الأساطير المؤسِّسة للإسلام السياسي

الأساطير المؤسِّسة للإسلام السياسي

مشاهدة

26/11/2017

مختارات حفريات

تقوم العَلمانية على مبدأ التدبير العقلاني للسياسة، بمعزل عن الحجج الغيبية التي يغلب عليها الظن، وعن الحجج النقلية التي تبقى ترجيحية وحمَّالة أوجه، وعن التهييج الانفعالي الذي يؤجج الغرائز البدائية لدى الإنسان (غرائز الغيرة، والنصرة، والغضب، والثأر، والحمية، ..إلخ) على حساب الحكمة والمعرفة والفهم؛ لذلك كانت العلمانية مصلحة للجميع بلا استثناء، هذا ما يقوله الحس السليم.
لكن، في مواجهة هذا المبدأ العقلاني، لوّح الإسلام السياسي بخمس أطروحات اعتراضية فضفاضة، اتخذت في الغالب شكل شعارات غوغائية صاخبة لغاية ابتزاز السياسيين، وإحراج المواطنين، واستقطاب أصوات الناخبين؛ بل لعلها في واقع الأمر خمس أساطير مؤسِّسة للإسلام السياسي بكافة ألوانه وأطيافه، سنحاول أن نبسّط القول فيها بياناً وتفكيكاً:
أولاً: يجب على المسلمين أن يطبقوا الشّريعة بدل القوانين الوضعية: هذا الشعار المغري والجذاب، الذي يدغدغ المشاعر الدينية للشعوب، يمثّل خديعة أولى وفريّة كبرى، يروج لها أنصار الإسلام السياسي بكل أطيافهم، وبدرجاتهم المتفاوتة في الحدة والشدة، وهو شعار يصدق عليه نفس القول الذي قاله علي بن أبي طالب عن شعار: "لا حكم إلّا لله" حين رفعه الخوارج؛ إذ قال: "كلمة حقٍّ يراد بها باطل"، والحقيقة الضائعة هنا؛ أنّ الشّريعة ليست العقيدة بأية حال، ولا هي "معلوم الدين بالضرورة" كما يقال من باب التعمية والتمويه، ليست الشريعة منطوق الوحي، ولا أقول الرسول ، ولا حتى كلام الصحابة؛ بل الشريعة هي كلام الفقهاء حصراً، إنّها ثمرة ذلك الجهد التشريعي الذي بذله الفقهاء على مدى مئات السنين، أثناء محاولتهم استناط أحكام عامة من بعض آيات القرآن الكريم، وبعض أحاديث الرّسول ، إضافة إلى بعض أقوال الصحابة والتابعين، في بعض الأحيان، يحاولون من خلالها أن يجيبوا على مسائل لا تشملها نوازل النص الأصلي، ولا تشملها أسباب النزول، إنّه الجهد الذي أفضى، في النهاية، إلى عشرات الأحكام الترجيحية في تفاصيل كلّ مسألة أو نازلة على حدة.
من جهة أخرى؛ فإنّ هذا الجهد الفقهي جاء موسوماً بمفاهيم العصر الإمبراطوري، الذي نشأ فيه عصر التوسعات الإمبراطورية، ما جعله، في النهاية، غير متناغم مع عصر الدّولة الوطنية، الذي يُفترض أنّنا دخلنا إليه منذ عقود، وغير متناغم من زمن العولمة، وما يحتاجه هذا الزمن من ترسيخ لقيم التضامن الإنساني، وحفظ النوع البشري، بمعزل عن العصبيات الدينية والمذهبية والطائفية، وبمعزل عن عقيدة الولاء والبراء، والفرقة الناجية، وتقسيم العالم إلى دار حرب، ودار سلام، وما إلى ذلك.

ثانياً: يجب على المسلمين أن يعدّوا القرآن دستورهم الأوحد، ولا دستور غيره: وهذه خديعة ثانية وفرية أخرى، روّجت لها جماعات الإسلام السياسي سواء في السرّ، أو في العلن، وهي في هذا الباب تخالف منطوق الخطاب القرآني؛ لأن القرآن الكريم الذي أطلق على نفسه عشرات الأوصاف (الذِكر، الفرقان، الهدى، البيان، ...إلخ)، لم يطلق على نفسه صفة الدّستور، ولا اختار لنفسه صفة قريبة الدّلالة من معنى الدستور.  ثمّ إنّ القرآن حمّال أوجه، كما قال عنه علي بن أبي طالب، وفيه محكمات ومتشابهات، وفيه آيات ناسخة وأخرى منسوخة، وليس هكذا يكون الدستور. ثمّ إن الدستور، في أصله وأساسه، تعاقد مدني بين المواطنين، تعاقد خاضع للنقاش والمصادقة والتعديل، وهذا ما لا ينطبق على القرآن الكريم. ثم إنّ ملايين المسلمين في عالم اليوم؛ في أندونيسيا، وماليزيا، وتركيا، وإيران، وغيرها. حتى في أوروبا، وروسيا، وجنوب إفريقيا، والولايات المتحدة، وغيرها، يصلّون بالقرآن الكريم، ويتعبدون بقراءته، أو الاستماع إليه، دون أن يفقهوا شيئاً من اللغة العربية، اللهم كلمة واحدة "الله"، وحتى هذه، على الأرجح، أصولها ليست عربية. ومع ذلك، فإنّ صلاتهم جائزة، وعبادتهم جائزة، وليس مطلوباً منهم أن يفهموا اللغة التي نزل بها القرآن. ومرة أخرى، ليس هكذا يكون الدستور.

