكثر من كونه حذراً، هو أنّ ذلك كان نوعاً من الانتقام من داعش، بالنسبة إليّ، وعلى طريقتي الخاصّة".

كرابابل: يميل الأمريكيون إلى النظر للناس في الشرق الأوسط على أنهم أشخاص غريبون

لسنا مهاجرين أو انتحاريين

وبحسب المؤلفة المشاركة، كرابابل: "يميل الأمريكيون إلى النظر للناس في الشرق الأوسط على أنهم أشخاص غريبون، ربما يركبون الجمال، وانتحاريون يرتدون سترات ناسفة. في الواقع؛ نحن جميعاً بشر، لدينا جميعاً الخليط نفسه من الحسنات والسيئات، وأعتقد أنّ ما فعلته، أنا ومروان، هو تحطيم كلام نمطي كاذب ومهين، ومحاولة إظهار الناس والحرب، في كلّ تعقيداتها وتعقيداتهم بثراء التفاصيل والحيوية الإنسانية".

مروان: الشيء الذي جعلني أتحمل هذه المخاطرة أنّ ذلك كان نوعاً من الانتقام من داعش على طريقتي الخاصّة

وتواصلاً مع هذا المعنى؛ يقول هشام: "هدفي الرئيس هو محاربة هذه الصورة النمطية التي قد تكون موجودة حول الناس في الشرق الأوسط، وتحديداً في سوريا. أريد أن أقول، وأن أنقل، نحن بشرٌ أيضاً بنظرتنا الخاصة للعالم، بأفكارنا وآرائنا وثقافاتنا السياسية، لسنا جيدين أو سيئين، لسنا أبطالاً أو أشخاصاً مثيرين للشفقة يحتاجون إلى التعاطف، نحن أكثر تعقيداً من أولئك الذين لديهم هذه الأفكار حولنا، سواء أكانوا جهاديين أو لاجئين أو قتلة جماعيين أو شيء من هذا القبيل، كلّ واحدٍ منا أكثر من ذلك، هذا هو الهدفُ الرئيس الذي أردت أن أنقله من الكتاب، ليس فقط إلى الناس في الغرب، لكن إلى التاريخ".

الصفحة الرئيسية