"مرتزقة أردوغان".. سيناريوهات كارثية للمنطقة والعالم بعد 2020

"مرتزقة أردوغان".. سيناريوهات كارثية للمنطقة والعالم بعد 2020

مشاهدة

29/12/2020

حسين نجاح

خلقت الحرب الأهلية المستمرة في سوريا منذ ما يقارب العقد من الزمان جيلاً كاملاً من الشباب الذين لا يملكون أي مهارات سوى القتال، حيث أودت بحياة حوالي نصف مليون وشردت نصف سكان ما قبل الحرب البالغ عددهم 21 مليون نسمة منذ 2011، وتتحول تدريجياً إلى صراع مجمّد.

في خضم هذه الأزمة، برز استغلال نظام الرئيس التركي رجب أردوغان للشباب السوري وحولهم إلى مرتزقة يقاتلون من أجل المال لتحقيق طموحاته باستعادة ما يطلق عليه «العثمانية الجديدة».

البداية من ليبيا

بدأت عملية تجنيد المرتزقة أواخر ديسمبر 2019، ثم كانوا محط أنظار العالم خلال 2020، بعد أن أرسلتهم تركيا إلى ليبيا وأذربيجان.

يتم اختيار هؤلاء الشباب من بين صفوف قوة بالوكالة أنشأتها تركيا في 2016، والمعروفة الآن باسم «الجيش الوطني السوري» الذي كان أغلبه ينتمي إلى ما يعرف بـ«الجيش الحر»، حيث روجت أنقرة إلى أنها تستخدم تلك القوة لتأمين حدودها الجنوبية ضد تنظيم «داعش» لمنع الانتقادات الغربية، لكن ثبت فيما بعد أنها تتعامل مع هذا التنظيم الإرهابي بل وتحميه.

بروز دور المرتزقة

استخدمت أنقرة «المرتزقة» لشن حرب ضد وحدات حماية الشعب الكردية في شمال وشمال شرق سوريا في عامي 2018 و2019. وكان الأكراد قد حاربوا مع واشنطن ضد «داعش» لكن خذلهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسلمهم لقمة سائغة لحليفه أردوغان في خطوة أثارت انتقاداً من قوى الحلفاء في الحرب ضد داعش.

كمال سيدو، خبير الشرق الأوسط في جمعية حقوق الإنسان للشعوب المهددة، قال لمحطة دويتشلاند فونك الألمانية إن "الجيش السوري الحر غير موجود عملياً". وأضاف أن "الجيش السوري الحر عبارة عن ستار من الدخان يخفي أسماء مختلفة، من مجموعات متطرفة وجهادية."

تشارلز ليستر من معهد بروكينغز للأبحاث حدد ما يقارب 80 فصيلاً مختلفاً ارتبط بما يعرف بالجيش الحر "غالباً ما يسعون وراء أهداف سياسية مختلفة تماماً».

الولاء والانتماء

ورغم الجدل حول طبيعة ما يعرف بـ«الجيش الوطني السوري»، أصدر مركز «سيتا» التركي للدراسات في نوفمبر، دراسة مفصلة عن هذا الكيان المدعوم تركياً، خلصت إلى أن ما يعرف بـ«الجيش الوطني» هو نفسه ما كان يعرف بـ«الجيش الحر» والذي فقد الدعم الغربي وأصبحت تركيا الداعم الوحيد له حتى تضمن ولاءه وحاولت تحسين صورته وتسويقه على أنه تكتل يجمع الفصائل المسلحة المعتدلة.

لكن في أكتوبر الماضي، كشف تقرير لمفوضية الأمم المتحدة أن «الجيش الوطني»، الخاضع لتركيا، ارتكب جرائم حرب في سوريا، بما في ذلك احتجاز الرهائن والمعاملة القاسية والتعذيب والاغتصاب.

وقدرت الدراسة التركية أعداد مقاتلي هذا الجيش بـ30 إلى 40 ألف مقاتل مقسمة على 3 فيالق رئيسية تندرج تحتها العديد من المجموعات.

