الخوارزميات تعيد صياغة التاريخ

الخوارزميات تعيد صياغة التاريخ

الخوارزميات تعيد صياغة التاريخ


24/09/2026

رفعت رشاد

لم يشهد التاريخ ثورة معلوماتية كما يشهد عصرنا الحالي من خلال منصات التواصل الاجتماعي . كانت ثورة الإعلام منذ عقود هي الأبرز والأكثر تأثيرا، لكن المنصات تفوقت على كل ما عداها ونشرت خلال سنوات قليلة ما لم يعرفه العالم من قبل من حيث الحجم والعناوين والموضوعات. لكن، كما أن لكل شيء جوانب إيجابية، هناك للمنصات جوانب أكثر سلبية.

أتحدث عما أراه في مصر، أرى كميات هائلة من تزييف الوعي وضرب الثوابت في جذورها والسعي الحثيث لتغليب اللاوعي وطمس الهوية. صفحات عديدة، سواء حقيقية أو مفبركة، تتلاعب في تفاصيل تاريخية ظلت ثابتة وراسخة بحكم المؤرخين والكتب والمضابط والوثائق، لكن يأتي البعض ممن لا صفة لهم لكي يروي حكايات لا سند لها ولا توثيق لكي يدين هذا ويرفع ذلك إلى عنان السماء . كتل بشرية نوعية تتصادم وتتصارع على صفحات المنصات الاجتماعية . مجموعات تحلم بعودة زمن الملكية، وفي سبيل ذلك ينسفون كل تاريخ جمال عبد الناصر وثورة يوليو 1952 . مجموعات أخرى تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين , لم ينسوا نتيجة الصدام بينهم وبين ثورة يوليو خاصة جمال عبد الناصر , فيقومون بوصفه ووصمه بكافة الموبقات والرذائل , مجموعات أخرى تساند تاريخ السادات وهؤلاء يقومون أيضا بصب اللعنات على جمال عبد الناصر ووصفه بكافة الصفات السلبية . وعلى الجانب الآخر تقف مجموعة انصار جمال عبد الناصر بالمرصاد لكل من يقترب من الزعيم ولا مانع من ضرب ثوابت تاريخ الملكية والسادات وبالطبع الإخوان المسلمين .

صارت منصات التواصل الاجتماعي الساحة الأكبر والأكثر اتساعا وتأثيرا . لم تعد معركة الأفكار في عصرنا تدور فقط في الكتب والصحف وقاعات الجامعات ، لم تعد صناعة الوعي حكرا على المدرسة أو الأسرة أو وسائل الإعلام التقليدية . انتقلت المعركة إلى شاشة صغيرة يحملها الإنسان في يده معظم ساعات يومه ، أصبح التاريخ نفسه مادة قابلة لإعادة التشكيل ، لا لأن أحداثه تغيرت ، إنما لأن الطريقة التي يتذكر بها الناس تلك الأحداث تغيرت .

إن ما يحدث هو أكثر التحولات إثارة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد السؤال، ماذا حدث؟ أصبح ماذا سيظهر للناس عن الذي حدث ؟ من سيظهر لهم؟ كم مرة سيظهر؟ بأي صياغة؟ من سيبدو في القصة بطلا ، من سيكون المخطئ ، ومن سيختفي تماما من المشهد؟ .

التاريخ في جوهره سجل لما وقع في الماضي ، لكنه بالنسبة إلى المجتمعات أكثر من ذلك , إنه جزء من ذاكرتها الجماعية ، من خلاله تتشكل صور الأبطال والرموز والقيادات، تتكون رواية المجتمع عن نفسه . لذلك فإن العبث بالمعلومة التاريخية لا يعني مجرد تغيير تفصيل صغير في قصة قديمة، بل يعني إذا تكرر وانتشر ، إعادة ترتيب الذاكرة الجماعية ذاتها.

قد لا يبدأ الأمر بكذبة كبيرة، ربما يبدأ بمنشور قصير يقتطع جملة من سياقها، أو صورة قديمة يكتب فوقها تعليق جديد ، أو مقطع فيديو يجمع أحداثا متباعدة زمنيا ويقدمها كما لو كانت حدثا واحدا، أو بإدعاء مجهول المصدر يقول إن شخصية تاريخية فعلت شيئا لم تفعله، أو إنجازا لم تحققه، أو موقفا لم تتخذه. في المقابل يمكن أن تسحب من شخصية أخرى إنجازات حقيقية، أو تنسب إليها أخطاء لم تثبت، أو يعاد تفسير موقفها القديم وفق خصومات الحاضر.