ثالثاً: العلمانية إقصاء للدين من الحياة: هذه خديعة ثالثة، وفرية رائجة، روّجت لها جماعات الإسلام
السياسي، بلا وجه حقّ غير التعمية والتمويه، والحال أنّ للعلمانية ترجمات وتجليات مختلفة ومتفاوتة، وليس
ضمنها ما يفيد "إقصاء الدين" من الحياة.
إحدى تجلياتها الفصل بين وظيفة الدين ووظيفة الدولة على الطريقة الفرنسية، وبعض تجلياتها الأخرى؛ أن تعترف الدولة بالأديان، والطوائف، والمذاهب الموجودة، على قدم المساواة مع اعتبار "العلمانيين" طائفة مستقلة، وفق الطريقة البلجيكية مثلاً، وهناك منظومات تعليمية تقحم المواد الدينية بطريقة غير إلزامية، وأحياناً دون احتسابها في الامتحانات، كما هو الحال في بعض مقاطعات ألمانيا وإسبانيا، وقد تدخل الرموز الدينية إلى مؤسسات الدولة، كما الحال في أمريكا؛ حيث يؤدي العديد من المسؤولين المنتخبين قَسم اليمين بأسلوب ديني، لكنّ كلّ واحد له الحق في استعمال أسلوبه وكتابه المقدس (الإنجيل، التوراة، القرآن، ...إلخ)
على أن المشترك بين كل هذه التجارب؛ هو مبدأ الحياد الديني والطائفي والمذهبي لمؤسسات الدولة، هذا الحياد يجب أن يتوافر بنحو واضح لا لبس فيه، في السلطتين القضائية والتشريعية، كما يجب أن يتحقق في كلّ من القانون الجنائي، وقانون الأسرة، والمنهاج المدرسي.

رابعاً: الأنظمة العربية فاسدة أو خائنة لأنّها علمانية: انطلاقاً من هذه الخديعة والفري السياسي، أن يروج بأن الثورات على أنظمة مبارك والقذافي وصالح والأسد ما هي إلا ثورات شعوب إسلامية على أنظمة فاسدة؛ لأنها علمانية. إنّه التأويل الذي بزغ بادئ الأمر مع القادة الإيرانيين في قراءتهم لما كان يسمى "الربيع العربي"، حين توهموا بأنّه يقع ضمن خط الثورة الإيرانية، قبل أن يطال الحريق حليفهم السوري.
إن إصرار أنصار الإسلام السياسي على وصف الأنظمة "العربية" بالعلمانية، لا يجانب الصواب وحسب، لكنّه يتجنى على المفاهيم ويحتقر عقل المتلقي، والحق يقال، سيكون من باب التغابي أن نرى العلمانية في قوانين جنائية تعاقب على "الردة"، وتجرّم الإفطار العلني في رمضان، فمن باب الاستغباء أن نصف القذافي بالحاكم العلماني، وهو الذي كانت القبائل الإفريقية تعلن إسلامها على يديه، وكان يؤمّها في بعض الصلوات بالساعات، وسيكون من باب التجاهل أن نعدّ الأسد حاكما علمانياً، وهو الذي ساند المقاومة الإسلامية (حماس والجهاد)، ودعم حزب الله، وأكثر من بناء المساجد والمراكز الدينية، على حساب دور السينما والمسرح والمراكز الثقافية، ثم فتح البلد، في الأخير، لدخول ملالي إيران؛ سيكون من باب الجهل أن نرى العلمانية في مناهج دراسية تعلي من شأن شريعة الإسلام، وفق المذهب السائد في البلد، وسيكون من باب الافتراء على النفس أن نرى العلمانية في دساتير تجعل الشريعة مصدراً للتشريع.

خامساً: الإسلام السياسي هو التعبير السياسي عن الإسلام: وهنا مورس خلط كبير للأوراق، فأوشكت تيارات الإسلام السياسي أن تحتكر تمثيل الإسلام، وتمسح الأرض من كلّ الإسلامات الأخرى المتنوعة والغنية؛ من الإسلام الصوفي، إلى الإسلام الشعبي، إلى الإسلام القرآني، إلى إسلام المذاهب الأخرى من شيعة وإباضية وزيدية وغيرها، وبات الإسلام السياسي يقدّم نفسه في كلّ مناسبة، أو بلا مناسبة، باعتباره الممثل الشرعي والوحيد للإسلام، هكذا أصبح التصويت على أحزاب الإسلام السياسي في الانتخابات يبدو للبعض كأنه تصويت على الإسلام ونصرة للمسلمين، ويبدو الانتماء إليها كأنّه انضمام للإسلام وولاء للمسلمين. وفي الواقع، لم يكن الإسلام السياسي سوى محاولة فاشلة لإنشاء طائفة جديدة داخل الإسلام، لربما توقّع البعض أنّ تلك الطائفة ستنجح، بسبب الممارسة السياسية (البراكسيس بلغة الماركسيين)، في إفراز تجديد فقهي وفكري ملموس، ولو بعد حين، لكن الحاصل أن عقوداً طويلة من الممارسة كشفت بأنّ التركيز "الاجتهادي" على الوصول إلى السلطة، قد خفض السقف الاجتهادي، وجعله أدنى حتى من مستوى الموروث الفقهي القديم، بل انحدر السقف بفعل الإيديولوجية القطبية (نسبة إلى سيد قطب ومحمد قطب)، ثم تمّ الزواج بين الإيديولوجية القطبية والإيديولوجية الوهابية، أثناء مواجهة الناصرية والشيوعية أولاً، وبعدها ارتدّ السيف إلى نحره، حتى بلغت الأمور الدرك الأسفل من جحيم الفتنة.

سعيد ناشيد - عن " الصدى"



الصفحة الرئيسية