حقيقة الدعم التركي

ظاهرياً تقوم تركيا بدعم هذا الكيان بالمال والسلاح، لكن التقارير الموثقة والتي كٌشف عنها مؤخراً تؤكد أن تلك أكذوبة تركية، لأن أنقرة بعد أن سيطرت على مناطق شمال سوريا بمعاونة هؤلاء المقاتلين ضد الأكراد بدأت في التعاون مع داعش مالياً وشراء النفط منه وحقق النظام التركي أرباحاً طائلة مكنته من الإنفاق على دعم هذا الجيش بل وتحقيق أرباح أيضاً.

وفي تصريحات لـ«لرؤية» من واشنطن، كشف الخبير التركي المتخصص في شؤون الإرهاب، أحمد يايلا، أن نظام أردوغان مكن التنظيم الإرهابي من بيع النفط وبالتالي وفر له مورداً مهماً للاستمرار، وأن أدلة موثقة تؤكد تورط مسؤولين أتراك، ومنهم صهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في شراء نفط داعش من خلال شركات تم تأسيسها تحت واجهات مزيفة - وهي إجراءات ساعدت في ملء خزائن الإرهابيين ومساعدة أنقرة على الإنفاق على «جيش المرتزقة».

بجانب أموال النفط المهرب، استعانت تركيا بالممول القطري لدعم عملياتها في سوريا وخارجها، حيث التقت الأهداف التركية والقطرية معاً لتحقيق طموحات توسعية في المنطقة وزاد الأمر بعد المقاطعة العربية للدوحة بسبب استمرارها في دعم الإرهاب وزعزعة استقرار الدول العربية، فكانت سوريا والجماعات الإرهابية ضالتهم والهدف الذي اجتمعت عليه الدوحة وأنقرة.

حصلت تركيا على مليارات الدولارات من قطر لشراء أسلحة وعتاد لهذه الجماعات السورية، وهو ما كشف عنه مؤخراً عميل تركي ساهم في عمليات نقل الأسلحة إلى سوريا يدعى نوري جوخان بوزكير.

وكشف بوزكير في حديث لموقع «سترانا» الأوكراني، أنه شارك في نقل الأسلحة للمسلحين في سوريا عبر عمليات نظمتها الاستخبارات التركية «إم إي تي»، ومولتها قطر، ونشر صوراً ومقاطع فيديو من أرشيفه الشخصي لنقل الأسلحة والأموال.

المستقبل والسيناريوهات

برزت خطورة هؤلاء المقاتلين أكثر خلال العام الجاري بعد انتشار تقارير عن مرتباتهم التي تصل إلى ألفي دولار شهرياً، وصورهم وهم يرتكبون جرائم نهب في ليبيا، وبعد أنباء وصولهم للمشاركة في الصراع بين أرمينيا وأذربيجان. وهنا يبرز التساؤل حول مستقبل «جيش المرتزقة» بعد 2020، وما مصير هذا الكيان في حال غاب الدعم التركي أو استمر؟

هناك سيناريوهان متوقعان لمستقبل هذا الكيان المسلح الذي بدأ كمعارض وتحول إلى الإرهاب والقتال بالوكالة.

رحيل أردوغان

لا يرى الباحث في الشأن السوري والجماعات الإسلامية، عرابي عبدالحي عرابي إمكانية توقف الدعم التركي لـ«الجيش الوطني» حتى في حال تغيير رأس السلطة في تركيا.

وأوضح عرابي في تصريحاته لـ«الرؤية» من تركيا، أن هناك تناغماً حالياً بين المؤسسة الأمنية والعسكرية التركية والسياسة الخارجية لأنقرة وهو ما يعزز الاتفاق على أن سياسة دعم هذا الكيان لتحقيق أهداف أنقرة الخارجية وخصوصاً في دول الجوار ومحاربة حزب العمال الكردستاني ستستمر.

وتابع عرابي «الدعم لن يتوقف ولكن ربما تتغير صورته أو حجمه أو طبيعة المشروعات التي تتم حالياً بالتعاون بين الطرفين.«

أما مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبدالرحمن، فيرى أن توقف الدعم التركي ومن ورائه الدعم القطري عن هذا الفصيل المسلح يعني انهياره تماماً وهو ما يشكل كارثة تضاف إلى كوارث سوريا لأن هذا الجيش يضم مجموعات متطرفة مستعدة لتنفيذ عمليات إرهاب لمن يدفع لها.