الأخطر أن الكذبة الرقمية لا تحتاج دائما إلى إقناع الجميع حتى تؤثر في الوعي . يكفي أن يراها الإنسان مرة ثم أخرى ، ثم يجدها في حساب آخر ، ثم يسمع شخصا يتحدث عنها في مقطع فيديو ، ثم يقرأ تعليقا يؤكدها ، حتى يبدأ الإحساس بالألفة في الحلول محل التحقق . ما كان بالأمس ادعاء غريبا يتحول بالتكرار إلى معلومة يصدقها الجميع .

هذه الظاهرة ليست من اختراع وسائل التواصل الاجتماعي . فالتلاعب بالذاكرة والدعاية وانتقاء الوقائع وإعادة تفسير التاريخ وفق مصالح الحاضر ، كلها ظواهر أقدم بكثير من الإنترنت . كانت الصحيفة والرواية الرسمية والخطاب السياسي والكتاب المدرسي والأعمال الفنية أدوات يمكن أن تؤثر في الطريقة التي تتذكر بها المجتمعات ماضيها . الجديد أن وسائل التواصل منحت هذه العملية سرعة وانتشارا وقدرة على التكرار والتخصيص لم تكن متاحة بهذا الحجم من قبل .

أصبح في استطاعة فرد واحد أن ينتج رواية تاريخية من هاتفه ، ثم تصل خلال ساعات إلى آلاف أو ملايين الأشخاص ، وقد يعيد إنتاجها آخرون بصورة مختلفة ، فتتحول الرواية إلى سلسلة لا يعرف فيها أحيانا المصدر الأول ولا اللحظة التي دخلت فيها المعلومة الخاطئة إلى التداول .

السر في الخوارزميات، الخوارزميات ذاتها ليست مؤرخا ولا سياسيا ولا صاحب عقيدة، إنها نظام مصمم لترتيب المحتوى والتنبؤ بما قد يجذب انتباه المستخدم أو يدفعه إلى التفاعل والاستمرار في استخدام المنصة. هذه الوظيفة التقنية يمكن أن تنتج آثارا اجتماعية عميقة. عندما يصبح الإعجاب والتعليق والمشاركة والمشاهدة الطويلة إشارات تساعد النظام على تحديد ما يستحق الظهور ، فإن المحتوى القادر على إثارة الغضب أو الخوف أو الصدمة أو الاستقطاب قد يمتلك فرصة أكبر للحصول على الانتباه.

تعمل شركات التكنولوجيا على استخدام كل الوسائل لتعظيم التفاعل على المنصات، وتوجد بالفعل أبحاث تجريبية تشير إلى أن أنظمة التوصية القائمة على التفاعل يمكن أن تزيد ظهور المحتوى العاطفي والسام، وأن تغيير طريقة ترتيب المحتوى يمكن أن يغير نوعية ما يتعرض له المستخدمون. وفي دراسة منشورة في عام 2026، وجد الباحثون أن موجزا يعتمد على التفاعل زاد تعرض المشاركين للمحتوى العاطفي والأخلاقي والاستقطابي مقارنة بالموجز الزمني ، بينما أدى تصميم خوارزمي بديل إلى تقليل التعرض لذلك النوع من المحتوى.

هذا يخلق حلقة تغذية راجعة شديدة الأهمية. ينشر شخص معلومة مثيرة، فيتفاعل معها الناس بكثافة، فتتعلم المنصة أن المحتوى يجذب الانتباه، فيزداد ظهوره، فيراه عدد أكبر من الناس، فيزداد التفاعل عليه، فتتعزز إشارات انتشاره مرة أخرى. هكذا يمكن أن تتحول الشعبية إلى سبب لمزيد من الشعبية.

المشكلة ليست بالضرورة أن الخوارزمية تقرر أن تكذب على الناس، إنما أن نظاما هدفه الأساسي تعظيم التفاعل قد يكافئ، من حيث النتيجة، المحتوى الذي يثير الانفعال أكثر مما يكافئ المحتوى الذي يستحق الثقة . أظهرت تجارب بحثية أن تدخلات بسيطة تدفع المستخدم إلى التفكير في دقة المعلومة قبل مشاركتها يمكن أن تحسن جودة الأخبار التي يشاركها، كما أظهرت دراسة أخرى أن تقديم معلومات عن مصداقية المصدر أو تذكير المستخدم بالمعايير الاجتماعية المتعلقة بعدم نشر المعلومات المضللة يمكن أن يقلل الانخراط معها.