وأشار عبدالرحمن في تصريحات لـ«الرؤية» من لندن، إلى أن فكرة انضمام البعض منهم للجيش السوري النظامي مشكوك فيها نظراً للعداء مع دمشق، وانعدام الثقة بين الطرفين، والتاريخ الدموي الذي تشكل منذ 9 سنوات

ولكن عرابي يقلل من خطورة «الجيش الوطني»، ويرى في تصريحاته لـ«الرؤية» أنه في حال تمت تسوية الأزمة السورية فإن انضمام هؤلاء المقاتلين للجيش السوري وارد جداً، حسب قوله، لكنه يستدرك بأن هناك احتمالات خروج تشكيلات من داخله أو ما يمكن أن يطلق عليهم «أمراء الحرب» يسعون لتحقيق مكاسب شخصية.

وأشار الباحث السوري إلى أن بعض الدول سوف تستغل حاجة هؤلاء للمال وربما تستغلهم لتحقيق أهداف وقد يكون ذلك عبر تجنيدهم للعمل ضمن شركات أمنية، أو تحقيق أهداف إقليمية.

بقاء أردوغان

مدير المرصد السوري يرى أن السيناريو كارثي داخل سوريا في حال رحل أردوغان، وسيكون أسوأ إذا استمر في السلطة لأنه لن يتخلى عن هذه الورقة أبداً لأنه بدونها لن يكون له أي دور أو سلطة في الداخل السوري، ففي حال استمر أردوغان، يعني ذلك استمرار خططه التوسعية ومحاولة تحقيق طموحاته «العثمانية الجديدة» التي بدأت بنشر المرتزقة في ليبيا وأذربيجان.

مؤخراً برز العديد من التقارير حول أن المحطة المقبلة لأردوغان قد تكون إفريقيا عبر الصومال حيث بدأ أردوغان خططه للتمدد هناك عبر ما يمكن تسميته «تتريك الصومال».

ومؤخراً بدأت المخابرات التركية الاستعدادات لتدريب المرتزقة السوريين في القاعدة التركية بعفرين السورية تمهيداً لإرسالهم إلى الصومال، بحجة دعم الجيش الفيدرالي في مواجهة حركات التمرد المناوئة للسلطة القائمة.

محاولات أردوغان لم تتوقف أيضاً خلال عام 2020 عند إفريقيا بل امتدت إلى آسيا، حيث حاول أردوغان التدخل في الصراع حول كشمير داعماً باكستان ضد الهند.

في بداية ديسمبر الجاري، أبلغ ‏‏القائد العام لفرقة السلطان سليمان شاه محمد جاسم، الشهير بـ«أبوعمشة»، ميليشياته في عفرين بأن تركيا أرادت نقل بعض الوحدات إلى كشمير.

لم يرد أبوعمشة، المعروف بولائه وتمجيده لتركيا وقطر، على اتصالات «الرؤية» للتعليق.

على الجانب الأوروبي، شهد 2020 نزاعاً بين أنقرة واليونان حول التنقيب غير القانوني عن الغاز في مياه المتوسط، وهو الوضع الذي بلغ حالة الاحتقان مع دخول فرنسا على خط الأزمة لدعم اليونان مؤخراً، فهل يستخدم أردوغان عناصر المرتزقة في حال نشوب اشتباك مسلح مع اليونان؟

قد يكون السيناريو الأخطر أن أردوغان الذي يواجه ضغوطاً كثيرة من أوروبا أو الولايات المتحدة مع وجود رئيس جديد هناك، قد يحاول الضغط بورقة اللاجئين وفتح الحدود ولكن الأخطر أنه قد يطلق عناصر هذه الكيان الخطير ليندسوا وسط اللاجئين إلى أوروبا وهو سيناريو كارثي تخشى منه القارة العجوز.

عن "الرؤية" الإماراتية

الصفحة الرئيسية