لكن الخوارزمية ليست اللاعب الوحيد في هذه القصة. الإنسان الذي يشارك قبل أن يتحقق، و الحساب الذي يبحث عن الشهرة، ومن يمتلك مصلحة سياسية أو تجارية ، ومجموعات منظمة يمكن أن تستغل المنصات لنشر رواية معينة، وهناك الحسابات الآلية التي تستطيع تضخيم الرسالة في لحظاتها الأولى. وقد وجدت دراسة واسعة حللت ملايين المنشورات على تويتر أن الحسابات الآلية كان لها دور غير متناسب في نشر محتوى من مصادر منخفضة المصداقية، خصوصا في المراحل المبكرة من انتشار القصص، بما يساعد على دفعها نحو جمهور بشري أوسع.

لذلك يمكن فهم كيف تتحول واقعة تاريخية إلى ساحة معركة رقمية. قد تبدأ العملية بتغيير معلومة صغيرة ، ثم يأتي الحساب الذي يعيد نشرها، ثم الحساب الذي يضيف إليها تفصيلا جديدا، ثم مقطع الفيديو الذي يمنحها صورة، ثم المؤثر الذي يقدمها في صورة قصة عاطفية، ثم الجمهور الذي يشاركها باعتبارها حقيقة. بعد فترة يصبح السؤال عن مصدر الرواية أقل حضورا من السؤال عن عدد الأشخاص الذين يصدقونها.

في هذه المرحلة لا تعود القضية مجرد تزوير للتاريخ ، إنما محاولة لإعادة توزيع الرموز داخل الذاكرة الجماعية. يمكن لشخصية أن ترفع فوق حجمها التاريخي الحقيقي بإضافة إنجازات لم تثبت لها، ويمكن لشخصية أخرى أن تدفع إلى الهامش عبر حذف إنجازاتها أو تضخيم أخطائها. بمرور الزمن ينشأ جيل لم يعرف الواقعة الأصلية إلا من خلال النسخة الرقمية التي تكررت أمامه.

خطورة الأمر أن المجتمع يفقد تدريجيا قدرته على التمييز بين التاريخ والرواية عن التاريخ . وعندما يحدث ذلك، تصبح الذاكرة الوطنية قابلة للتشكيل وفق من يملك القدرة الأكبر على إنتاج المحتوى أو توزيعه أو تضخيمه . يصبح الأكثر انتشارا، أكثر تأثيرا من الأكثر صحة، والأكثر إثارة، أكثر حضورا من الأكثر توثيقا ، والأكثر تكرارا، أكثر إقناعا من الأكثر ثبوتا.

مواجهة هذه الظاهرة لا تعني إغلاق المجال العام ولا تحويل الإنترنت إلى غرفة رقابة ضخمة. فمواجهة التضليل لا تقل تعقيدا عن المشكلة نفسها، إذ يمكن أن تتحول مكافحة المعلومات الكاذبة إلى ذريعة لحذف آراء صحيحة أو إسكات نقاشات مشروعة إذا غابت المعايير الواضحة والشفافية والمراجعة المستقلة. لذلك نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة في التعامل مع المعلومات، ثقافة تجعل السؤال عن المصدر عادة ذهنية لا إجراء استثنائيا. عندما نرى صورة تاريخية، نسأل متى التقطت؟ من أين جاءت؟ عندما نقرأ اقتباسا منسوبا إلى شخصية عامة، نبحث عن الوثيقة أو الخطاب الأصلي. وعندما تعرض واقعة تاريخية بطريقة شديدة التبسيط، علينا أن نتذكر أن التاريخ الحقيقي غالبا أكثر تعقيدا من منشور قصير.

تحتاج المجتمعات إلى مؤسسات موثوقة تحفظ الوثائق وتتيحها للناس بصورة سهلة، لأن الفراغ المعلوماتي أفضل البيئات التي تنمو فيها الأساطير. عندما يستطيع المواطن الوصول إلى خطاب أصلي أو وثيقة رسمية أو أرشيف صحفي أو دراسة تاريخية موثوقة، يصبح من الصعب أن تحتكر جهة واحدة رواية الماضي.

المنصة تستطيع أن تمنح الكذبة أجنحة، لكنها لا تستطيع أن تجعلها حقيقة تاريخية. على الإنسان المشارك للمعلومة أن يتوقف ليسأل، من قال هذا؟ أين الدليل؟ ما المصدر الأصلي؟

الدفاع عن الحقيقة التاريخية دفاع عن حق الأجيال القادمة في أن تعرف الحقائق عن وطنها ومجتمعها وهويتها، لا من خلال ما نجح أحدهم في جعله منتشرا.

الوطن




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية